سوريا - فن
"بلون التراب" حلب ومرثيّة الحالمين
«بلون التراب» تستعيد حلب وأحلام جيل حمل هزائمه إلى المنفى
ا
العين السورية
نشر في: ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦، ٢٠:١١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية
تحولات مدينة حلب واعترافات موجعة
الرواية مرثيّة موجعة وطويلة لجيل من الحالمين الذين عاصروا البدايات السلمية للثورة السورية واضطروا للهجرة بعد تحولها للعسكرة. كانوا مصرّين على اسقاط النظام الشمولي الذي دمّر البلاد ومؤمنين بضرورة قيام دولة المواطنة والقانون، لكنهم وصلوا إلى حالة من اليأس والضياع بعد مواجهتهم للاستبداد لعقود طويلة.
وهي قراءة إنسانية اجتماعية سياسية لتحولات مدينة حلب تحديداً -مسقط رأس الكاتب- ولجيل كامل من الساعين للحرية والعدالة بمختلف أيديولوجياتهم وخلفياتهم، ومراجعة نقدية أيضاً لأسباب تراجع الفضاء العام المدني السلمي للثورة، وتحوله إلى ساحة حرب دامية أحرق النظام خلالها الأخضر واليابس، واعتراف بانكسار هذا الجيل الذي تشتت بين المنافي والغابات وقوارب الموت كما جاء على لسان أبطالها.
من النضال السلمي إلى المنفى
استعادت هذه الرواية سيرة ثلاثة أصدقاء جمعتهم الخدمة العسكرية في أواخر سبعينيات القرن الماضي قبل أن تفرقهم الحرب الوحشية التي شنّها نظام الأسد ضد السوريين وأمعن خلالها في قتلهم واعتقالهم واستباحة أموالهم وأعراضهم وحياتهم، وبثّ الرعب والخوف في كل مكان: "راهن الناس على تغيير تقوم به السلطة ذاتها. كنت أسمع في آخر الليل نداءات من الشرفات والنوافذ تدعو لإسقاط السلطة. وأخرى تدعو للحرية. أسمع بعدها ارتطام الأبواب وإغلاقها. لأعرف أن من هتف قد واجه اعتراضاً من أحد أفراد أسرته التي حاولت تجنب ردة فعل تقارير المخبرين التي ستصل مع أوائل الصباح إلى أفرع المخابرات".
وانتقل السرد الروائي فيها إلى "زمن المنفى والبلاد الجديدة" حيث اجتمع الأصدقاء الثلاثة في المغترب بعد أن اختاروا مغادرة البلاد لتأمين مستقبل الأبناء والبحث عن طوق نجاة.
المراجعات السياسية والذكريات
في بداية الحكاية عاد أبطال الرواية إلى حلب لمحاولة بناء حياتهم بعد سنوات من الكفاح السلمي والنشاط الجامعي، لكن القصف المدفعي والصاروخي والمعارك الضارية التي جرت هناك دفعتهم إلى ترك بيوتهم وتاريخهم المرسوم على كل ذرة تراب من أحياء الهلك والشيخ خضر والشيخ فارس وبستان الباشا التي تعرضت لهجوم عنيف من نظام الأسد وحلفائه. وعندما التقوا في الغربة كان اللقاء حزيناً مثقلاً بالذكريات والمراجعات الفكرية والسياسية، والاعتراف بالهزيمة، وعجز اليسار السلطوي والإيديولوجيا السلطوية التي وعدت بالتحرر والتغيير وفشلت فشلاً ذريعاً ومؤلماً: "
استعرضت هذه الرواية التحولات العميقة والصراعات التي عاشتها مدينة حلب وأهلها بعد انطلاق الثورة السورية. لم تتناول مسار الثورة بأكمله، بل ركزت على جيل معين شهد أحداثاً مصيرية وانكسارات سياسية وإنسانية واقتصادية عميقة. ساهم في الكفاح السلمي والجامعي ضد الاستبداد، وشهد الانتقال إلى الكفاح العسكري وتداعياته ونتائجه الصادمة: "لم يخطر لي حتى في الكوابيس أن يكون الصراع السياسي مع البراميل المتفجرة والصواريخ من فوقنا. والدبابات والرشاشات واللصوص وقطاع الطرق من تحتنا. هذا ليس صراعاً سياسياً. إنها حرب إبادة لا مكان فيها للفكر والسياسة والكلام".
