سوريا - اقتصاد
فود سورية 2026».. من اقتصاد الفرص المؤجلة إلى الإنتاج والشراكات الدولية
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٢٧ يوليو ٢٠٢٦، ١٥:٠٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في لحظة تسعى فيها سورية إلى إعادة تعريف موقعها الاقتصادي، واستعادة حضورها في خارطة الاستثمار الإقليمية، جاء مؤتمر ومعرض «فود سورية 2026» في دمشق كإشارة تتجاوز حدود فعالية اقتصادية عابرة، ليطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والغذاء والصناعة، على قيادة مرحلة جديدة عنوانها الإنتاج والانفتاح وبناء الشراكات.
المؤتمر الذي حمل عنوان "إعادة تموضع سورية: السياسات والشراكات وإعادة الانفتاح على العالم"، جمع مسؤولين حكوميين وممثلين عن منظمات دولية وشركات محلية وعالمية ومستثمرين وخبراء، في محاولة لرسم ملامح مرحلة اقتصادية جديدة تقوم على إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية وربطها بالأسواق الخارجية.
نموذج اقتصادي إستراتيجي
وفي هذا السياق، أكد وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار أن الاقتصاد السوري أمام حاجة حقيقية للانتقال نحو نموذج اقتصادي مختلف، يقوم على الإنتاج والتنافسية والانفتاح على العالم، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة فاعلة بين الحكومة والقطاع الخاص باعتبارها الطريق الأساسي لتحفيز النمو الاقتصادي.
وأوضح الشعار أن تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السوري يبدأ من دعم الإنتاج الوطني وتهيئة الظروف المناسبة أمام المستثمرين، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على بناء بيئة استثمارية أكثر جذباً من خلال معالجة العقبات، وتبسيط الإجراءات، وتطوير التشريعات الاقتصادية والاستثمارية بما يواكب متطلبات المرحلة الجديدة.
وتحمل هذه التصريحات دلالة اقتصادية مهمة، إذ تعكس توجهاً نحو إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمستثمر، بحيث لا يكون الاستثمار مجرد تدفق لرؤوس الأموال، بل شراكة إنتاجية تساهم في خلق فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتعزيز قدرة الاقتصاد المحلي على المنافسة.
رسائل انفتاح اقتصادي
ولم تكن المشاركة الدولية في «فود سورية 2026» مجرد حضور رمزي، إذ أكد مدير عام المؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية محمد حمزة أن المؤتمر والمعرض شهدا مشاركة أكثر من 200 شركة، معظمها شركات دولية، في خطوة وصفها بأنها الأولى من نوعها من حيث حجم المشاركة الدولية في معرض اقتصادي داخل سورية خلال الفترة الحالية.
وأشار حمزة إلى أن الإقبال الكبير من الشركات العالمية، إلى جانب حضور عدد من السفراء والبعثات الدولية، يعكس وجود اهتمام متزايد بالفرص الاستثمارية المتاحة في السوق السورية.
وأوضح أن توجه المؤسسة خلال المرحلة المقبلة يركز على دعم المعارض التخصصية، نظراً لدورها في تنشيط القطاعات الاقتصادية وربط المنتجين المحليين بالشركات والأسواق الخارجية، مؤكداً أن هذه الفعاليات أصبحت أداة مباشرة لدعم الاقتصاد الوطني وليس مجرد منصات لعرض المنتجات.
محرك للاستثمار والنمو
وفي قلب المؤتمر، برز القطاع الزراعي باعتباره أحد أهم القطاعات القادرة على قيادة التعافي الاقتصادي، نظراً لما يمتلكه من موارد وإمكانات إنتاجية، إضافة إلى ارتباطه المباشر بالأمن الغذائي والصناعات التحويلية والتصدير.
بدوره أكد ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في سورية أن القطاع الزراعي يمثل أحد أكبر القطاعات الاقتصادية في البلاد وأكثرها جذباً للاستثمار، مشيراً إلى أن المعرض يشكل فرصة لإبراز الإمكانات الزراعية السورية وبناء شراكات جديدة حول تطوير أنظمة غذائية وزراعية متكاملة.
وأوضح أن سورية تمتلك منتجات زراعية ذات خصائص مميزة يمكن تطوير قيمتها المضافة، بما يسمح بتحويلها من منتجات أولية إلى منتجات قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، وهو ما يمثل أحد المسارات المهمة لتعزيز الصادرات وتحقيق عائد اقتصادي أكبر.
وأشار إلى أن التعاون مع الجهات السورية يهدف إلى دعم بناء منظومة زراعية أكثر كفاءة، تستفيد من الفرص الموجودة في مختلف المحافظات، وتساهم في تطوير الإنتاج وربطه بسلاسل القيمة العالمية.
تحول استراتيجي
وفي مؤشر على توجهات جديدة لإعادة تنظيم القطاع الزراعي، كشف مدير الاتصال الإلكتروني في وزارة الزراعة خالد الصعيدي عن قرب الإعلان عن تحول استراتيجي في عمل الوزارة، يتضمن تأسيس الشركة السورية القابضة للاستثمار الزراعي والأمن الغذائي.
وأوضح الصعيدي أن الشركة ستنبثق عنها مجموعة من الشركات الإنتاجية التي تهدف إلى تحقيق عوائد مباشرة للفلاح والمربي، وتطوير نماذج جديدة في الإنتاج الزراعي، من بينها الزراعات التعاقدية التي تربط المنتج بالسوق وتقلل من المخاطر التي تواجه المزارعين.
وأشار إلى أن الوزارة تركز حالياً على المنطقة الشرقية، وخاصة محافظات دير الزور والرقة والحسكة، باعتبارها مناطق تمتلك إمكانات زراعية كبيرة يمكن أن تشكل قاعدة مهمة للاستثمار والإنتاج خلال المرحلة المقبلة.
كما كشف عن وجود مباحثات مع البنك الدولي للحصول على منحة تصل قيمتها إلى 175 مليون دولار، متوقعاً أن يبدأ تنفيذ أثرها خلال الربع الأول من عام 2027، إضافة إلى مجموعة من المشاريع الاستثمارية بالتعاون مع جهات إماراتية وسعودية وقطرية ودنماركية.
بوابة انتعاش جديد
تكشف مخرجات «فود سورية 2026» أن الرهان الاقتصادي المقبل لا يقتصر على جذب الاستثمار فقط، بل يرتبط بقدرة سورية على تحويل مواردها الطبيعية والإنتاجية إلى قيمة اقتصادية مضافة.
فالانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستيراد والاستهلاك إلى اقتصاد منتج وتنافسي يتطلب بناء منظومة متكاملة تبدأ من دعم المزارع والصناعة الغذائية، مروراً بتطوير التشريعات وتحسين بيئة الاستثمار، وصولاً إلى فتح قنوات التصدير للأسواق الإقليمية والدولية.
وبينما تحمل المشاركة الدولية في المؤتمر مؤشرات على وجود اهتمام متجدد بالفرص الاقتصادية السورية، فإن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذه المؤشرات إلى مشاريع فعلية واستثمارات طويلة الأمد قادرة على إعادة بناء القطاعات الإنتاجية.
وفي هذا المسار، قد يشكل قطاعا الزراعة والغذاء نقطة الانطلاق الأكثر واقعية لإعادة تموضع الاقتصاد السوري، باعتبارهما قطاعين يجمعان بين الأمن الغذائي، وفرص الاستثمار، وإمكانية خلق نمو اقتصادي مستدام.


