سوريا - محليات
ثقة للبيع.. إعلان ما قبل الحقيقة وما بعد القانون
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ٢٤ يونيو ٢٠٢٦، ٠٧:٥٦
3 دقيقة

أفتح هاتفي وأنا أبحث عن خبر أو أقضي دقيقة عابرة، فتطالعني إعلامية أعرفها، تروّج لمنتج تجميلي. أكاد أصدّق، ثم أتذكر أن هذا الوجه ربما لم ينطق بكلمة واحدة مما سمعت، وأن صاحبته تكتشف الآن، كما أكتشف، أن ذكاءً اصطناعياً استعار ملامحها ليبيع منتجاً لم تسمع باسمه في حياتها.
أحاول أن أتجاوز المشهد، فتطالعني مؤثرة يتابعها نصف مليون تُقسم بمنتج لا أعرف مصدره ولا من يقف خلفه. وأنا، كواحدة من هذا الجمهور، أجد نفسي قريبة من التصديق. وبين المشهدين، يطرأ على ذهني من لا يملك ترف الشك: جارتي التي تعتمد على ما يصلها عبر الشاشة لتقرر ما تشتريه، وقد تدفع ثمناً باهظاً لمنتج أقنعها وجه بأنه يستحق؛ وابنتي ذات الأربع عشرة، التي تملك التقنية لكنها لم تكتسب بعد القدرة الكافية على التمييز، وقد تجرّب بعلمي أو من دونه ما لا تدرك مخاطره. والسؤال الذي يبقى معي ليس عن الإعلان نفسه، بل عن القانون الذي يُفترض أن يقف بين هؤلاء وبين ما لا يرونه.
الوجه ليس ملكاً مشاعاً
ثمة فارق جوهري بين أن تُستخدم صورة شخص دون إذنه، وبين أن يُنطَّق على لسانه ما لم يقله: الأول اعتداء على الخصوصية، والثاني مساس أعمق بالهوية، حين تُستعار الثقة المرتبطة بوجه معروف وتُعاد صياغتها في سياق لم يختره صاحبها. هذا ما تتيحه تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم، حين يُعاد تشكيل حضور شخص ما ليبدو وكأنه يروّج لمنتج أو يشهد على أمر لم يصدر عنه أصلاً.
القانون المدني السوري يكفل للإنسان حقاً في صورته، ولا يجيز استغلالها تجارياً دون موافقته. ويُجرِّم المرسوم التشريعي رقم 8 لعام 2021 الإعلان المضلل بأي وسيلة كانت. لكن هذين النصين وُضعا في زمن كان الفرق فيه بين الحقيقي والمصنوع واضحاً للعين المجردة. اليوم، حين تُولِّد خوارزمية وجهاً لا يختلف عن الأصل، يتحوّل النص القانوني إلى أداة غير مصمَّمة لهذا الواقع، وتبقى آلية التطبيق غائبة، لأن الجهة الرقابية لم تصل بعد إلى فضاء لا عنوان فيه ولا سجل تجاري.
هذه الفجوة لا تطرح إشكالاً قانونياً فحسب، بل تمسّ علاقة المتلقي بالمحتوى أيضاً؛ فحين يصعب التحقق مما يُرى، تتراجع الثقة تدريجياً بكل ما يُعرض.
في المقابل، بدأت دول عدة، عربية وغربية، تتعامل مع هذه المسألة بقواعد أكثر تحديداً. فقد جرّمت الإمارات المحتوى المرئي المزيف صراحة ضمن قانون الجرائم الإلكترونية، ومدّت المسؤولية لتشمل الشركة وإدارتها حين يرتكب أحد موظفيها الجريمة باسمها. وصنّفت السعودية الصور بيانات شخصية لا يجوز استخدامها دون موافقة صريحة، بموجب نظام حماية البيانات الشخصية. أما في الولايات المتحدة، فلا يزال قانون NO FAKES الذي يُقِرّ لكل إنسان حقاً في صوته وصورته أمام المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، مشروعاً قيد التداول في الكونغرس، أُعيد تقديمه هذا العام بدعم من الحزبين ولم يُقَرّ بعد. ويكفي وجود هذا الزخم التشريعي المتزايد، عربياً وغربياً، ليؤكد أن العالم يتحرك نحو قواعد استباقية تضع الإذن والشفافية قبل النشر لا بعده.
