سوريا - اقتصاد
بعد صعود الدولار 40% خلال عام ماذا بقي من قيمة رواتب السوريين؟
حين تتحسن الليرة.. لماذا يبقى الغلاء؟
ا
العين السورية
نشر في: ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:٣١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
لاشك ان ارتفاع سعر الدولار في سوريا اصبح ضغطاً إضافياً على ميزانيات الأسر التي تواجه ارتفاعاً متواصلاً في تكاليف المعيشة، من الغذاء والمحروقات إلى النقل والخدمات. فحين ترتفع كلفة تأمين الدولار، تنعكس الضغوط على المستوردات ومدخلات الإنتاج، بينما تبقى دخول الموظفين والعمال محدودة القدرة على مواكبة موجات الغلاء.
"العين السورية " كان لها جولة على الاسواق ورصدت آراء العديد من المواطنيين الذين جزموا بان جميع السلع قد ارتفع سعرها بناء على ارتفاع سعر الدولار الذي ارتفع من نحو 10 آلاف ليرة سورية "بالعملة الجديدة" قبل نحو عام إلى 14 ألف ليرة لتاريخه، أي بزيادة تقارب 40%.
وتختصر شكاوى المواطنين جانباً من هذه المعادلة؛ إذ تتكرر ملاحظات عن ارتفاع الأسعار من يوم إلى آخر، فيما يعبّر مستهلكون عن استيائهم من استمرار الغلاء حتى عندما يتراجع سعر الدولار، وهنا تتجاوز المشكلة سعر الصرف نفسه إلى السؤال عن سبب تتراجع الليرة، ولماذا لا تستعيد الأسر قدرتها الشرائية بمجرد تحسن سعرها؟
طلب متزايد على الدولار وإنتاج لا يغطي الحاجة
وكلما اتسعت الفجوة بين ما تستورده البلاد وما تستطيع تصديره، زاد الضغط على سوق الصرف. فالمستورد يحتاج إلى الدولار لتسديد قيمة البضائع، في حين لا يولّد ضعف الإنتاج الزراعي والصناعي تدفقات تصديرية كافية لمعادلة هذا الطلب.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تعتمد قطاعات الإنتاج نفسها على المواد الأولية والطاقة المستوردتين. فالمصنع الذي يحتاج إلى مستلزمات إنتاج مسعّرة بالدولار يواجه ارتفاعاً في تكلفته عند تراجع الليرة، وقد يضطر إلى رفع أسعار منتجاته أو تقليص إنتاجه، ما يعيد تغذية الضغوط على الأسعار والإنتاج معاً.
وفي هذا السياق،_حسب المصطفى _ يرتبط استقرار الليرة بزيادة الإنتاج والصادرات، وضبط التضخم والسيولة، وتعزيز تدفقات القطع الأجنبي عبر القنوات الرسمية. فإجراءات سعر الصرف وحدها لا تكفي لضمان استقرار مستدام ما لم تستند إلى مصادر حقيقية ومتواصلة للنقد الأجنبي.
عربش: استقرار الليرة يبدأ من معالجة الاختلالات الاقتصادية
وفي تحليله للضغوط التي تواجه الاقتصاد السوري، يبرز دور تكاليف الطاقة ومدخلات الإنتاج، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية، في تعقيد مهمة تحقيق الاستقرار النقدي. فارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد يضغط على الأسعار، فيما يدفع تراجع الثقة بالعملة المحلية بعض المواطنين إلى البحث عن وسائل لحماية مدخراتهم من فقدان القيمة.
وتكتسب هذه القراءة أهمية في تفسير العلاقة بين تراجع العملة وارتفاع الأسعار؛ إذ لا يقتصر تأثير انخفاض قيمة الليرة على تكلفة السلع المستوردة مباشرة، بل يمتد إلى المنتجات المحلية التي تعتمد صناعتها على الوقود والمواد الأولية وقطع الغيار المستوردة. وكلما ارتفعت هذه التكاليف، ازدادت الضغوط على المنتجين والتجار، وانتقل جانب منها إلى المستهلك النهائي.
وتتطلب معالجة هذه الاختلالات، وفق المقاربة الاقتصادية التي يطرحها عربش، توجيه التمويل نحو المنشآت الإنتاجية، ولا سيما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، من خلال قروض ميسرة أو منخفضة الفائدة، وربط التمويل بنتائج قابلة للقياس، مثل زيادة الإنتاج والتوظيف وخفض استهلاك الطاقة.
