سوريا - اقتصاد
المركزي يكشف: أسباب تأخر الإفصاح في المصارف الخاصة
مخصصات التوظيفات في لبنان وإعادة تشكيل الإدارات واستكمال التدقيق وراء تأخر بيانات عدد من المصارف
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ١١:٣٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يشهد القطاع المصرفي السوري الخاص تأخراً ملحوظاً في نشر البيانات المالية السنوية والنصفية لدى عدد من المصارف، الأمر الذي أثار تساؤلات المساهمين والمستثمرين حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التأخير ومدى ارتباطه بالإجراءات الرقابية. وفي إطار إعداد تقرير صحفي حول هذا الملف، تواصلت منصة «العين السورية» مع هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية ومصرف سورية المركزي للحصول على توضيحات رسمية، بهدف عرض الصورة بشكل متوازن وموضوعي.
الإطار القانوني وآجال الإفصاح
يحدد نظام الإفصاح والشفافية الصادر عن هيئة الأوراق والأسواق المالية المهل الزمنية للإفصاحات المالية للشركات المساهمة العامة، بما فيها المصارف. فيجب نشر النتائج الأولية خلال 45 يوماً كحد أقصى من انتهاء السنة المالية، والبيانات المالية السنوية خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، بينما تُنشر البيانات المرحلية (الربع سنوية والنصفية) خلال شهر واحد من انتهاء الفترة المعنية.
ويشمل الحد الأدنى من الإفصاح القوائم المالية الكاملة (قائمة المركز المالي، قائمة الدخل، قائمة التغيرات في حقوق الملكية، قائمة التدفقات النقدية، والإيضاحات)، وتقرير مدقق الحسابات، إضافة إلى الإفصاحات الطارئة عن أي حدث جوهري يؤثر على حقوق المساهمين، والمخاطر، والديون المتعثرة، والتعاملات مع الأطراف ذات العلاقة. وتملك الهيئة صلاحية إلزام الشركات بنشر إفصاحات تصحيحية أو استكمال بيانات ناقصة إذا رأت أن ما نُشر غير كافٍ.
أرقام التأخير وأسبابه حسب الهيئة
أوضحت هيئة الأوراق والأسواق المالية لــ"لعين السورية" أن ثلاثة مصارف لم تنشر بياناتها المالية لعام 2024، وخمسة مصارف لم تنشر بيانات عام 2025، وذلك بسبب عدم صدور موافقة مصرف سورية المركزي على هذه البيانات. أما بيانات النصف الأول من عام 2026 فما زالت المصارف تستكمل إجراءات الحصول على الموافقات اللازمة.
وتؤكد الهيئة أن المسؤولية الأساسية عن الإفصاح تقع على مجلس إدارة المصرف والإدارة التنفيذية، بعد الحصول على موافقة الجهة الرقابية المختصة (مصرف سورية المركزي في حالة المصارف). وفي حال عدم موافقة المركزي، فإن المصرف لا يُعتبر مسؤولاً عن التأخير. وقد سبق للهيئة فرض مخالفات على الشركات غير الملتزمة، وتشمل العقوبات التنبيه والإنذار والغرامات المالية، وتنشر الهيئة في تقاريرها السنوية أسماء الشركات الملتزمة وغير الملتزمة ونسب الالتزام وسجل المخالفات.
مصرف سورية المركزي: أسباب متباينة وليست موحدة
في رده الرسمي على استفسارات "العين السورية" أكد مصرف سورية المركزي (مديرية مفوضية المصارف) حرصه على تعزيز الشفافية، موضحاً أن أسباب التأخر تختلف من مصرف إلى آخر ولا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد. فبعض الحالات ترتبط باستكمال متطلبات مالية أو محاسبية أو رقابية، وأخرى بإجراءات قانونية وإدارية لازمة لإعداد البيانات وتدقيقها.
