مع الساعات الأولى من صباح الاثنين 21 أيلول، دوّت انفجارات متلاحقة في موقع عسكري بمنطقة الهضبة غرب بلدة العيس في ريف حلب الجنوبي، مسجلة رابع حادث مرتبط بالأسلحة والذخائر تشهده سوريا خلال ثلاثة أسابيع فقط.
ومن بنّش وسرمدا في إدلب، إلى عياش غربي دير الزور، وصولاً إلى العيس جنوبي حلب، أسفرت الحوادث الثلاثة الأولى عن مقتل 30 شخصاً على الأقل وإصابة العشرات، فيما اقتصرت الحصيلة الأولية لحادثة العيس على أربعة مصابين من دون تسجيل وفيات حتى إعداد هذا التقرير.
ورغم التقارب الزمني اللافت بين الحوادث، لا توجد حتى الآن معطيات رسمية تثبت وجود رابط بينها، كما لم تعلن الجهات المعنية نتائج نهائية للتحقيقات تحدد أسبابها.
العيس.. انفجارات متلاحقة مع الفجر
بدأت أحدث الحوادث فجر 21 أيلول، عندما سُمعت انفجارات متتالية في موقع تابع للجيش السوري بمنطقة الهضبة غرب بلدة العيس.
ونقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن فيصل محمد علي، قائد عمليات حلب في مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث، أن استمرار الانفجارات أعاق وصول فرق الإسعاف والإنقاذ في المرحلة الأولى، قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني من دخول الموقع وإجلاء أربعة مصابين.
ومع استمرار الخطر، أخلت فرق الدفاع المدني عدداً من المنازل القريبة، بينما أغلقت قيادة الأمن الداخلي طريق دمشق–حلب الدولي والطرق المؤدية إلى الموقع بصورة مؤقتة.
ودعا محافظ حلب عزام الغريب الأهالي إلى تجنب التوجه نحو منطقة الانفجارات، مشيراً إلى رفع جاهزية المستشفيات وفرق الإسعاف والطوارئ تحسباً لأي تطورات.
من جانبه، قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح إنه يتابع الحادث بشكل مباشر، داعياً السكان إلى عدم الاقتراب من الموقع أو التعامل مع أي أجسام مجهولة، نظراً إلى مخاطر الشظايا والذخائر غير المنفجرة.
وبحسب «سانا»، واصلت الجهات المختصة التحقق من طبيعة الانفجارات، من دون صدور بيان نهائي يحدد أسبابها حتى إعداد التقرير.
وجاءت حادثة العيس بعد ثلاثة أيام فقط من انفجار مخزن للأسلحة والذخائر قرب بلدة عياش غربي دير الزور.
خريطة توضح مناطق انفجار مستودعات الذخيرة في المحافظات السورية خلال شهر أيلول 2026
بنّش.. البداية في الأول من أيلول
بدأت سلسلة الحوادث في الأول من أيلول، بانفجار مركبة محملة بالذخيرة في مدينة بنّش بريف إدلب.
وقال مدير مديرية الإعلام في إدلب أحمد بدوي إن الحادث أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين بجروح طفيفة، مشيراً إلى استمرار عمليات البحث والإنقاذ وتأمين المنطقة عقب الانفجار.
وأوضح وليد أصلان، قائد عمليات مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في إدلب، أن الفرق المختصة توجهت إلى المكان فور تلقي البلاغ، بما فيها فرق التعامل مع الذخائر والإسعاف والإطفاء والبحث والإنقاذ.
وزاد تناثر بقايا الذخائر في محيط الموقع من خطورة الحادث، ما استدعى تدخل فرق متخصصة لتأمين المنطقة، فيما لم يصدر، وفق المعلومات المنشورة، تفسير رسمي نهائي لأسباب انفجار المركبة.
وتختلف حادثة بنّش عن الحوادث الثلاثة اللاحقة من حيث طبيعتها، إذ وقعت في مركبة محملة بالذخيرة وليس داخل مستودع ثابت. وبذلك يمكن الحديث عن أربع حوادث مرتبطة بالأسلحة والذخائر خلال أيلول، ثلاثة منها وقعت في مخازن أو مواقع عسكرية.
سرمدا.. الحادثة الأكثر دموية
بعد ثمانية أيام، شهد ريف إدلب الشمالي الحادثة الأكثر دموية بين الوقائع الأربع.
ففي 9 أيلول، وقع انفجار في مخزن قرب مدينة سرمدا، لترتفع حصيلة الضحايا لاحقاً إلى 14 قتيلاً و11 مصاباً، وفق الحصيلة التي أعلنتها مديرية الصحة في إدلب.