وتعني هذه المقاربة أن معالجة أزمة الليرة لا يمكن أن تقوم على محاولة ضبط سعر الدولار بمعزل عن الاقتصاد الحقيقي؛ فزيادة الإنتاج المحلي تعني، من جهة، تقليل الحاجة إلى استيراد بعض السلع، ومن جهة أخرى، فتح المجال أمام زيادة الصادرات وتوفير موارد إضافية من القطع الأجنبي.
الثقة بالليرة
وفي هذا الإطار، تكتسب مؤشرات المالية العامة أهمية خاصة. فقد أعلنت وزارة المالية السورية، في تقرير الأداء المالي للموازنة العامة عن النصف الأول من عام 2026، إيرادات عامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق عام بلغ نحو 3.7 مليارات دولار، بعجز مالي يقارب مليار دولار.
وبحسب التقرير الرسمي،" للوزارة "ارتفعت الإيرادات العامة بنحو 111% مقارنة بالنصف الأول من عام 2025، في حين ارتفع الإنفاق العام بنحو 331%. وعزت وزارة المالية ارتفاع الإنفاق بصورة رئيسية إلى زيادة الرواتب والأجور، والتوسع في الإنفاق على الأولويات الحكومية، وارتفاع تكلفة عدد من السلع والخدمات والمدخلات نتيجة التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار الواردات.
وتشير هذه البيانات إلى ضغوط تواجه المالية العامة، لكنها لا تثبت بمفردها أن العجز هو السبب المباشر لتراجع الليرة. فتحديد أثره على سعر الصرف يتطلب معرفة آليات تمويله، ومدى تأثيره في السيولة، إلى جانب تطورات العرض والطلب على الدولار وحركة الاستيراد والتصدير وتدفقات النقد الأجنبي.
وتؤدي الثقة دوراً إضافياً في هذه المعادلة. فبعد سنوات من التضخم وفقدان الليرة جزءاً كبيراً من قيمتها، قد يفضّل بعض السوريين الاحتفاظ بالدولار أو الذهب لحماية مدخراتهم.
كما أن تحركات الدولار عالمياً قد تؤثر في أسعار العملات الأخرى، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير تراجع الليرة السورية. فالعوامل الداخلية، من قدرة الاقتصاد على توليد القطع الأجنبي إلى حجم الطلب عليه والسياسات النقدية والمالية، تظل أساسية في تحديد اتجاه سعر الصرف.
لماذا لا تنخفض الأسعار عندما يتراجع الدولار؟
ويعود ذلك إلى أن سعر الصرف ليس العامل الوحيد المحدد للأسعار، فالتاجر قد يكون اشترى مخزونه عندما كان الدولار مرتفعاً، كما أن كلفة النقل والتخزين والطاقة والأجور والتمويل قد تبقى مرتفعة حتى بعد تحسن سعر الصرف. وقد تسهم محدودية المنافسة أو اختلاف هوامش الربح بين التجار في تأخير انخفاض الأسعار أيضاً.
لكن هذه العوامل لا تبرر كل زيادة، ولا تعني أن الأسعار لا ينبغي أن تستجيب لتحسن سعر الصرف. فمدى انعكاس التراجع على المستهلك يحتاج إلى رقابة على الأسعار وتكاليف الاستيراد، ومقارنة بين أسعار الشراء والبيع، والتحقق من أن الزيادات المعلنة تتناسب فعلاً مع التكاليف.
وفي السياق ذاته تشير البيانات الاخيرة الصادرة عن مركز دمشق للأبحاث والدراسات والسياسات، في نشرته الخاصة بأسعار المستهلك، إلى استمرار التفاوت السعري بين المحافظات، ولا سيما في قطاعات النقل والسكن والطاقة، حيث تتداخل آثار سعر الصرف مع تكاليف التشغيل وتوافر الوقود وظروف السوق المحلية.
ويعني ذلك أن تحسن الليرة، حتى عندما يحدث، لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض فوري وشامل في الأسعار. فاستجابة السوق تتوقف على حجم المنافسة، وتوافر السلع، وتكاليف التوزيع، وسرعة تجدد المخزون، ومدى انتقال انخفاض تكلفة الاستيراد إلى أسعار البيع.
رواتب ثابتة في مواجهة أسعار متحركة
وتدفع هذه الفجوة الأسر إلى إعادة ترتيب إنفاقها، عبر تقليص مشتريات بعض المواد الغذائية، أو تأجيل شراء الملابس والأجهزة، أو الاستغناء عن بعض الخدمات، فيما تصبح النفقات الأساسية أكثر استحواذاً على الدخل.