مؤثرون بلا إطار قانوني
لكن الوجه المزوّر ليس وحده في الميدان. ثمة وجه حقيقي، يملك جمهوراً واسعاً، يقدّم يومياً سلسلة من التوصيات التي لا تفصل بوضوح بين التجربة الشخصية والرسالة التسويقية. في هذا النموذج، لا يظهر الإعلان بوصفه إعلاناً، بل كجزء من الحياة اليومية: حديث عابر، أو تجربة، أو مشاركة تبدو عفوية.
وما يفسّر غياب أي حساسية تجاه هذه المسؤولية هو طبيعة العلاقة نفسها بين المؤثر والمنتج: علاقة قصيرة الأجل، غالباً ما تنتهي بانتهاء مدة القصة الرقمية التي لا تتجاوز ساعات معدودة، وبقبض المقابل المادي المتفق عليه عن الإعلان. فحين يختفي المحتوى، يختفي معه أي أثر يمكن الرجوع إليه أو البناء عليه، بينما يبقى تأثيره فعلياً في قرارات من شاهده. هذه الطبيعة العابرة تُضعف إمكانية المساءلة، إذ يصعب تتبّع ما قيل أو إثباته لاحقاً، حتى لو ترتبت عليه نتائج فعلية.
جزء من قوة هذا التأثير لا يعود إلى المنتج وحده، بل إلى العلاقة التي تتكوّن مع المؤثر نفسه. فالمتابع لا يتعامل مع رسالة إعلانية تقليدية، بل مع شخص يتابعه يومياً ويشعر بقربه منه، ويثق بحُسن نيته. وكلما تكرر هذا النمط من التوصيات، تحوّلت هذه الثقة تدريجياً إلى أداة قابلة للتوظيف، من دون أن تكون حدود استخدامها واضحة دائماً.
وفي هذا السياق، تُعدّ مبادرة السلطات الإدارية بمطالبة المؤثرين بالحصول على تصاريح إدارية خطوة أولى تعكس إدراكاً مبكراً ومسؤولاً لحجم التأثير الذي بات يمارسه هذا النوع من المحتوى. وما يستحقه هذا الإدراك من تطوير هو استكمال هذه الخطوة بمعايير تنظيمية أوسع، تربط الترخيص بمنظومة واضحة للإفصاح عن المحتوى المدفوع والتحقق من سلامة ما يُروَّج له، بما يحوّل التصريح من إثبات للوجود إلى تحديد فعلي للمسؤولية.
وفي تجارب أخرى، جرى التعامل مع هذه الفجوة عبر ربط التأثير المباشر بالمسؤولية القانونية. ففي إيطاليا، يُنظَر إلى المؤثر الذي يتجاوز خمسمئة ألف متابع بوصفه مزوّد خدمة إعلامية، يلتزم بالإفصاح عن كل محتوى مدفوع وبحماية القاصرين الذين يتابعونه. كما اتجهت فرنسا إلى تنظيم مسألة المحتوى الرقمي المعدّل أو المولّد اصطناعياً بشكل صريح. وتشير هذه التجارب إلى اتجاه متنامٍ نحو الاعتراف بأن التأثير، حين يتجاوز نطاقه الفردي، يصبح نشاطاً منظّماً يحتاج إلى إطار يواكبه.
الدواء بلا وصفة
حين يصبح المؤثر جسراً لترويج الأدوية، تتحوّل المسألة من إشكالية تسويقية إلى خطر صحي مباشر. فالمنتجات الطبية وأدوية التنحيف والمكملات الغذائية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي السورية تتوزع بين أدوية تستوجب وصفة طبية ومتابعة سريرية، ومستحضرات مجهولة المصدر لم تخضع لرقابة واضحة، ومستحضرات أخرى يُسوَّق لها بوصفها "طبيعية وآمنة" دون سند مهني كافٍ.
والقانون السوري موجود في هذا المجال: فالمرسوم التشريعي رقم 24 لعام 2010 يُعاقِب من يروّج لمنتج طبي مزوّر أو غير مسجّل بأي وسيلة من وسائل الترويج. إلا أن هذا النص صيغ في سياق تقليدي، يرتبط بسلاسل توزيع واضحة ومعلومة. أما في البيئة الرقمية، حيث يظهر المحتوى ويختفي بسرعة، تواجه الجهات المعنية تحديات إضافية في تتبّع محتوى عابر لا يترك أثراً مستقراً، رغم قدرتها على التعامل مع المخالفات ضمن الأطر المعروفة.