وأوضحت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية أن الموقع عبارة عن مخزن مؤقت يُستخدم لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها، مشيرة إلى وجود عاملين تابعين للوزارة بين الضحايا والمصابين.
وشهد الموقع انفجارات ثانوية بعد الانفجار الأول، ما صعّب عمليات الإنقاذ والإطفاء لبعض الوقت، فيما قال وليد أصلان إن فرق الطوارئ تحركت فور وقوع الحادث وواصلت عمليات الاستجابة والإنقاذ.
وأكدت وزارة الدفاع أن وحداتها عملت بالتنسيق مع الجهات المختصة على تأمين الموقع، قبل أن تعلن لاحقاً تحملها المسؤولية عن الحادث واستمرار التحقيق للوصول إلى أسبابه وملابساته.
وتكتسب حادثة سرمدا دلالة خاصة من طبيعة الموقع نفسه، إذ كان، بحسب الرواية الرسمية، نقطة مؤقتة لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها، في ظل تحديات التعامل مع كميات من الذخائر والأسلحة التي خلفتها سنوات الحرب.
عياش.. 11 قتيلاً من عناصر وزارة الدفاع
بعد تسعة أيام من حادثة سرمدا، انتقلت الانفجارات من شمال غربي البلاد إلى شرقها.
ففي 18 أيلول، وقع انفجار في مخزن للأسلحة والذخائر ضمن موقع عسكري قرب بلدة عياش غربي دير الزور.
وأعلنت محافظة دير الزور في حصيلة أولية مقتل ستة أشخاص وإصابة تسعة آخرين، قبل أن تعلن وزارة الدفاع السورية في اليوم التالي ارتفاع عدد القتلى إلى 11 من عناصرها.
وجرى تشييع الضحايا من المستشفى الوطني في دير الزور بحضور مسؤولين وقياديين في وزارة الدفاع.
وجاء انفجار عياش بعد تسعة أيام من حادثة سرمدا وقبل ثلاثة أيام من انفجارات العيس، لتتقارب ثلاثة من الحوادث المرتبطة بمخازن ومواقع الأسلحة والذخائر خلال النصف الثاني من أيلول.
أربعة حوادث خلال 21 يوماً
يكشف التسلسل الزمني عن تقارب واضح بين الحوادث: انفجار مركبة الذخيرة في بنّش في الأول من أيلول، ثم مخزن سرمدا المؤقت في التاسع منه، فمخزن عياش في 18 أيلول، وصولاً إلى انفجارات العيس فجر يوم 21.
وبذلك سجلت سوريا خلال 21 يوماً أربع حوادث مرتبطة بالأسلحة والذخائر، بينها ثلاثة انفجارات في مخازن أو مواقع عسكرية خلال 12 يوماً.
ووفق الحصائل الرسمية المتاحة، قتل خمسة أشخاص في بنّش، و14 في سرمدا، و11 في عياش، ليبلغ إجمالي القتلى 30 شخصاً على الأقل، في حين لم تسجل حصيلة العيس الأولية أي وفيات حتى إعداد التقرير.
أما الإصابات المعلنة، فبلغت ثمانية في بنّش، و11 في سرمدا، وتسعة في عياش، وأربعة في العيس، مع بقاء الحصائل قابلة للتحديث.
تقارب زمني.. بلا رابط مثبت
يلفت وقوع أربع حوادث خلال ثلاثة أسابيع الانتباه، إلا أن التقارب الزمني وحده لا يكفي لإثبات وجود رابط مباشر بينها.
فالحوادث موزعة جغرافياً بين إدلب ودير الزور وحلب، وتختلف في طبيعتها أيضاً؛ من مركبة محملة بالذخيرة في بنّش، إلى مخزن مؤقت لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قرب سرمدا، ومستودع ضمن موقع عسكري في عياش، ثم موقع عسكري في العيس.
ولم تعلن وزارة الدفاع أو الجهات الحكومية المعنية وجود علاقة بين الحوادث الأربع، كما لم تصدر نتائج تحقيق نهائية تشير إلى سبب مشترك بينها.
إلا أن تكرار هذه الوقائع يعيد إلى الواجهة تحديات التعامل مع الأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب، وما يرتبط بجمعها ونقلها وتخزينها وتأمينها.
ويظهر هذا الجانب بصورة مباشرة في حادثة سرمدا، بعدما أكدت وزارة الدفاع أن الموقع كان يستخدم مؤقتاً لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها.
وتحتاج مثل هذه المواد إلى إجراءات متخصصة خلال عمليات الجمع والنقل والتخزين، خصوصاً في ظل احتمال وجود ذخائر قديمة أو متضررة أو غير منفجرة خلفتها سنوات الحرب. لكن هذا السياق لا يشكل بحد ذاته تفسيراً للحوادث الأخيرة ما لم تثبت التحقيقات الرسمية ذلك.
