سوريا - اقتصاد
سندات المغتربين السوريين.. هل تنجح الدولة في جذب مدخراتهم لتمويل إعادة الإعمار؟
توضح الدكتورة منال الشياح، عميد كلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق، شروط نجاح سندات المغتربين، من استعادة الثقة والضمانات القانونية إلى تحديد العملة والعائد ومصادر سداد الدين.
م
منير الرفاعي
نشر في: ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦، ١١:٢٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
تحتاج سوريا إلى موارد مالية كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية، فيما تبرز مدخرات السوريين في الخارج كأحد المصادر المحتملة لتمويل هذه الاحتياجات، عبر إصدار سندات حكومية تتيح للمغتربين إقراض الدولة مقابل عائد محدد واسترداد أموالهم وفق شروط معلنة.
لكن تحويل هذه المدخرات إلى تمويل فعلي لا يتوقف على حجم الأموال المتاحة في الخارج، بل على استعداد أصحابها لتحمل مخاطر الاستثمار في الدين الحكومي، وقدرة الدولة على تقديم ضمانات واضحة بشأن استخدام الأموال وسدادها.
وترى الدكتورة منال الشياح، عميد كلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق في حديثها مع "العين السورية"، أن سندات المغتربين يمكن أن تشكل مصدراً إضافياً لتمويل التنمية، شرط ارتباطها ببرنامج اقتصادي ومالي واضح يحدد أوجه الإنفاق ومصادر السداد، وألا تتحول إلى بديل عن معالجة اختلالات الموازنة العامة.
تمويل التنمية أم تغطية عجز الموازنة؟
تتيح سندات المغتربين للدولة تعبئة جزء من المدخرات الموجودة خارج سوريا، وتوجيهها إلى مشروعات الكهرباء والطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية، بما قد يدعم النشاط الاقتصادي ويحسن الخدمات.
لكن الجدوى الفعلية تتوقف على طبيعة الإنفاق. فالاقتراض لتمويل مشروعات تعزز القدرة الإنتاجية يختلف عن استخدام الأموال لتغطية نفقات جارية لا تولّد عائداً اقتصادياً مستقبلياً.
وتحذر الشياح من أن الاقتراض قد يزيد الالتزامات المالية من دون تحسن موازٍ في قدرة الدولة على السداد، إذا لم يرتبط بخطة واضحة لإدارة الدين العام. لذلك، لا يكفي قياس نجاح الإصدار بحجم الأموال المحصلة، بل يجب تقييم أثرها الاقتصادي وكلفة خدمة الدين ومصادر الوفاء بالالتزامات.
الثقة قبل الفائدة
يمثل إقناع المغتربين بتحويل مدخراتهم إلى سندات حكومية التحدي الأساسي أمام هذه الفكرة. فالمستثمر يقارن بين العائد المتوقع والمخاطر المحتملة، بما فيها احتمال تأخر السداد، وصعوبة تحويل الأموال واستردادها من الخارج.
وترى الشياح أن استعادة الثقة تتطلب استقرار السياسات الاقتصادية، واحترام العقود، ووضوح الإجراءات المالية، وتوفير قنوات مصرفية فعالة تتيح الاكتتاب ومتابعة الاستثمار وتحصيل المستحقات.
ولا يبدو رفع الفائدة وحده كافياً لتعويض ضعف الثقة. وتقول الشياح إن «زيادة الفائدة قد تُفسر باعتبارها مؤشراً إلى ارتفاع المخاطر»، فضلاً عن أنها ترفع تكلفة الاقتراض على الدولة وتزيد أعباء خدمة الدين مستقبلاً.
وهنا تواجه الحكومة معادلة دقيقة: عائد منخفض قد لا يجذب المستثمرين، فيما قد يجعل العائد المرتفع الاقتراض مكلفاً ويزيد الضغوط على المالية العامة.
الدولار أم الليرة السورية؟
يؤثر اختيار عملة الإصدار مباشرة في جاذبية السندات للمغتربين وفي المخاطر التي تتحملها الدولة.
فالإصدار بالدولار أو اليورو قد يكون أكثر ملاءمة للمغتربين الذين يحتفظون بمدخراتهم بهذه العملات، لكنه يفرض على الخزينة التزاماً بالوفاء بعملة أجنبية. وإذا كانت الإيرادات الحكومية بالليرة السورية، فقد تواجه الدولة صعوبة في توفير العملات اللازمة للسداد، خصوصاً إذا لم تحقق المشروعات الممولة تدفقات نقدية بالعملة نفسها.
