سوريا - اقتصاد
خطوة رمزية أم بداية اندماج فعلي.. جدل حول المنحة الدولية لسوريا
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ١٦ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٥٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

عاد الحديث بقوة، عن إمكانية إعادة بناء الثقة في النظام المصرفي السوري ليحتل مساحة بارزة في النقاش الاقتصادي. المنحة التي أقرها البنك الدولي بقيمة 100 مليون دولار في آب 2026 لمشروع تحديث القطاع المالي، فتحت الباب أمام أسئلة أعمق من مجرد حجم التمويل: هل تمثل هذه الخطوة بداية حقيقية لإصلاح هيكلي، أم أنها مجرد إشارة دولية محدودة الأثر أمام تحديات تقنية ومؤسسية تقدر بمئات الملايين؟
المشروع الذي يستهدف إرساء ركائز قطاع مالي حديث قائم على التكنولوجيا الرقمية، ويطمح إلى تمكين 15 مليون عملية دفع إلكترونية سنوياً، ودعم نصف مليون شخص وشركة – بينهم 150 ألف امرأة – أثار انقساماً واضحاً بين الخبراء.
ففي الوقت الذي يرى فيه البعض فرصة لإعادة ربط سوريا تدريجياً بالنظام المالي العالمي، يحذر آخرون من أن المبلغ المخصص يبقى بعيداً عن الحد الأدنى المطلوب لتطوير البنية التحتية الفعلية، في ظل ضعف الطاقة والإنترنت وثقافة النقد المتجذرة والعقوبات المستمرة.
بين الرمزية والبداية العملية
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الحاري في حديثة لـ "العين السورية" أن المنحة رمزية. ويوضح أن الحد الأدنى لتطوير البنية التحتية للنظام النقدي والمصرفي يتجاوز بكثير هذا المبلغ.
فوفقاً للمعيار المعتمد في الدول النامية (صراف آلي واحد لكل عشرة آلاف مواطن)، تحتاج سوريا إلى ما بين 2000-2400 جهاز صراف آلي، بتكلفة تقارب 120 ألف دولار للجهاز الواحد، أي ما مجموعه 240 إلى 250 مليون دولار لهذه الحاجة وحدها. ويُضاف إليها الحاجة إلى 100–300 ألف نقطة بيع إلكترونية (POS)، وأنظمة حماية إلكترونية لمصرف سوريا المركزي قد تكلف وحدها 200–300 مليون دولار إذا اعتمدت حلول الشركات العالمية، فضلاً عن مئات الملايين الإضافية لدمج المصارف وتطوير نظام مؤتمت موحد.
في المقابل، الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر طرون في تصريح لـ"العين السورية"، يعتبر المنحة خطوة مهمة، ليس بسبب حجمها فقط، بل بسبب دلالتها الرمزية والعملية في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى إعادة بناء الثقة بالبنية المالية والمصرفية. ويؤكد أنها يمكن أن تشكل بداية عملية إذا وُجّهت بدقة إلى أولويات واضحة: تحديث أنظمة الدفع، تعزيز قدرات مصرف سوريا المركزي، تطوير أدوات الرقابة القائمة على المخاطر، وتحسين منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
التقنية وحدها لا تكفي
يتفق الخبيران على أن تحديث المدفوعات الرقمية وتعزيز الرقابة والنزاهة المالية, يمكن أن يقلل الاعتماد شبه الكامل على النقد الورقي، ويرفع مستوى الشفافية، ويسهل تدريجياً إعادة بناء علاقات مالية خارجية. لكنهما يحذران من أن الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي لن يتحقق بالتقنية وحدها.
الدكتور الحاري يورد عدة عقبات رئيسية وهي: نقص الطاقة الكهربائية، ضعف شبكة الإنترنت، وثقافة النقد المتجذرة في المجتمع السوري التي تحتاج إلى حملات توعية وتثقيف طويلة الأمد. ويشير إلى أن العقوبات لا تزال تفرض عزلة عملية؛ فلا يوجد نظام IBAN فعال، ولا تحويلات دولارية سلسة، ولا اندماج كامل مع شبكة سويفت، مما يجعل استخدام بطاقات فيزا وماستركارد أمراً معقداً ويخلق فروقاً في أسعار الصرف وعمولات إضافية.
أما الدكتور طرون فيشدد على ضرورة مرافقة الجانب التقني بإصلاحات تشريعية، وحوكمة مصرفية أفضل، ووضوح أكبر في بيئة العقوبات، ورفع مستوى الثقة والامتثال للمعايير الدولية.
خطر الاقتصار على المدن الكبرى
يحذر الدكتور الحاري من أن التأثير الأولي للمشروع سيكون محدوداً بالمدن الرئيسية، لأن المناطق النائية تفتقر إلى البنية التحتية والثقافة اللازمة. ويقترح البدء بالقطاع الخاص: فتح البنوك الخاصة على مصراعيها، ونشر نقاط البيع في المولات والمراكز التجارية، وإصدار بطاقات دفع إلكترونية وبطاقات مسبقة الدفع، وتقديم تسهيلات مثل السحب على المكشوف أو التمويل الإسلامي بالمرابحة. ويذكر أن السعودية احتاجت نحو ثلاث سنوات، والإمارات نحو سنة واحدة، لتغيير ثقافة التعامل النقدي واستبدالها بالدفع الإلكتروني.
ويؤكد الدكتور طرون أن استهداف 500 ألف شخص وشركة – منهم 150 ألف امرأة – يمكن أن يكون مؤثراً فقط إذا وصلت الخدمات فعلياً إلى المحافظات والمناطق الأقل خدمة، لا أن تبقى محصورة في المدن الكبرى أو لدى النخب الاقتصادية. ويدعو إلى قياس النجاح بعدد المستخدمين النشطين، وانتشار نقاط الدفع، وكلفة الخدمات، ونسبة استفادة النساء وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة.
شروط التحول المستدام
يتفق الخبيران على أن التمويل وحده، مهما كانت دلالته، لا يكفي. يرى الدكتور الحاري أن التطوير الحقيقي يتطلب توحيد الكتلة المالية تحت مظلة مصرف سوريا المركزي، وربما خصخصة بعض المصارف الحكومية كما فعلت معظم الدول المتقدمة. أما الدكتور طرون فيؤكد أن نجاح المنحة يتوقف على الإدارة الرشيدة والشفافية، وربط التمويل بإصلاحات قانونية وتنظيمية ومؤسسية تجعل التحديث المالي مدخلاً حقيقياً لدعم القطاع الخاص وخلق فرص العمل وتحقيق نمو أكثر استدامة.
تمثل منحة المئة مليون دولار إشارة دولية إيجابية وفرصة للبدء في إعادة بناء الثقة بالقطاع المالي السوري. لكنها – وفق تشخيص الخبيرين – تبقى محدودة أمام حجم التحديات المتراكمة. فالتحول الحقيقي يتطلب استثمارات بمئات الملايين من الدولارات، وإصلاحات جذرية في الحوكمة والطاقة والإنترنت والتشريعات، وعملاً تدريجياً يبدأ من المدن والمراكز التجارية قبل أن يمتد إلى المناطق النائية. وبدون هذه الشروط المتكاملة، قد يبقى التحديث تقنياً محدود الأثر، بدلاً من أن يتحول إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي الشامل الذي تحتاجه سوريا في مرحلة التعافي.


