سوريا - فن
مسرحية «فيلم هندي» في دمشق.. تصدعات العلاقات الأسرية والإنسانية
مسرحية “فيلم هندي” في دمشق: قصة أخوين محاصَرين بين الخلافات وفرص النجاة
س
سمر شمّه
نشر في: ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٩:٠٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية
جوانب من الواقع السوري في السنوات الأخيرة من الحرب التي شنها النظام البائد على السوريين ومدنهم وبلداتهم، وتصدّع العلاقات الأسرية والإنسانية، والشرخ النفسي والاجتماعي الذي طالها، إلى جانب تآكل الروابط المتينة بفعل الخوف والقتل والموت في تلك المرحلة السوداء من تاريخ البلاد؛ موضوعات طرحتها المخرجة والمؤلفة لوتس مسعود في مسرحية «فيلم هندي»، التي عُرضت مؤخرًا على خشبة مسرح دار الأوبرا بدمشق لثلاثة أيام متتالية، وهي من بطولة خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية: نوار سعد الدين، وغدير عبد اللطيف، وشريف قصار.
حكاية الألم والخوف والتناقضات
بدأت المسرحية بمشهد يلفّه القلق والتوتر، على وقع أغنية «من كتر شوقي سبقتُ عمري» للسيدة أم كلثوم، من ألحان محمد القصبجي، أحد رواد التجديد في الموسيقى العربية في القرن العشرين، وكلمات شاعر الشباب أحمد رامي. واعترض «ورد»، شقيق «زياد»، على الأغنية واستبدلها بأغانٍ شعبية رائجة وهابطة.
كان الشقيقان بجانب منزل مهجور يشبه السجن، نوافذه محطمة وأبوابه مفتوحة على الفراغ، وقضبانه الحديدية توحي بالاختناق والفوضى والعبث. ويكتشفان داخله جثة سيدة لا يعرفان عنها شيئًا، وذلك بعد تعرضهما لحادث سير يغيّر مصيرهما وكل ما كانا يخططان له.
تبدأ النقاشات المتوترة بينهما، ويكتشفان جوانب خفية من شخصية كل منهما. وتتحول الحادثة إلى نقطة مفصلية في مسار الأحداث، توقعهما في مأزق كبير، وتكون سببًا في اكتشاف كل منهما أسرار الآخر وأعماقه.
الاكتشافات الموجعة والصادمة
يكتشف «زياد»، الأخ الأكبر، أن شقيقه الفوضوي والعبثي والمهمل لكل شيء قد رهن منزل العائلة بهدف السفر إلى كندا، دون أن يفصح عن ذلك سابقًا أو يناقش هذه الخطوة المصيرية معه ومع أمه. وفي المقابل، يكتشف «ورد» أن أخاه سرق أموال أمه وجنى عمرها من أجل مصالحه الشخصية، بعيدًا عن مصلحة الجميع.
هنا تبدأ الخلافات، ويسرد كل منهما جزءًا من تاريخ الآخر المثقل بالأنانية والفوضى والبحث عن الخلاص الفردي فقط.
تظهر فجأة شخصية «أبو النور»، التي يؤديها الفنان نوار سعد الدين، فتثير قلق الشقيقين، لا سيما أنه يحمل سلاحًا هددهما به مرات عديدة. لكن يتبين لاحقًا أن هذا الرجل ضحية من ضحايا الحرب السورية المفجعة؛ فقد زوجته وابنته في قصف همجي للبناء الذي كانوا يسكنون فيه، وتحول إلى أب ملتاع ومقهور، يعاني الحزن الشديد والألم والاضطرابات النفسية والعصبية، التي يعبر عنها بجرعة عالية من «الكوميديا السوداء» التي تدمي القلب والروح.
وقال سعد الدين لـ«العين السورية»، متحدثًا عن الشخصية: «هي قريبة من الحياة اليومية. ولا تنفصل عن المشاهد الذي يمكن أن يصادفها في محيطه. تتحدث عن أوجاع الناس ونجدها في كل بيت سوري وعربي وفي كل شارع».
نهاية مفتوحة وأجواء مظلمة
تداخلت المواقف في العرض بين الفقد والخوف والكوميديا التي تدعو إلى البكاء، دون أن تبتعد عن المسار الدرامي الذي كشف ولامس «القاع السوري» بعد حرب طويلة ومدمرة. وكشف العمل التناقضات والعذابات التي عاشها السوريون في حياتهم اليومية خلال السنوات الماضية.