لاشك ان ارتفاع سعر الدولار في سوريا اصبح ضغطاً إضافياً على ميزانيات الأسر التي تواجه ارتفاعاً متواصلاً في تكاليف المعيشة، من الغذاء والمحروقات إلى النقل والخدمات. فحين ترتفع كلفة تأمين الدولار، تنعكس الضغوط على المستوردات ومدخلات الإنتاج، بينما تبقى دخول الموظفين والعمال محدودة القدرة على مواكبة موجات الغلاء.
"العين السورية " كان لها جولة على الاسواق ورصدت آراء العديد من المواطنيين الذين جزموا بان جميع السلع قد ارتفع سعرها بناء على ارتفاع سعر الدولار الذي ارتفع من نحو 10 آلاف ليرة سورية "بالعملة الجديدة" قبل نحو عام إلى 14 ألف ليرة لتاريخه، أي بزيادة تقارب 40%.
ويعني ذلك أن المستورد الذي يحتاج إلى الدولار لتمويل مشترياته بات مطالباً بتأمين كمية أكبر من الليرات لتغطية القيمة نفسها بالدولار، ما يرفع تكاليف الاستيراد، وإن كان مقدار انتقال هذه الزيادة إلى الأسعار يختلف بحسب السلعة والمخزون وهوامش الربح وتكاليف النقل والتوزيع.
وتختصر شكاوى المواطنين جانباً من هذه المعادلة؛ إذ تتكرر ملاحظات عن ارتفاع الأسعار من يوم إلى آخر، فيما يعبّر مستهلكون عن استيائهم من استمرار الغلاء حتى عندما يتراجع سعر الدولار، وهنا تتجاوز المشكلة سعر الصرف نفسه إلى السؤال عن سبب تتراجع الليرة، ولماذا لا تستعيد الأسر قدرتها الشرائية بمجرد تحسن سعرها؟
طلب متزايد على الدولار وإنتاج لا يغطي الحاجة
يرتبط تراجع الليرة، في أحد أسبابه الأساسية وفق تصريح الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى، "للعين السورية " باختلال التوازن بين العرض والطلب على العملات الأجنبية، فسوريا تحتاج إلى الدولار لتمويل استيراد الوقود والمواد الأولية والسلع الغذائية والأدوية ومستلزمات الإنتاج، بينما تتأثر قدرتها على توفيره بحجم الصادرات والإنتاج المحلي والتدفقات المالية الواردة من الخارج.
وكلما اتسعت الفجوة بين ما تستورده البلاد وما تستطيع تصديره، زاد الضغط على سوق الصرف. فالمستورد يحتاج إلى الدولار لتسديد قيمة البضائع، في حين لا يولّد ضعف الإنتاج الزراعي والصناعي تدفقات تصديرية كافية لمعادلة هذا الطلب.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تعتمد قطاعات الإنتاج نفسها على المواد الأولية والطاقة المستوردتين. فالمصنع الذي يحتاج إلى مستلزمات إنتاج مسعّرة بالدولار يواجه ارتفاعاً في تكلفته عند تراجع الليرة، وقد يضطر إلى رفع أسعار منتجاته أو تقليص إنتاجه، ما يعيد تغذية الضغوط على الأسعار والإنتاج معاً.
وفي هذا السياق،_حسب المصطفى _ يرتبط استقرار الليرة بزيادة الإنتاج والصادرات، وضبط التضخم والسيولة، وتعزيز تدفقات القطع الأجنبي عبر القنوات الرسمية. فإجراءات سعر الصرف وحدها لا تكفي لضمان استقرار مستدام ما لم تستند إلى مصادر حقيقية ومتواصلة للنقد الأجنبي.
عربش: استقرار الليرة يبدأ من معالجة الاختلالات الاقتصادية
في حين يرى المستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش في حديثه للعين السورية "أن استقرار الليرة السورية بصورة مستدامة يتطلب معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، وفي مقدمتها الفجوة بين الاستيراد والتصدير، والضغوط التي تواجه المالية العامة، والتراجع المستمر في القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي تحليله للضغوط التي تواجه الاقتصاد السوري، يبرز دور تكاليف الطاقة ومدخلات الإنتاج، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية، في تعقيد مهمة تحقيق الاستقرار النقدي. فارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد يضغط على الأسعار، فيما يدفع تراجع الثقة بالعملة المحلية بعض المواطنين إلى البحث عن وسائل لحماية مدخراتهم من فقدان القيمة.
