سوريا - تكنولوجيا
السحابة الرقمية في سوريا.. ما الذي ينقصها لتصبح بنية تحتية موثوقة؟
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٤:١٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تعد الحوسبة السحابية مجرد مصطلح تقني تستخدمه شركات التكنولوجيا، بل أصبحت جزءاً أساسياً من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، بعدما بات بإمكان الشركات والمؤسسات الحصول على الخوادم والتخزين وقواعد البيانات والقدرة الحوسبية عبر الإنترنت، بدلاً من شراء البنية التحتية وتشغيلها بالكامل داخل مقراتها.
وفي سوريا، تكتسب الخدمات السحابية أهمية متزايدة مع توسع الحاجة إلى استضافة المواقع والمنصات والبيانات والخدمات الإلكترونية، في وقت تواجه فيه البنية التحتية الرقمية تحديات تتعلق بالكهرباء والاتصالات وتوافر المعدات والبرمجيات والخبرات المتخصصة.
لكن وجود خوادم افتراضية داخل مركز بيانات لا يعني بالضرورة أن الخدمة أصبحت «سحابية». فالفارق الحقيقي يتعلق بطريقة إدارة الموارد وقدرة البنية التحتية على توفير المرونة والأتمتة والاستمرارية والأمان.
ما الفرق بين الحوسبة السحابية وVPS؟
يوضح خبير أنظمة المعلومات وائل شربا في حديثه مع "العين السورية" أن الفرق بين الحوسبة السحابية والخادم الافتراضي VPS لا يتعلق بالاسم التجاري الذي تستخدمه الشركة، وإنما بالمعمارية التقنية وطريقة إدارة الموارد.
فالخادم الافتراضي يوفر للمستخدم بيئة افتراضية بموارد محددة ضمن بنية استضافة، بينما تقوم الحوسبة السحابية على تجميع موارد الحوسبة والتخزين والشبكات وإتاحتها بطريقة أكثر مرونة، بما يسمح بتخصيص الموارد وإدارتها وفق الحاجة.
وتتميز البيئة السحابية، وفق الخصائص المعروفة للحوسبة السحابية، بالخدمة الذاتية عند الطلب، والوصول عبر الشبكات، وتجميع الموارد، والمرونة في التوسع، وإمكانية قياس الاستخدام وإدارته.
وهنا تظهر أهمية الأتمتة وواجهات البرمجة، أو ما يعرف بـAPI، التي تسمح للأنظمة بإدارة الموارد وتنفيذ العمليات آلياً، بدلاً من الاعتماد على تدخل بشري في كل مرة يحتاج فيها العميل إلى تعديل الخدمة.
لذلك، فإن تسمية منتج ما بـ«Cloud» لا تكفي لإثبات أنه سحابة بالمعنى التقني. كما أن وجود مجموعة من الخوادم المترابطة، أو ما يعرف بالـCluster، لا يعني وحده أن المنظومة قادرة على تقديم خدمة سحابية موثوقة.
متى تصبح السحابة موثوقة؟
تظهر جودة البنية السحابية بصورة أوضح عند حدوث الأعطال. فإذا توقف أحد الخوادم، يمكن للبنية المصممة جيداً أن تنقل الخدمة إلى موارد أخرى، لكن ذلك لا يعني أن المشكلة انتهت بالضرورة.
فإذا كانت الخوادم متعددة بينما يعتمد التخزين على نقطة واحدة، يمكن أن يؤدي تعطل التخزين إلى توقف الخدمة أو فقدان البيانات. والأمر نفسه ينطبق على الشبكات والطاقة. ولهذا فإن الاعتمادية لا تقاس بعدد الخوادم، بل بمدى توزيع نقاط الفشل داخل المنظومة.
وتصبح الأسئلة المتعلقة بالنسخ الاحتياطي والتخزين الموزع وتعدد مصادر الطاقة والاتصالات أكثر أهمية عندما تكون الخدمة موجهة إلى قطاعات حساسة مثل المصارف والمدفوعات الإلكترونية والجهات الحكومية.