ورأت مخرجته لوتس مسعود أنه يطرح «سؤالاً حول المآلات التي يمكن أن تصل إليها العلاقات الإنسانية إذا لم يجد أصحابها طريقة لمعالجة خلافاتهم»، مؤكدة أنهم حاولوا جميعًا ألّا تتحول المسرحية إلى «فيلم هندي»، في دعوة صريحة لمعالجة الصدوع والأزمات قبل أن تتسع شروخها وآثارها المدمرة.
وكانت النهاية مفتوحة لتأويلات المتلقي، إذ بقي الشقيقان في دائرة مغلقة من المواجهة والاشتباك، في ظل غياب المحبة والتفاهم بينهما.
العزلة وأجواء القلق
انسجم الديكور مع طبيعة الحكاية ومقولاتها، واستطاع أن يعبر عن الإحساس بالعزلة وعدم الاستقرار وانهيار القيم والتآلف الأسري، من خلال مساحة الخشبة المهجورة والفتحات والفراغات في جدران المنزل.
ورافقت الموسيقى التصويرية للمايسترو رعد خلف مشاهد العرض، وواكبت الحالات النفسية لأبطاله والتصاعد الدرامي بينهم، فيما جسدت الإضاءة أجواء القلق والعبث وغياب الأمل بألوان قاتمة وموحشة.
واستطاعت المخرجة أيضًا تحويل المكان المغلق والمهجور إلى عنصر درامي مهم يعكس التصدّع النفسي للشخصيات، ووظفت حركة الممثلين بمرونة على الخشبة.
وكان أداء الممثلين لافتًا ومقنعًا، لا سيما الفنان نوار سعد الدين، الذي جسّد شخصية مقهورة ومركبة ومهزومة، تتمتع بحس عالٍ من الكوميديا السوداء وقدرة كبيرة على التأثير في المشاهد.
لا بارقة أمل.. لا حلول
انتقد البعض غياب الحلول الواضحة وبارقة الأمل عن هذا العرض المسرحي. وربما يعود ذلك إلى أن السوريين يبحثون اليوم بـ«السراج والفتيلة» عن النهايات السعيدة، بعد عقود طويلة من الدمار والقمع والمآسي، ويتوقون إلى ضوء جديد في آخر النفق.
جوانب من الواقع السوري في السنوات الأخيرة من الحرب التي شنها النظام البائد على السوريين ومدنهم وبلداتهم، وتصدّع العلاقات الأسرية والإنسانية، والشرخ النفسي والاجتماعي الذي طالها، إلى جانب تآكل الروابط المتينة بفعل الخوف والقتل والموت في تلك المرحلة السوداء من تاريخ البلاد؛ موضوعات طرحتها المخرجة والمؤلفة لوتس مسعود في مسرحية «فيلم هندي»، التي عُرضت مؤخرًا على خشبة مسرح دار الأوبرا بدمشق لثلاثة أيام متتالية، وهي من بطولة خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية: نوار سعد الدين، وغدير عبد اللطيف، وشريف قصار.
حكاية الألم والخوف والتناقضات
بدأت المسرحية بمشهد يلفّه القلق والتوتر، على وقع أغنية «من كتر شوقي سبقتُ عمري» للسيدة أم كلثوم، من ألحان محمد القصبجي، أحد رواد التجديد في الموسيقى العربية في القرن العشرين، وكلمات شاعر الشباب أحمد رامي. واعترض «ورد»، شقيق «زياد»، على الأغنية واستبدلها بأغانٍ شعبية رائجة وهابطة.
كان الشقيقان بجانب منزل مهجور يشبه السجن، نوافذه محطمة وأبوابه مفتوحة على الفراغ، وقضبانه الحديدية توحي بالاختناق والفوضى والعبث. ويكتشفان داخله جثة سيدة لا يعرفان عنها شيئًا، وذلك بعد تعرضهما لحادث سير يغيّر مصيرهما وكل ما كانا يخططان له.
تبدأ النقاشات المتوترة بينهما، ويكتشفان جوانب خفية من شخصية كل منهما. وتتحول الحادثة إلى نقطة مفصلية في مسار الأحداث، توقعهما في مأزق كبير، وتكون سببًا في اكتشاف كل منهما أسرار الآخر وأعماقه.