كما طرحت أسئلة حول أهمية ومصير "الحراك المدني السلمي"، ودور الشباب الوطني الثوري فيه، وكيف جرى تهميشه وإفشاله. ورصدت عبر شخصياتها الانقسام الفكري والسياسي في المجتمع، والخيارات الفردية والمراجعات التي لا تبحث عن "من المخطئ سياسياً" بل تناقش خيارات المثقف الحالم بمواجهة القتل والسلاح الفتاك، وإنجاز التغيير السياس والاجتماعي بالفكر والحوار: "عشتُ حياتي وأنا أعمل على تغيير الوعي بالحالة الاجتماعية. تغييراً تراكمياً. يتقدم خطوة خطوة بصبر ومثابرة".
جذور الاستبداد ومقاومة الطغيان:
ركزت "بلون التراب" على جرائم النظام البائد، وتفاصيل الحل الأمني العسكري بمدينة حلب، والانتهاكات والحصار الخانق والقصف المدمر ودور الأجهزة الأمنية في قمع الحراك السلمي واستهداف الثوار والمعارضين، وعادت بالذاكرة إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي لتربط الحاضر بجذور الاستبداد الممتدة عبر عقود.
وكانت المعاناة الإنسانية حاضرة فيها وموثقة، وكذلك مقاومة السوريين للطغيان، والكوارث الكبيرة التي تعرض لها سكان المدينة التي غيّرت الحرب الدامية وجهها وتفاصيلها، واقتلعت أبناءها من جذورهم. إضافة إلى سياسات النظام المخلوع الرامية إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتحويل أبناء سوريا إلى جيل تائه يبحث عن مستقبل أبنائه والبقاء على قيد الحياة فقط، ودفع الجميع للهجرة والتشرد.
المرأة خط الدفاع الأول:
احتفت الرواية بالمرأة وصمودها ورفضها للاقتلاع العاطفي والجغرافي من وطنها، وتمسكها بجذورها: "هنا صديقاتي وطالباتي. وأهلي. لا ولا للإقامة في مدينة غير حلب". كما تحدثت عن صلابتها أمام الحرب ووحشيتها، وتحملها المعاناة والالتزامات العائلية، وأظهرتها كخط الدفاع الأول عن الأسرة، والشريك الحقيقي في صياغة المواقف والنقاشات وتوجيه الانتقادات لدور المثقفين الذين عجزوا عن مواجهة السلطة واكتفوا بالهجرة مبكراً.
الهزيمة والمقاومة
كانت هذه الرواية محلية بامتياز ووثيقة تاريخية واجتماعية، طغى الحوار الفلسفي السياسي فيها على السرد التلقائي الحر، لاسيما في فصولها الأخيرة التي تحول بعضها إلى مناظرات سياسية واستعادة للمواجع. قال بعض النقاد أنها "مرثيّة جنائزية" لجيل الثمانينات وانكساراته، وهذا صحيح. لكنها في الحقيقة سلطت الضوء أيضاً على جيل الشباب الذي تجاوز الخوف وقاوم أكثر الأنظمة إجراماً في العصر الحديث، وساهم بشكل كبير في تحقيق ما أراده السوريون بعد تضحيات كبيرة وتحديات صعبة ما زالت البلاد تواجه بعضها حتى اليوم.
صدرت في شهر آب الماضي رواية "بلون التراب" للكاتب السوري عزيز تبسي، عن دار ميسلون للنشر والتوزيع. أهداها لكل من: الناشط الفلسطيني المعارض للنظام البائد على مدى عقود (علي الشهابي) المعتقل لمرات عديدة ابتداءً من عام 1974 وانتهاءً بـ 2012 لوقوفه إلى جانب الثورة السورية ومطالبها، والذي بقي مصيره مجهولاً حتى اليوم. وإلى المحامي (خليل معتوق) أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان والمعتقلين السياسيين في سوريا. اعتُقل في تشرين الأول عام 2012 وأعلنت عائلته استشهاده تحت التعذيب في سجون النظام المجرم بعد سقوطه.