99.9% من التوافر ليست مجرد دعاية
من أكثر الأرقام حضوراً في عالم الاستضافة والحوسبة السحابية نسبة التوافر، لكن الرقم وحده لا يقدم الصورة كاملة.
فعندما يعلن مزود خدمة عن توافر بنسبة 99.9%، فهذا يعني نظرياً إمكانية توقف الخدمة لنحو 8.76 ساعات خلال السنة. أما رفع النسبة إلى 99.99% فيخفض فترة التوقف السنوية إلى نحو 53 دقيقة.
وقد يبدو الفرق صغيراً على الورق، لكنه يصبح مهماً عندما تعتمد الخدمة على أنظمة مصرفية أو منصات دفع أو خدمات إلكترونية حكومية.
لهذا السبب، لا يكفي أن يعلن المزود عن تشغيل خوادمه على مدار الساعة، بل يجب أن يوضح في اتفاقية مستوى الخدمة SLA نسبة التوافر التي يلتزم بها، وما الذي يحدث في حال عدم تحقيقها.
كما تبرز هنا مفاهيم مثل RPO، الذي يحدد مقدار البيانات التي يمكن خسارتها في حال وقوع عطل، وRTO، الذي يعبر عن الزمن المطلوب لاستعادة الخدمة. وهذه المؤشرات تساعد المؤسسات على معرفة مستوى الاستمرارية الذي تشتريه فعلياً، بدلاً من الاكتفاء بمواصفات الخادم.
الحوسبة السحابية في سوريا أمام اختبار الكهرباء والإنترنت
لا يمكن بناء مركز بيانات سحابي موثوق من دون طاقة مستقرة وتبريد مستمر واتصالات قادرة على تحمل الأعطال.
وهذا يجعل البنية التحتية أحد أبرز التحديات أمام تطوير الحوسبة السحابية في سوريا. فوجود مولد كهرباء احتياطي لا يحل المشكلة بمفرده، لأن استمرارية الخدمة تحتاج أيضاً إلى أنظمة UPS، وتبريد ومراقبة مستمرة، وإجراءات واضحة للتعامل مع الأعطال، إضافة إلى قدر من التكرار يمنع نقطة فشل واحدة من إسقاط الخدمة بالكامل.
أما على مستوى الاتصالات، فقد تمنح الاستضافة داخل سوريا ميزة للمستخدم المحلي من حيث زمن الاستجابة، لكن هذه الميزة لا تعني بالضرورة قدرة الخدمة على المنافسة خارج البلاد. فالوصول إلى المستخدمين في الخارج يعتمد أيضاً على جودة الاتصال الدولي وسعته وكلفته واستقراره.
وبالتالي، فإن الحديث عن السحابة المحلية في سوريا لا يمكن فصله عن واقع الكهرباء والإنترنت، لأن الخادم الأسرع لن يكون ذا قيمة كبيرة إذا كانت البنية التي تشغله معرضة للتوقف.
لماذا قد تحتاج سوريا إلى سحابة محلية؟
تتجاوز أهمية الحوسبة السحابية المحلية مسألة السرعة. فاستضافة البيانات والخدمات داخل سوريا يمكن أن تمنح المؤسسات قدراً أكبر من التحكم في مكان تخزين البيانات والبيئة القانونية والتشغيلية التي تخضع لها.
وهذا يرتبط بمفهوم السيادة الرقمية، الذي لا يعني فقط وجود الخادم داخل حدود الدولة، وإنما يشمل أيضاً حماية البيانات، وإدارة صلاحيات الوصول إليها، وتأمين النسخ الاحتياطية، وضمان استمرارية الخدمة، ومعرفة كيفية استخدام البيانات ومن يمكنه الوصول إليها.
كما أن تطوير خدمات سحابية محلية يمكن أن يساعد في إبقاء جزء من الإنفاق على الخدمات الرقمية داخل الاقتصاد السوري، وخلق طلب على خبرات في إدارة مراكز البيانات والأمن السيبراني والشبكات والبرمجيات.