أما الإصدار بالليرة، قد يكون أقل جاذبية للمستثمرين الذين يخشون التضخم وتراجع سعر الصرف.
كذلك، لا يعكس سعر الفائدة وحده العائد الفعلي. فإذا تجاوز التضخم العائد الاسمي، تراجعت القوة الشرائية للاستثمار، وقد تؤدي خسائر سعر الصرف إلى تقليص قيمة المبلغ المسترد عند تحويله إلى الدولار أو اليورو.
لذلك، ترى الشياح أن تحديد عملة السند يجب أن يستند إلى تفضيلات المستثمرين وقدرة الدولة على توفير موارد السداد، مع اختبار المخاطر المالية والنقدية قبل إصدار الدين.
ضمانات قانونية ورقابة مستقلة
يحتاج المستثمر إلى معرفة شروط الإصدار قبل الاكتتاب، بما يشمل العائد، ومدة الاستحقاق، ومواعيد السداد، والرسوم، وآليات تسوية النزاعات، والإجراءات المتاحة عند التأخر في دفع المستحقات.
وتدعو الشياح إلى إطار قانوني واضح يحمي حقوق المكتتبين، ويحدد مسؤوليات الجهات الحكومية والرقابية، إلى جانب نشر تقارير دورية عن الأموال المحصلة والمصروفة، وإخضاعها للتدقيق المستقل.
وتشدد على أن «الضمان الحقيقي للمكتتبين لا يتمثل في الوعود العامة، بل في عقد واضح، وإجراءات قابلة للتنفيذ، وآليات رقابة فعالة، وخطة سداد مدروسة».
لكن الشفافية في استخدام الأموال لا تضمن وحدها القدرة على السداد؛ إذ يتطلب الأمر تقييماً واقعياً للإيرادات الحكومية والالتزامات القائمة ومصادر خدمة الدين.
إصدار تجريبي قبل التوسع
تقترح الشياح أن تبدأ الحكومة بإصدار تجريبي محدود لاختبار الطلب الفعلي وقياس تكلفة التمويل، بدلاً من طرح سندات كبيرة منذ البداية.
وتشير، لأغراض التخطيط الأولي، إلى إمكانية دراسة إصدار افتراضي يتراوح بين 25 و50 مليون دولار، أو ما يعادله، مع التأكيد أن هذا النطاق ليس تقديراً مؤكداً لحجم الطلب ولا توصية نهائية بالإصدار.
وقبل إطلاقه، ينبغي إجراء دراسة سوقية بين المغتربين لقياس استعدادهم الفعلي للاكتتاب، والعملة والمدة والعائد المفضل، إلى جانب اختبار سهولة تحويل الأموال واستلام المستحقات.
كما تقترح ربط الإصدار الأول بمشروعات محددة، مثل الكهرباء والمياه والبنية التحتية، مع نشر بيانات عن الإنفاق ومراحل الإنجاز. ويتيح ذلك للمكتتبين متابعة نتائج استثماراتهم، وإن كان تخصيص الأموال لمشروع معين لا يعني بالضرورة أن المشروع سيحقق إيرادات تكفي لسداد الدين.
إصلاح المالية العامة شرط للاستدامة
يتطلب تقييم إمكانية إصدار سندات للمغتربين بيانات موثوقة عن الموازنة العامة والدين والالتزامات القائمة والإيرادات المتوقعة، فضلاً عن قدرة النظام المصرفي على إدارة الاكتتابات والتحويلات عبر الحدود.
وترى الشياح أن الأولوية تتمثل في تحسين كفاءة الإنفاق، وتحديد أولويات المشروعات، وتعزيز الإيرادات، ووضع إطار لإدارة الدين يوضح آجال الاستحقاق ومصادر السداد.
في المحصلة، يمكن أن تشكل سندات المغتربين قناة إضافية لتمويل التنمية في سوريا، لكن نجاحها لن يُقاس بالأموال التي تدخل الخزينة عند الاكتتاب، بل بقدرة الدولة على توظيفها بكفاءة، وتحمل كلفة الاقتراض، وسداد المستحقات في مواعيدها. ومن دون هذه الشروط، قد يتحول التمويل الجديد إلى التزامات إضافية بدلاً من أن يكون أساساً لاستثمار مستدام.