والنتيجة أن من يعتمد على هذه التوصيات قد يجد نفسه في مساحة ملتبسة: يتخذ قراراً صحياً استناداً إلى محتوى غير موثّق، من دون أن يكون الطريق إلى المساءلة واضحاً.
والأخطر في هذه المعادلة هو طبيعة الثقة نفسها. فالمستهلك لا يشتري المنتج فقط، بل يشتري ثقته بمن أوصى به. ومع غياب وضوح المصدر أو المسؤولية، يمكن لهذه الثقة أن تتحول من عنصر طمأنينة إلى عنصر مخاطرة.
ما يقوله القانون السوري وما نحتاجه فعلاً
في هذا المشهد، لا تبدو الإشكالية ناتجة عن غياب النصوص بقدر ما تتعلق بما لم تتناوله هذه النصوص بشكل مباشر فالإطار القانوني الحالي لا يعالج بوضوح طبيعة الإعلان الرقمي كما يُمارَس اليوم، ولا يحدّد بدقة دور المؤثر ومسؤوليته فيه. كما تبقى مسألة المحتوى سريع الزوال، الذي يظهر ويختفي خلال ساعات، خارج آليات التوثيق والمتابعة التقليدية، ما يحدّ من إمكانية مساءلته لاحقاً.
إلى جانب ذلك، لا تزال مسؤولية المنصات الرقمية نفسها غير محددة بدقة، رغم دورها المركزي في نشر هذا النوع من المحتوى والاستفادة منه. وحين يقع الضرر فعلاً، يجد المتلقي نفسه أمام حلقة مسؤولية مكسورة: المؤثر يقول إنه لم يكن يعلم بحقيقة ما يروّج له، والمنتج يختبئ خلف واجهة رقمية بلا عنوان واضح، والمنصة تتذرع بأنها مجرد وسيط لا يتحمّل تبعات ما يُنشر عبرها. وبين هذه الإجابات الثلاث، يبقى المتلقي وحيداً في المنتصف، لا يعرف إلى من يتوجّه ولا كيف يُثبت ما تعرّض له.
وفي هذا السياق، يبرز الاحتياج إلى مقاربة تنظيمية أكثر تخصيصاً، لا تنطلق من فرض قيود إضافية بقدر ما تسعى إلى توضيح الأدوار: تعريفات أوضح للأدوار، وآليات تتلاءم مع خصوصية المحتوى العابر، وتوسيع نطاق المسؤولية ليشمل مختلف الأطراف المشاركة في إنتاج هذا المحتوى ونشره، لا المؤثر وحده. وهذه الاتجاهات بدأت تظهر بالفعل في تجارب تنظيمية مختلفة، وتشير إلى أن التحدي لم يعد في سنّ النصوص بقدر ما هو في تكييفها مع بيئة رقمية سريعة التحول.
المشهد الذي يمرّ يومياً على شاشات الهواتف ليس مجرد تفصيل عابر في عالم رقمي سريع، بل إعادة تشكيل تدريجية لمعنى الثقة نفسها. بين وجه يُستعار، وآخر يُوصي، ومحتوى يظهر ويختفي، يبقى المتلقي أمام واقع لا يملك فيه دائماً الأدوات الكافية للتمييز أو المساءلة.
وحين تتأخر القواعد عن هذا التحوّل، لا تضيع الحقيقة وحدها، بل يضعف الإحساس بوجودها أصلاً. عندها لا يعود السؤال عن صحة إعلان بعينه، بل عن البيئة التي تسمح له بالمرور دون وضوح.
والمطلوب في النهاية ليس تقييد هذا الفضاء، بل جعله أكثر قابلية للفهم: إطار يوضّح الأدوار، ويعيد تعريف المسؤولية، ويمنح المتلقي حق المعرفة قبل أن يُطلب منه التصديق. لأن الثقة، حين تُستخدم كأداة بيع دون ضوابط واضحة، لا تُستنزف في منتج واحد، بل في كل ما يأتي بعده.