وتكتسب هذه القراءة أهمية في تفسير العلاقة بين تراجع العملة وارتفاع الأسعار؛ إذ لا يقتصر تأثير انخفاض قيمة الليرة على تكلفة السلع المستوردة مباشرة، بل يمتد إلى المنتجات المحلية التي تعتمد صناعتها على الوقود والمواد الأولية وقطع الغيار المستوردة. وكلما ارتفعت هذه التكاليف، ازدادت الضغوط على المنتجين والتجار، وانتقل جانب منها إلى المستهلك النهائي.
وتتطلب معالجة هذه الاختلالات، وفق المقاربة الاقتصادية التي يطرحها عربش، توجيه التمويل نحو المنشآت الإنتاجية، ولا سيما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، من خلال قروض ميسرة أو منخفضة الفائدة، وربط التمويل بنتائج قابلة للقياس، مثل زيادة الإنتاج والتوظيف وخفض استهلاك الطاقة.
كما تبرز أهمية ترشيد الاستيراد وفق الأولويات الاقتصادية، ودعم السلع المحلية البديلة للمستوردات، وتنويع الصادرات، وتحسين بيئة الاستثمار.
وتعني هذه المقاربة أن معالجة أزمة الليرة لا يمكن أن تقوم على محاولة ضبط سعر الدولار بمعزل عن الاقتصاد الحقيقي؛ فزيادة الإنتاج المحلي تعني، من جهة، تقليل الحاجة إلى استيراد بعض السلع، ومن جهة أخرى، فتح المجال أمام زيادة الصادرات وتوفير موارد إضافية من القطع الأجنبي.
الثقة بالليرة
لا تتوقف أسباب الضغط على الليرة عند الميزان التجاري. فالعجز المالي، وطريقة تمويل الإنفاق العام، وحجم السيولة المتداولة، كلها عوامل قد تؤثر في استقرار العملة، خصوصاً إذا زادت الكتلة النقدية من دون توسع موازٍ في الإنتاج.
وفي هذا الإطار، تكتسب مؤشرات المالية العامة أهمية خاصة. فقد أعلنت وزارة المالية السورية، في تقرير الأداء المالي للموازنة العامة عن النصف الأول من عام 2026، إيرادات عامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق عام بلغ نحو 3.7 مليارات دولار، بعجز مالي يقارب مليار دولار.
وبحسب التقرير الرسمي،" للوزارة "ارتفعت الإيرادات العامة بنحو 111% مقارنة بالنصف الأول من عام 2025، في حين ارتفع الإنفاق العام بنحو 331%. وعزت وزارة المالية ارتفاع الإنفاق بصورة رئيسية إلى زيادة الرواتب والأجور، والتوسع في الإنفاق على الأولويات الحكومية، وارتفاع تكلفة عدد من السلع والخدمات والمدخلات نتيجة التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار الواردات.
وتشير هذه البيانات إلى ضغوط تواجه المالية العامة، لكنها لا تثبت بمفردها أن العجز هو السبب المباشر لتراجع الليرة. فتحديد أثره على سعر الصرف يتطلب معرفة آليات تمويله، ومدى تأثيره في السيولة، إلى جانب تطورات العرض والطلب على الدولار وحركة الاستيراد والتصدير وتدفقات النقد الأجنبي.
وتؤدي الثقة دوراً إضافياً في هذه المعادلة. فبعد سنوات من التضخم وفقدان الليرة جزءاً كبيراً من قيمتها، قد يفضّل بعض السوريين الاحتفاظ بالدولار أو الذهب لحماية مدخراتهم.
وإذا اتسع هذا السلوك، ارتفع الطلب على العملات الأجنبية، وأصبحت مهمة استقرار سوق الصرف أكثر صعوبة.
كما أن تحركات الدولار عالمياً قد تؤثر في أسعار العملات الأخرى، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير تراجع الليرة السورية. فالعوامل الداخلية، من قدرة الاقتصاد على توليد القطع الأجنبي إلى حجم الطلب عليه والسياسات النقدية والمالية، تظل أساسية في تحديد اتجاه سعر الصرف.
لماذا لا تنخفض الأسعار عندما يتراجع الدولار؟
تظهر إحدى أكثر المفارقات استفزازا للمواطنين عندما يرتفع الدولار فتزداد الأسعار، ثم يتراجع سعره ولا تنخفض السلع بالمقدار نفسه أو بالسرعة ذاتها.