تحتاج سوريا إلى موارد مالية كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية، فيما تبرز مدخرات السوريين في الخارج كأحد المصادر المحتملة لتمويل هذه الاحتياجات، عبر إصدار سندات حكومية تتيح للمغتربين إقراض الدولة مقابل عائد محدد واسترداد أموالهم وفق شروط معلنة.
لكن تحويل هذه المدخرات إلى تمويل فعلي لا يتوقف على حجم الأموال المتاحة في الخارج، بل على استعداد أصحابها لتحمل مخاطر الاستثمار في الدين الحكومي، وقدرة الدولة على تقديم ضمانات واضحة بشأن استخدام الأموال وسدادها.
وترى الدكتورة منال الشياح، عميد كلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق في حديثها مع "العين السورية"، أن سندات المغتربين يمكن أن تشكل مصدراً إضافياً لتمويل التنمية، شرط ارتباطها ببرنامج اقتصادي ومالي واضح يحدد أوجه الإنفاق ومصادر السداد، وألا تتحول إلى بديل عن معالجة اختلالات الموازنة العامة.
تمويل التنمية أم تغطية عجز الموازنة؟
تتيح سندات المغتربين للدولة تعبئة جزء من المدخرات الموجودة خارج سوريا، وتوجيهها إلى مشروعات الكهرباء والطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية، بما قد يدعم النشاط الاقتصادي ويحسن الخدمات.
لكن الجدوى الفعلية تتوقف على طبيعة الإنفاق. فالاقتراض لتمويل مشروعات تعزز القدرة الإنتاجية يختلف عن استخدام الأموال لتغطية نفقات جارية لا تولّد عائداً اقتصادياً مستقبلياً.
وتحذر الشياح من أن الاقتراض قد يزيد الالتزامات المالية من دون تحسن موازٍ في قدرة الدولة على السداد، إذا لم يرتبط بخطة واضحة لإدارة الدين العام. لذلك، لا يكفي قياس نجاح الإصدار بحجم الأموال المحصلة، بل يجب تقييم أثرها الاقتصادي وكلفة خدمة الدين ومصادر الوفاء بالالتزامات.
الثقة قبل الفائدة
يمثل إقناع المغتربين بتحويل مدخراتهم إلى سندات حكومية التحدي الأساسي أمام هذه الفكرة. فالمستثمر يقارن بين العائد المتوقع والمخاطر المحتملة، بما فيها احتمال تأخر السداد، وصعوبة تحويل الأموال واستردادها من الخارج.
وترى الشياح أن استعادة الثقة تتطلب استقرار السياسات الاقتصادية، واحترام العقود، ووضوح الإجراءات المالية، وتوفير قنوات مصرفية فعالة تتيح الاكتتاب ومتابعة الاستثمار وتحصيل المستحقات.
ولا يبدو رفع الفائدة وحده كافياً لتعويض ضعف الثقة. وتقول الشياح إن «زيادة الفائدة قد تُفسر باعتبارها مؤشراً إلى ارتفاع المخاطر»، فضلاً عن أنها ترفع تكلفة الاقتراض على الدولة وتزيد أعباء خدمة الدين مستقبلاً.
وهنا تواجه الحكومة معادلة دقيقة: عائد منخفض قد لا يجذب المستثمرين، فيما قد يجعل العائد المرتفع الاقتراض مكلفاً ويزيد الضغوط على المالية العامة.
الدولار أم الليرة السورية؟
يؤثر اختيار عملة الإصدار مباشرة في جاذبية السندات للمغتربين وفي المخاطر التي تتحملها الدولة.
فالإصدار بالدولار أو اليورو قد يكون أكثر ملاءمة للمغتربين الذين يحتفظون بمدخراتهم بهذه العملات، لكنه يفرض على الخزينة التزاماً بالوفاء بعملة أجنبية. وإذا كانت الإيرادات الحكومية بالليرة السورية، فقد تواجه الدولة صعوبة في توفير العملات اللازمة للسداد، خصوصاً إذا لم تحقق المشروعات الممولة تدفقات نقدية بالعملة نفسها.
