سوريا - ثقافة
مهرجان سوريا المسرحي.. إحياء " القديم" ودعم التجارب الجديدة
س
سمر شمه
نشر في: ٧ يونيو ٢٠٢٦، ٠٦:٤٤
3 دقيقة
2

يُعتبر المسرح أقدم فن عرفته البشرية والحضارات القديمة، وقد سُمي "أبو الفنون" لأنه استطاع أن يجمع بين الأدب، الموسيقا، الرقص والغناء، إضافة إلى الفنون البصرية كالديكور والإضاءة وتصميم الأزياء في عمل واحد. وهو الدعامة الرئيسة لبناء الفن، يطرح القضايا الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في تواصل مباشر وحي مع الجمهور، وينمّي الوعي والتفكير النقدي، ويُحيي التاريخ والتراث، ويحقق التواصل بين الشعوب لتعزيز القيم البنّاءة والإيجابية في الحياة والمساهمة في بناء الأجيال والمستقبل.
زمن الريادة
بدأت الانطلاقة الفعلية والتاريخية للمسرح في العاصمة السورية دمشق عام 1871 على يد رائد المسرح السوري والعربي "أبو خليل القباني" الذي يُعد المؤسس الأول للمسرح العربي، حيث دمج بين التمثيل والغناء والموسيقا والرقص، وسبق تأسيس مسرحه بوادر فنية في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر في مدينتي حمص ودمشق، تمثلت في عروض الحكواتي ورقص السماح.كما أُقيمت أول دورة لمهرجان دمشق للفنون المسرحية عام 1969 وكانت بمثابة تظاهرة رائدة ساهم في تأسيسها عدد من رواد المسرح السوري أبرزهم المسرحي الراحل سعد الله ونوس، وقد شكلت نقطة تحول بارزة في مسيرة المسرح السوري، وتُعتبر من أوائل المهرجانات المسرحية الرسمية في العالم العربي.
الحرب عطلت التراث
وكانت الدورة الخامسة عشرة التي أُقيمت عام 2010 بدمشق، آخر دورة رسمية لهذا المهرجان المسرحي الذي توقف إثر الحرب العسكرية الأمنية التي شنّها نظام الأسد البائد على الشعب السوري بعد انطلاق الثورة السورية. واليوم وبعد تحرير البلاد من نظام حكمها بالحديد والنار، والمحاولات الجادة أحياناً والمتعثرة في أحيان أخرى، للنهوض الثقافي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، يستعيد المسرح دوره وتعود العروض إلى خشبات المسارح في المحافظات السورية، وتستعد مدينة حلب لاحتضان واحدة من أبرز الفعاليات الثقافية في سوريا عبر انطلاق "مهرجان سوريا المسرحي" لعام 2026، والذي يأتي بوصفه منصة وطنية جامعة لحراك هذا الفن ومناسبة لإحياء وتنشيط المشهد الثقافي والفني رغم التحديات، ومساحة لقاء بين تجارب مسرحية عديدة من مختلف المحافظات السورية في محاولة لإعادة بناء جسور الإبداع والتواصل الثقافي الفعّال بين العاملين في المجالات الثقافية والفنية والجمهور الذي انتظر طويلاً عودة المسرح وتفعيل الحركة المسرحية في البلاد.
مشاركة واسعة
يشارك في المهرجان كل من المحافظات التالية: دمشق- حمص- اللاذقية- طرطوس وحلب، حيث ستقام مهرجانات فرعية في هذه المدن على أن تُمنح الفرصة للمحافظات الأخرى للمشاركة ضمن أقرب مركز معتمد، في خطوة تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة وتكريس اللامركزية الثقافية. وقد وضع هذا المهرجان شروطاً مهنية للمشاركة فيه لضمان مستويات متقدمة فنياً من بينها: أن تكون الأعمال المقدمة جديدة تتراوح مدتها بين 45 – 60 دقيقة، وأن يكون للمخرج تجربة سابقة في الإخراج المسرحي، وأن لا يكون ممثلاً في أي عمل من أعمال هذه الفعالية، إضافة إلى الحصول على موافقة خطية للنصوص، وأن لا يقلّ عدد الممثلين في العرض المسرحي عن ثلاثة، وذلك لتعزيز العمل الجماعي على خشبة المسرح.تمّ استلام النصوص منذ بداية هذا الشهر،وسيتم متابعة البروفات مطلع تموز القادم، وصولاً إلى إعلان العروض النهائية في الخامس منه، لتبدأ المهرجانات الفرعية في شهر آب حيث تتنافس العروض ضمن كل محافظة قبل أن تتأهل الأعمال الفائزة إلى المهرجان المركزي.