ويعود ذلك إلى أن سعر الصرف ليس العامل الوحيد المحدد للأسعار، فالتاجر قد يكون اشترى مخزونه عندما كان الدولار مرتفعاً، كما أن كلفة النقل والتخزين والطاقة والأجور والتمويل قد تبقى مرتفعة حتى بعد تحسن سعر الصرف. وقد تسهم محدودية المنافسة أو اختلاف هوامش الربح بين التجار في تأخير انخفاض الأسعار أيضاً.
لكن هذه العوامل لا تبرر كل زيادة، ولا تعني أن الأسعار لا ينبغي أن تستجيب لتحسن سعر الصرف. فمدى انعكاس التراجع على المستهلك يحتاج إلى رقابة على الأسعار وتكاليف الاستيراد، ومقارنة بين أسعار الشراء والبيع، والتحقق من أن الزيادات المعلنة تتناسب فعلاً مع التكاليف.
وفي السياق ذاته تشير البيانات الاخيرة الصادرة عن مركز دمشق للأبحاث والدراسات والسياسات، في نشرته الخاصة بأسعار المستهلك، إلى استمرار التفاوت السعري بين المحافظات، ولا سيما في قطاعات النقل والسكن والطاقة، حيث تتداخل آثار سعر الصرف مع تكاليف التشغيل وتوافر الوقود وظروف السوق المحلية.
ويعني ذلك أن تحسن الليرة، حتى عندما يحدث، لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض فوري وشامل في الأسعار. فاستجابة السوق تتوقف على حجم المنافسة، وتوافر السلع، وتكاليف التوزيع، وسرعة تجدد المخزون، ومدى انتقال انخفاض تكلفة الاستيراد إلى أسعار البيع.
رواتب ثابتة في مواجهة أسعار متحركة
تظهر الكلفة الاجتماعية لتراجع الليرة بوضوح لدى الموظفين والعمال الذين يعتمدون على رواتب محددة بالعملة المحلية. فحين ترتفع أسعار الغذاء والمحروقات والنقل بوتيرة أسرع من نمو الدخل، تتراجع كمية السلع والخدمات التي يستطيع الراتب شراءها، حتى لو بقيت قيمته الاسمية كما هي.
وتدفع هذه الفجوة الأسر إلى إعادة ترتيب إنفاقها، عبر تقليص مشتريات بعض المواد الغذائية، أو تأجيل شراء الملابس والأجهزة، أو الاستغناء عن بعض الخدمات، فيما تصبح النفقات الأساسية أكثر استحواذاً على الدخل.
وقد تتحول أي زيادة طارئة في كلفة الوقود أو النقل إلى عبء إضافي على الأسرة، لأن أثرها لا يقتصر على بند واحد، بل يمتد إلى نقل السلع وتشغيل المنشآت وتقديم الخدمات.
وتكمن المشكلة في أن تحسن سعر الصرف، حتى إن تحقق، لا يعيد القدرة الشرائية تلقائياً. فاستعادة الدخل لقيمته الفعلية تتطلب استقرار الأسعار، وتحسناً في الأجور وفرص العمل، وزيادة في الإنتاج وتوافر السلع، بما يسمح بتخفيف الاعتماد على المستوردات مرتفعة التكلفة.
ومن هنا، يصبح قياس الوضع المعيشي من خلال سعر الدولار وحده غير كافٍ. فالمعيار الأكثر أهمية هو تطور كلفة سلة الاحتياجات الأساسية مقارنة بمستوى الرواتب والدخول، ومدى قدرة الأسر على تأمين الغذاء والطاقة والنقل والدواء بعد تغطية التزاماتها الشهرية الأخرى.
المعيار الحقيقي هو ما تشتريه الرواتب
في نهاية المطاف، نجد ان اثر تراجع الليرة على ارتفاع سعر الدولار، يمتد إلى العديد من الامور للسوريين، من كلفة الغذاء والدواء إلى النقل والسكن. ومع ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق قدرة الدخول على التكيف، تتراجع القيمة الفعلية للرواتب حتى عندما تبقى قيمتها الاسمية ثابتة أو ترتفع.
لذلك، فإن قياس تحسن الوضع الاقتصادي لا ينبغي أن يتوقف عند حركة سعر الصرف، بل عند انعكاسها على الأسواق وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية. فاستقرار العملة يكتسب قيمته الحقيقية عندما يشعر المواطن بأن دخله بات يغطي جزءاً أكبر من نفقاته، لا عندما يتوقف الدولار عن الارتفاع لفترة محدودة.