لكن ذلك لا يعني أن المزود المحلي قادر بالضرورة على استبدال المنصات العالمية في جميع الاستخدامات. فاحتياجات المؤسسات تختلف، وقد يكون النموذج السحابي الهجين، الذي يجمع بين الخدمات المحلية والخدمات الخارجية، خياراً أكثر واقعية لبعض الشركات والجهات، بحسب طبيعة البيانات والتكلفة ومستوى المخاطر.
العقوبات تزيد كلفة بناء الخدمات السحابية
إلى جانب تحديات البنية التحتية، يواجه تطوير قطاع الحوسبة السحابية في سوريا تحديات مرتبطة بتوفير الخوادم وأنظمة التخزين ومعدات الشبكات والبرمجيات المتخصصة، فضلاً عن الحاجة إلى كوادر قادرة على إدارة هذه المنظومات وتأمينها.
وتستطيع البرمجيات مفتوحة المصدر أن توفر بعض البدائل وتخفض الاعتماد على منتجات تجارية محددة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الخبرات البشرية. فالسحابة ليست مجرد مجموعة خوادم موضوعة داخل مركز بيانات، وإنما منظومة متكاملة من البنية التحتية والبرمجيات والأمن والمراقبة والأتمتة والتشغيل.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الحوسبة السحابية في سوريا يعني أيضاً الاستثمار في المهارات والخبرات التي تستطيع تشغيل هذه البنية والمحافظة على استمراريتها.
كيف يختبر العميل مزود الخدمة السحابية؟
بالنسبة إلى الشركات والمؤسسات التي تبحث عن خدمة سحابية، فإن السؤال الأهم ليس «هل تقدمون Cloud؟»، وإنما ماذا يحدث فعلياً عندما يتعرض النظام لعطل؟
يمكن للمؤسسة أن تبدأ من اتفاقية مستوى الخدمة، وتسأل عن نسبة التوافر المضمونة، ومكان النسخ الاحتياطية، وآلية استعادة البيانات، والزمن اللازم لإعادة الخدمة، وما إذا كان التخزين موزعاً، وكيف يتم التعامل مع تعطل أحد الخوادم أو الشبكات.
كما يمكن اختبار الخدمة عملياً من خلال بيئة تجريبية وقياس أداء المعالج والتخزين والشبكة وزمن الاستجابة، بدلاً من الاعتماد على الأرقام التسويقية وحدها.
ويكتسب موضوع قابلية نقل البيانات أهمية إضافية، لأن المؤسسة لا تريد أن تجد نفسها مرتبطة بمزود واحد من دون إمكانية نقل بياناتها وخدماتها إلى مزود آخر عند الحاجة.
السحابة كاختبار لنضج الاقتصاد الرقمي السوري
في النهاية، لا تكمن أهمية الحوسبة السحابية في نقل الخوادم من غرفة صغيرة إلى مركز بيانات أكبر، وإنما في تغيير طريقة الحصول على البنية التحتية الرقمية نفسها؛ من نموذج يعتمد على امتلاك الخوادم وتشغيلها، إلى نموذج يحصل فيه المستخدم على القدرة الحوسبية والتخزين والخدمات وفق حاجته.
وهذا التحول يمكن أن يساعد الشركات على خفض كلفة الدخول إلى الاقتصاد الرقمي، والتوسع بصورة أسرع، والاستفادة من الموارد التقنية دون استثمارات ضخمة في البنية التحتية الخاصة.
لكن نجاح السحابة في سوريا لن يقاس بعدد الخوادم أو سعة التخزين وحدهما، بل بقدرة المنظومة على توفير الكهرباء والاتصالات المستقرة، والتكرار والنسخ الاحتياطي، والأمن السيبراني، والأتمتة، والكوادر المتخصصة، وعقود واضحة تضمن حقوق العملاء.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس من يضع كلمة «Cloud» على خدمته، بل ما إذا كانت سوريا قادرة على بناء بنية سحابية موثوقة يمكن أن تصبح جزءاً من البنية التحتية لاقتصادها الرقمي.