الخصوصية السورية
يُركز هذا المهرجان حالياً على الأعمال السورية فقط، مع إمكانية الانفتاح مستقبلاً على تجارب عربية وعالمية ضمن دورات لاحقة. وتكمن أهميته في إعادة إحياء المسرح السوري بعد غياب قسري طويل ليس فقط من خلال العروض بل عبر اكتشاف طاقات شابة وتجارب جديدة وإعادة الاعتبار للخشبة كفضاء للحوار والتعبير، في وقت تحتاج فيه الثقافة السورية والفن السوري إلى مبادرات وجهود كبيرة وصادقة لإعادة صياغة الوعي الجمالي وقيام الفن بدوره الحيوي في المجتمع.
أول مهرجان بعد التحرير
وكان قد أُقيم أول مهرجان مسرحي في مدينة حمص بعد سقوط النظام في السابع عشر من أيار الماضي، بمشاركة فرق من حماه وطرطوس وإدلب، حاملاً رسالة مفادها: أن المسرح سيبقى حاضراً في وجدان هذه المدينة ومشهدها الثقافي بعد أن عانت لسنوات طويلة من القصف والقتل والتدمير والحصار والتهجير. وقد شارك فيه الفنان زيناتي قدسية بعرض مونودراما بعنوان "سيّد الخشبة" الذي تناول فيه فكرة المستّبد والموالين له، والقمع والسلطة، ومزجت هذه المسرحية بين المأساة الفردية والجماعية وبين معاناة الشعب الفلسطيني في شتاته، وأزمات فنان في مأساته الخاصة بعد أن تعرض للتهميش والإقصاء من الجهات المعنية برعاية الفنانين.كما شاركت في "مهرجان حمص المسرحي" هذا مسرحية "المهاجران" للمخرج هاشم غزال اعتمدت على النص العالمي الشهير للكاتب البولندي سلافومير مروجيك، تدور أحداثها في قبو مظلم "قبو الغربة" ليلة رأس السنة، وتغوص في الحالة النفسية لاثنين من المغتربين، مظهرة التناقض الصارخ بينهما: الأول اللاجئ السياسي المثقف الذي يحلم بالتغيير والكتابة، والثاني العامل البسيط الذي يعمل بمهن شاقة ويحلم بجمع المال والعودة لوطنه. وهذا العرض قراءة لتجربة اللجوء السورية من خلال الصراع بين هموم البقاء اليومية وأحلام الحرية والكرامة والتحرر من الاستبداد.
وقدمت فرقة "حُلم" من إدلب عرضها المسرحي "تحت الصفر" للمخرج إبراهيم سرميني، تناولت فيه القضية الأكثر إيلاماً في التراجيديا السورية وحياة السوريين وهي قضية المعتقلين والمغيبين قسرياً في سجون الأسد المخلوع، وتداعياتها المؤلمة وتفاصيلها المروعة التي أدت لاستشهاد مئات الآلاف من السوريين رجالاً ونساءً وأطفالاً تحت التعذيب، ولجراح عميقة وأوجاع دائمة لا شفاء منها إلا بتحقيق العدالة الحقيقية، ومحاسبة المجرمين على جرائمهم الوحشية التي لم يعرف العصر الحديث لها مثيلاً.
من الأعمال المسرحية التي شاركت في المهرجان أيضاً مسرحية "القارب" لفرقة "العرّاب" من طرطوس، للمخرج عصام علاّم وهي عن قضية اضطرار الشباب السوري للهجرة من البلاد بحثاً عن طوق نجاة وحياة جديدة بعيداً عن الاعتقالات والموت والدمار، وعن معاناة السوريين الكبيرة أثناء رحلة التهجير وحنينهم الدائم إلى بلدهم وذكرياتهم، وهاجس العودة الذي يسكنهم.
عودة الروح
ولعل هذا المهرجان و "مهرجان سوريا المسرحي" القادم سيكون بداية فعلية لإعادة الحياة إلى المسرح السوري، لاستعادة دوره الثقافي والفكري والاجتماعي بعد سنوات طويلة من التوقف والتراجع، لاسيما وأنه يترافق مع خطط لتأهيل المسارح وعودتها إلى العمل بالحد الأدنى اللائق، و وعود جادة بتشجيع التجارب الشبابية المسرحية ودعمها ودعم كل ما يؤدي إلى النهوض بهذا الفن العريق رغم كل التحديات والمعوقات التي تواجه الفن المسرحي وغيره من الفنون في بلدنا الذي يسعى من جديد لمستقبل أفضل على كافة المستويات.