تحولات مدينة حلب واعترافات موجعة
الرواية مرثيّة موجعة وطويلة لجيل من الحالمين الذين عاصروا البدايات السلمية للثورة السورية واضطروا للهجرة بعد تحولها للعسكرة. كانوا مصرّين على اسقاط النظام الشمولي الذي دمّر البلاد ومؤمنين بضرورة قيام دولة المواطنة والقانون، لكنهم وصلوا إلى حالة من اليأس والضياع بعد مواجهتهم للاستبداد لعقود طويلة.
وهي قراءة إنسانية اجتماعية سياسية لتحولات مدينة حلب تحديداً -مسقط رأس الكاتب- ولجيل كامل من الساعين للحرية والعدالة بمختلف أيديولوجياتهم وخلفياتهم، ومراجعة نقدية أيضاً لأسباب تراجع الفضاء العام المدني السلمي للثورة، وتحوله إلى ساحة حرب دامية أحرق النظام خلالها الأخضر واليابس، واعتراف بانكسار هذا الجيل الذي تشتت بين المنافي والغابات وقوارب الموت كما جاء على لسان أبطالها.
من النضال السلمي إلى المنفى
استعادت هذه الرواية سيرة ثلاثة أصدقاء جمعتهم الخدمة العسكرية في أواخر سبعينيات القرن الماضي قبل أن تفرقهم الحرب الوحشية التي شنّها نظام الأسد ضد السوريين وأمعن خلالها في قتلهم واعتقالهم واستباحة أموالهم وأعراضهم وحياتهم، وبثّ الرعب والخوف في كل مكان: "راهن الناس على تغيير تقوم به السلطة ذاتها. كنت أسمع في آخر الليل نداءات من الشرفات والنوافذ تدعو لإسقاط السلطة. وأخرى تدعو للحرية. أسمع بعدها ارتطام الأبواب وإغلاقها. لأعرف أن من هتف قد واجه اعتراضاً من أحد أفراد أسرته التي حاولت تجنب ردة فعل تقارير المخبرين التي ستصل مع أوائل الصباح إلى أفرع المخابرات".
وانتقل السرد الروائي فيها إلى "زمن المنفى والبلاد الجديدة" حيث اجتمع الأصدقاء الثلاثة في المغترب بعد أن اختاروا مغادرة البلاد لتأمين مستقبل الأبناء والبحث عن طوق نجاة.
المراجعات السياسية والذكريات
في بداية الحكاية عاد أبطال الرواية إلى حلب لمحاولة بناء حياتهم بعد سنوات من الكفاح السلمي والنشاط الجامعي، لكن القصف المدفعي والصاروخي والمعارك الضارية التي جرت هناك دفعتهم إلى ترك بيوتهم وتاريخهم المرسوم على كل ذرة تراب من أحياء الهلك والشيخ خضر والشيخ فارس وبستان الباشا التي تعرضت لهجوم عنيف من نظام الأسد وحلفائه. وعندما التقوا في الغربة كان اللقاء حزيناً مثقلاً بالذكريات والمراجعات الفكرية والسياسية، والاعتراف بالهزيمة، وعجز اليسار السلطوي والإيديولوجيا السلطوية التي وعدت بالتحرر والتغيير وفشلت فشلاً ذريعاً ومؤلماً: "
❝نحن هادنّا السلطة وصمتنا عن أخطائها وكوارثها.. لم نفتح أفواهنا منذ نصف قرن، رفضنا تفسيرات الإسلاميين لكننا لم نقدم بديلاً عنها، وبقينا على صمتنا الذي يعبر عن عجزنا الفكري".❞
الخيارات الفردية والواقع الصعب في حلب
استعرضت هذه الرواية التحولات العميقة والصراعات التي عاشتها مدينة حلب وأهلها بعد انطلاق الثورة السورية. لم تتناول مسار الثورة بأكمله، بل ركزت على جيل معين شهد أحداثاً مصيرية وانكسارات سياسية وإنسانية واقتصادية عميقة. ساهم في الكفاح السلمي والجامعي ضد الاستبداد، وشهد الانتقال إلى الكفاح العسكري وتداعياته ونتائجه الصادمة: "لم يخطر لي حتى في الكوابيس أن يكون الصراع السياسي مع البراميل المتفجرة والصواريخ من فوقنا. والدبابات والرشاشات واللصوص وقطاع الطرق من تحتنا. هذا ليس صراعاً سياسياً. إنها حرب إبادة لا مكان فيها للفكر والسياسة والكلام".