وبالنسبة إلى بنك بيمو السعودي الفرنسي وبنك الائتمان الأهلي، ارتبط جزء أساسي من التأخير بقرار لجنة إدارة مصرف سورية المركزي رقم (734/ل.إ) تاريخ 21 أيلول 2025، الذي ألزم المصارف التي لديها توظيفات في لبنان بتكوين مخصصات بنسبة 100% مقابل تلك التوظيفات. وقد انعكس هذا القرار بصورة جوهرية على المركز المالي للمصرفين، مما استدعى طلب خطط معالجة للانخفاض في رأس المال استناداً إلى أحكام القانون رقم 23 لعام 2002. وتضمنت خطط المعالجة بيع جزء من استثماراتهما في بنك شهبا، وارتبط جزء من التأخير بانتظار استكمال الإجراءات القانونية لهذه العملية وعكس أثرها الإيجابي ضمن إفصاح الأحداث اللاحقة. كما ساهم تأخر نشر البيانات المالية النهائية لبعض الشركات التابعة لبنك بيمو في تأخير استكمال بياناته.
أما بنك سورية الدولي الإسلامي وبنك الشام وبنك سورية والخليج، فقد ارتبط التأخير بالإجراءات التي استغرقتها عملية إعادة تشكيل مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية الجديدة، بما في ذلك انتخاب المجالس وتعيين مدققي الحسابات الخارجيين، مما استلزم وقتاً إضافياً قبل مباشرة المهام واستكمال إعداد وتدقيق البيانات.
ويشير المركزي إلى أنه يجري حالياً استكمال الإجراءات اللازمة، وسيتم استصدار الموافقات فور استكمال أعمال التدقيق واستيفاء المتطلبات الرقابية.
طبيعة الملاحظات الرقابية والتوازن بين الدقة والسرعة
لا يرتبط التأخير بالضرورة بملاحظة محاسبية واحدة أو ببند محدد، بل قد ينشأ عن الحاجة إلى استكمال متطلبات تتعلق بالمركز المالي أو المخصصات أو معالجة بعض الاستثمارات أو انعكاس عمليات جوهرية، إضافة إلى أعمال التدقيق الخارجي والمتطلبات الإشرافية. وفي الحالات المذكورة، لعب تكوين المخصصات المرتبطة بالتوظيفات في لبنان وخطط المعالجة دوراً بارزاً، بينما ارتبطت حالات أخرى بالإجراءات الإدارية والتنظيمية لإعادة تشكيل الإدارات.
ويؤكد مصرف سورية المركزي أنه يولي أهمية متوازنة لسلامة البيانات المالية ودقتها من جهة، وحق المساهمين والمستثمرين في الحصول على المعلومات من جهة أخرى. فالإجراءات الرقابية لا تستهدف تأخير الإفصاح، بل ضمان أن تكون البيانات المنشورة مكتملة ودقيقة وتعكس الوضع المالي بصورة سليمة، خاصة عند وجود أحداث جوهرية قد تؤثر في قراءة البيانات. ويتابع المركزي المصارف المعنية لاستكمال المتطلبات بما يتيح النشر فور استيفائها.
نحو تطوير الإطار التنظيمي
ترى هيئة الأوراق والأسواق المالية أن نظام الإفصاح الحالي ينسجم مع المعايير الدولية من حيث المدد والمتطلبات. لكنها تعمل على تعديل قانون الهيئة لرفع سقوف الغرامات المحددة منذ عام 2005، لتصبح أكثر ردعاً في ظل تغيرات سعر الصرف، كما أعدت مشروعاً لتحديث نظام حوكمة الشركات المساهمة العامة وفق أحدث الممارسات الدولية.
يكشف هذا الملف عن تقاطع معقد بين متطلبات الرقابة على سلامة القطاع المصرفي وحق الجمهور في الحصول على معلومات مالية في الوقت المناسب. فبينما تؤكد الجهات الرقابية أن التأخير ناتج في معظمه عن استكمال إجراءات جوهرية تتعلق بالمخصصات وإعادة الهيكلة الإدارية والقانونية، يبقى التحدي قائماً في تسريع هذه الإجراءات دون المساس بدقة الإفصاح. ومع استمرار المتابعة من قبل مصرف سورية المركزي وهيئة الأوراق، ينتظر المساهمون والمستثمرون نشر البيانات المتأخرة في أقرب وقت، لتعزيز الثقة والشفافية في القطاع المصرفي السوري.