الاكتشافات الموجعة والصادمة
يكتشف «زياد»، الأخ الأكبر، أن شقيقه الفوضوي والعبثي والمهمل لكل شيء قد رهن منزل العائلة بهدف السفر إلى كندا، دون أن يفصح عن ذلك سابقًا أو يناقش هذه الخطوة المصيرية معه ومع أمه. وفي المقابل، يكتشف «ورد» أن أخاه سرق أموال أمه وجنى عمرها من أجل مصالحه الشخصية، بعيدًا عن مصلحة الجميع.
هنا تبدأ الخلافات، ويسرد كل منهما جزءًا من تاريخ الآخر المثقل بالأنانية والفوضى والبحث عن الخلاص الفردي فقط.
تظهر فجأة شخصية «أبو النور»، التي يؤديها الفنان نوار سعد الدين، فتثير قلق الشقيقين، لا سيما أنه يحمل سلاحًا هددهما به مرات عديدة. لكن يتبين لاحقًا أن هذا الرجل ضحية من ضحايا الحرب السورية المفجعة؛ فقد زوجته وابنته في قصف همجي للبناء الذي كانوا يسكنون فيه، وتحول إلى أب ملتاع ومقهور، يعاني الحزن الشديد والألم والاضطرابات النفسية والعصبية، التي يعبر عنها بجرعة عالية من «الكوميديا السوداء» التي تدمي القلب والروح.
وقال سعد الدين لـ«العين السورية»، متحدثًا عن الشخصية: «هي قريبة من الحياة اليومية. ولا تنفصل عن المشاهد الذي يمكن أن يصادفها في محيطه. تتحدث عن أوجاع الناس ونجدها في كل بيت سوري وعربي وفي كل شارع».
نهاية مفتوحة وأجواء مظلمة
تداخلت المواقف في العرض بين الفقد والخوف والكوميديا التي تدعو إلى البكاء، دون أن تبتعد عن المسار الدرامي الذي كشف ولامس «القاع السوري» بعد حرب طويلة ومدمرة. وكشف العمل التناقضات والعذابات التي عاشها السوريون في حياتهم اليومية خلال السنوات الماضية.
ورأت مخرجته لوتس مسعود أنه يطرح «سؤالاً حول المآلات التي يمكن أن تصل إليها العلاقات الإنسانية إذا لم يجد أصحابها طريقة لمعالجة خلافاتهم»، مؤكدة أنهم حاولوا جميعًا ألّا تتحول المسرحية إلى «فيلم هندي»، في دعوة صريحة لمعالجة الصدوع والأزمات قبل أن تتسع شروخها وآثارها المدمرة.
وكانت النهاية مفتوحة لتأويلات المتلقي، إذ بقي الشقيقان في دائرة مغلقة من المواجهة والاشتباك، في ظل غياب المحبة والتفاهم بينهما.
العزلة وأجواء القلق
انسجم الديكور مع طبيعة الحكاية ومقولاتها، واستطاع أن يعبر عن الإحساس بالعزلة وعدم الاستقرار وانهيار القيم والتآلف الأسري، من خلال مساحة الخشبة المهجورة والفتحات والفراغات في جدران المنزل.
ورافقت الموسيقى التصويرية للمايسترو رعد خلف مشاهد العرض، وواكبت الحالات النفسية لأبطاله والتصاعد الدرامي بينهم، فيما جسدت الإضاءة أجواء القلق والعبث وغياب الأمل بألوان قاتمة وموحشة.
واستطاعت المخرجة أيضًا تحويل المكان المغلق والمهجور إلى عنصر درامي مهم يعكس التصدّع النفسي للشخصيات، ووظفت حركة الممثلين بمرونة على الخشبة.
وكان أداء الممثلين لافتًا ومقنعًا، لا سيما الفنان نوار سعد الدين، الذي جسّد شخصية مقهورة ومركبة ومهزومة، تتمتع بحس عالٍ من الكوميديا السوداء وقدرة كبيرة على التأثير في المشاهد.
لا بارقة أمل.. لا حلول
انتقد البعض غياب الحلول الواضحة وبارقة الأمل عن هذا العرض المسرحي. وربما يعود ذلك إلى أن السوريين يبحثون اليوم بـ«السراج والفتيلة» عن النهايات السعيدة، بعد عقود طويلة من الدمار والقمع والمآسي، ويتوقون إلى ضوء جديد في آخر النفق.