كما طرحت أسئلة حول أهمية ومصير "الحراك المدني السلمي"، ودور الشباب الوطني الثوري فيه، وكيف جرى تهميشه وإفشاله. ورصدت عبر شخصياتها الانقسام الفكري والسياسي في المجتمع، والخيارات الفردية والمراجعات التي لا تبحث عن "من المخطئ سياسياً" بل تناقش خيارات المثقف الحالم بمواجهة القتل والسلاح الفتاك، وإنجاز التغيير السياس والاجتماعي بالفكر والحوار: "عشتُ حياتي وأنا أعمل على تغيير الوعي بالحالة الاجتماعية. تغييراً تراكمياً. يتقدم خطوة خطوة بصبر ومثابرة".
جذور الاستبداد ومقاومة الطغيان:
ركزت "بلون التراب" على جرائم النظام البائد، وتفاصيل الحل الأمني العسكري بمدينة حلب، والانتهاكات والحصار الخانق والقصف المدمر ودور الأجهزة الأمنية في قمع الحراك السلمي واستهداف الثوار والمعارضين، وعادت بالذاكرة إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي لتربط الحاضر بجذور الاستبداد الممتدة عبر عقود.
وكانت المعاناة الإنسانية حاضرة فيها وموثقة، وكذلك مقاومة السوريين للطغيان، والكوارث الكبيرة التي تعرض لها سكان المدينة التي غيّرت الحرب الدامية وجهها وتفاصيلها، واقتلعت أبناءها من جذورهم. إضافة إلى سياسات النظام المخلوع الرامية إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتحويل أبناء سوريا إلى جيل تائه يبحث عن مستقبل أبنائه والبقاء على قيد الحياة فقط، ودفع الجميع للهجرة والتشرد.
المرأة خط الدفاع الأول:
احتفت الرواية بالمرأة وصمودها ورفضها للاقتلاع العاطفي والجغرافي من وطنها، وتمسكها بجذورها: "هنا صديقاتي وطالباتي. وأهلي. لا ولا للإقامة في مدينة غير حلب". كما تحدثت عن صلابتها أمام الحرب ووحشيتها، وتحملها المعاناة والالتزامات العائلية، وأظهرتها كخط الدفاع الأول عن الأسرة، والشريك الحقيقي في صياغة المواقف والنقاشات وتوجيه الانتقادات لدور المثقفين الذين عجزوا عن مواجهة السلطة واكتفوا بالهجرة مبكراً.
وقدمت حلب كشخصية نابضة بالحياة أصابها الانكسار المؤقت عبر أبطالها وعائلاتهم، وبيّنت كيف يبتلع الاستبداد وتبتلع الحرب تفاصيل الحياة اليومية البسيطة والذكريات الوجدانية، وحتى التراب الذي يتحول إلى لون لملامح منهكة ومدينة مسروقة ومستباحة.
الهزيمة والمقاومة
كانت هذه الرواية محلية بامتياز ووثيقة تاريخية واجتماعية، طغى الحوار الفلسفي السياسي فيها على السرد التلقائي الحر، لاسيما في فصولها الأخيرة التي تحول بعضها إلى مناظرات سياسية واستعادة للمواجع. قال بعض النقاد أنها "مرثيّة جنائزية" لجيل الثمانينات وانكساراته، وهذا صحيح. لكنها في الحقيقة سلطت الضوء أيضاً على جيل الشباب الذي تجاوز الخوف وقاوم أكثر الأنظمة إجراماً في العصر الحديث، وساهم بشكل كبير في تحقيق ما أراده السوريون بعد تضحيات كبيرة وتحديات صعبة ما زالت البلاد تواجه بعضها حتى اليوم.