أما الإصدار بالليرة، قد يكون أقل جاذبية للمستثمرين الذين يخشون التضخم وتراجع سعر الصرف.
كذلك، لا يعكس سعر الفائدة وحده العائد الفعلي. فإذا تجاوز التضخم العائد الاسمي، تراجعت القوة الشرائية للاستثمار، وقد تؤدي خسائر سعر الصرف إلى تقليص قيمة المبلغ المسترد عند تحويله إلى الدولار أو اليورو.
لذلك، ترى الشياح أن تحديد عملة السند يجب أن يستند إلى تفضيلات المستثمرين وقدرة الدولة على توفير موارد السداد، مع اختبار المخاطر المالية والنقدية قبل إصدار الدين.
ضمانات قانونية ورقابة مستقلة
يحتاج المستثمر إلى معرفة شروط الإصدار قبل الاكتتاب، بما يشمل العائد، ومدة الاستحقاق، ومواعيد السداد، والرسوم، وآليات تسوية النزاعات، والإجراءات المتاحة عند التأخر في دفع المستحقات.
وتدعو الشياح إلى إطار قانوني واضح يحمي حقوق المكتتبين، ويحدد مسؤوليات الجهات الحكومية والرقابية، إلى جانب نشر تقارير دورية عن الأموال المحصلة والمصروفة، وإخضاعها للتدقيق المستقل.
وتشدد على أن «الضمان الحقيقي للمكتتبين لا يتمثل في الوعود العامة، بل في عقد واضح، وإجراءات قابلة للتنفيذ، وآليات رقابة فعالة، وخطة سداد مدروسة».
لكن الشفافية في استخدام الأموال لا تضمن وحدها القدرة على السداد؛ إذ يتطلب الأمر تقييماً واقعياً للإيرادات الحكومية والالتزامات القائمة ومصادر خدمة الدين.
إصدار تجريبي قبل التوسع
تقترح الشياح أن تبدأ الحكومة بإصدار تجريبي محدود لاختبار الطلب الفعلي وقياس تكلفة التمويل، بدلاً من طرح سندات كبيرة منذ البداية.
وتشير، لأغراض التخطيط الأولي، إلى إمكانية دراسة إصدار افتراضي يتراوح بين 25 و50 مليون دولار، أو ما يعادله، مع التأكيد أن هذا النطاق ليس تقديراً مؤكداً لحجم الطلب ولا توصية نهائية بالإصدار.
وقبل إطلاقه، ينبغي إجراء دراسة سوقية بين المغتربين لقياس استعدادهم الفعلي للاكتتاب، والعملة والمدة والعائد المفضل، إلى جانب اختبار سهولة تحويل الأموال واستلام المستحقات.
كما تقترح ربط الإصدار الأول بمشروعات محددة، مثل الكهرباء والمياه والبنية التحتية، مع نشر بيانات عن الإنفاق ومراحل الإنجاز. ويتيح ذلك للمكتتبين متابعة نتائج استثماراتهم، وإن كان تخصيص الأموال لمشروع معين لا يعني بالضرورة أن المشروع سيحقق إيرادات تكفي لسداد الدين.
إصلاح المالية العامة شرط للاستدامة
يتطلب تقييم إمكانية إصدار سندات للمغتربين بيانات موثوقة عن الموازنة العامة والدين والالتزامات القائمة والإيرادات المتوقعة، فضلاً عن قدرة النظام المصرفي على إدارة الاكتتابات والتحويلات عبر الحدود.
وترى الشياح أن الأولوية تتمثل في تحسين كفاءة الإنفاق، وتحديد أولويات المشروعات، وتعزيز الإيرادات، ووضع إطار لإدارة الدين يوضح آجال الاستحقاق ومصادر السداد.
في المحصلة، يمكن أن تشكل سندات المغتربين قناة إضافية لتمويل التنمية في سوريا، لكن نجاحها لن يُقاس بالأموال التي تدخل الخزينة عند الاكتتاب، بل بقدرة الدولة على توظيفها بكفاءة، وتحمل كلفة الاقتراض، وسداد المستحقات في مواعيدها. ومن دون هذه الشروط، قد يتحول التمويل الجديد إلى التزامات إضافية بدلاً من أن يكون أساساً لاستثمار مستدام.