تكرار الانفجارات يثير الشكوك ومطالب بتوضيح رسمي
أثار تتابع انفجارات مواقع ومستودعات الذخيرة خلال فترة زمنية قصيرة، وتوزعها بين أكثر من محافظة، نقاشاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي حول أسباب هذه الحوادث، بالتزامن مع عدم صدور نتائج نهائية للتحقيقات تحدد ملابسات كل واقعة.
وذهب ناشطون ومدونون إلى طرح فرضيات تتراوح بين وجود خلل في ظروف تخزين الذخائر واحتمال تعرض بعض المواقع لأعمال تخريبية، معتبرين أن تكرار الحوادث في عدة مواقع خلال أسابيع قليلة يستدعي مزيداً من التوضيح. وتبقى هذه الطروحات في إطار التكهنات المتداولة، في ظل غياب أدلة معلنة تثبت وجود رابط بين الانفجارات أو تعرض المواقع لعمل متعمد.
وفي المقابل، تركز جانب آخر من النقاش على البيانات الرسمية والتحقيقات الجارية، إذ طالب معلقون وزارة الدفاع بنشر مزيد من التفاصيل حول نتائج التحقيق في الحوادث السابقة، ولا سيما مع تكرار الانفجارات وسقوط قتلى ومصابين.
كما دعا ناشطون إلى توضيح الأسباب الفنية لكل حادثة، وما إذا كانت مرتبطة بظروف التخزين أو التعامل مع الذخائر ومخلفات الحرب، أو بعوامل أخرى، معتبرين أن إعلان نتائج التحقيقات من شأنه الحد من الشائعات التي تتسع مع كل حادث جديد.
مخلفات الحرب.. خطر يتجاوز المستودعات
ولا تقتصر مخاطر الذخائر على المستودعات والمواقع العسكرية، إذ ما تزال الألغام ومخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة تشكل خطراً في مناطق سورية واسعة، ما يجعل جمعها وتأمينها ونقلها جزءاً من تحديات التعامل مع إرث سنوات الحرب.
وظهر جانب من هذه المخاطر في الحوادث الأخيرة. ففي بنّش، استدعى تناثر الذخائر عقب انفجار المركبة تدخل فرق متخصصة، بينما كان مخزن سرمدا، بحسب وزارة الدفاع، مخصصاً أساساً لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب.
وفي العيس، حذر وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح السكان من الاقتراب من الأجسام المجهولة بسبب مخاطر الذخائر غير المنفجرة.
وعلى الرغم من اختلاف ظروف الحوادث الأربع، فإنها تضع مجدداً مسألة التعامل الآمن مع الأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب أمام تحدٍ أمني ولوجستي واسع.
الأسبابالنهائية بانتظار التحقيقات
حتى 21 أيلول، بقيت الأسباب النهائية للحوادث غير معلنة. ففي بنّش، لم يصدر تفسير رسمي نهائي لانفجار مركبة الذخيرة، وفي سرمدا أكدت وزارة الدفاع استمرار التحقيق لمعرفة الأسباب والملابسات، وهو ما أعلنته أيضاً عقب انفجار عياش. أما في العيس، فكانت الجهات المختصة لا تزال تتحقق من طبيعة الحادث خلال الساعات الأولى.
حوادث مشابهة خلال 2025
لم تكن انفجارات مستودعات الأسلحة والذخائر التي شهدتها سوريا خلال أيلول 2026 الأولى من نوعها، إذ سجل عام 2025 عدة حوادث مشابهة، كان أبرزها في محافظة إدلب.
ففي 24 تموز 2025، انفجر مستودع للذخيرة قرب معرة مصرين شمالي إدلب، ما أدى، وفق وزارة الدفاع، إلى مقتل 11 شخصاً وإصابة آخرين، فضلاً عن أضرار لحقت بمنازل وممتلكات في المنطقة. وبعد نحو شهرين، أعلنت الوزارة أن التحقيقات خلصت إلى أن سوء تخزين الأسلحة والذخائر كان سبب الانفجار.
كما شهدت إدلب خلال العام نفسه انفجارات أخرى طالت مواقع ومستودعات للذخيرة، بينها حوادث في محيط كفريا والفوعة وكفر تخاريم، فيما سجل ريف الحسكة في تشرين الثاني/نوفمبر انفجاراً في مستودع للأسلحة قرب تل براك.
وتضع هذه الوقائع حوادث أيلول الجاري ضمن سياق أوسع من المخاطر المرتبطة بمخازن الذخيرة ومخلفات سنوات الحرب، في وقت تبقى فيه الأسباب النهائية للحوادث الأخيرة مرتبطة بنتائج التحقيقات الرسمية.