سوريا - اقتصاد
شهر واحد تسوية ...هل ستنتهي أزمة " التعثّر" في المصارف الحكومية السورية؟
ه
هبة الكل
نشر في: ١٨ يونيو ٢٠٢٦، ١٢:٢٨
3 دقيقة

تعود أزمة الديون المتعثرة في سوريا إلى جذور اقتصادية وبنيوية، تراكمت على مدى سنوات من الانهيار الاقتصادي، واضطراب سعر الصرف، وتراجع النشاط الإنتاجي، وصولاً إلى تداعيات الحرب السورية التي أثرت في بنية القطاع المصرفي، ومع اتساع فجوة القدرة على السداد بين المقترضين والمصارف، تحولت الديون المتعثرة إلى أحد أبرز مؤشرات الاختلال الاقتصادي.
وتواصل الحكومة الجديدة محاولاتها لإعادة ضبط هذا الملف عبر أدوات قانونية، أبرزها المرسوم رقم 70 الصادر في آذار الماضي، والذي وضع إطاراً لتسوية الالتزامات المالية، وإعادة جدولة القروض الممنوحة من المصارف العامة، إلى جانب قرار وزير المالية محمد يسر برنية، بتمديد مهلة تسوية الديون والتسهيلات الائتمانية المتعثرة مؤخراً.
وبينما ينظر الخبراء إلى قرار التمديد باعتباره فرصة إضافية لتوسيع قاعدة التسويات وتحسين نسب التحصيل، يظل السؤال قائماً حول مدى قدرة هذه الإجراءات الزمنية المحدودة على معالجة أسباب التعثر، في ظل اقتصاد يعاني من نقص السيولة، وتضخم مرتفع، وتقلبات حادة في سعر الصرف.
دوافع التمديد
تشير بيانات وزارة المالية إلى أنّ حجم القروض المتعثرة لدى المصارف العامة يتجاوز 440 مليون دولار، موزعة على نحو 218 ألف متعامل من مختلف الشرائح والقطاعات، ما يعكس اتساع نطاق الأزمة.
وتوضح عميدة كلية الاقتصاد في جامعة الفرات بدير الزور، الدكتورة مروى بيوض، أن تمديد المهلة جاء نتيجة ضعف الاستجابة خلال المهلة السابقة، وعدم تحقيق النسب المستهدفة من التسويات، إلى جانب استمرار معاناة شريحة واسعة من المتعثرين من نقص السيولة، ما يحد من قدرتهم على السداد رغم الحوافز والإعفاءات المقدمة.
وتضيف أن التعقيدات الإجرائية، وتأخر التعليمات التنفيذية، أسهما في إبطاء وتيرة المعالجة، معتبرة أن التمديد يُستخدم كأداة مرنة لتعديل السياسات، دون الحاجة إلى تدخل تشريعي جديد.
ملفات معقدة
من جهته، يرى المحلل الاقتصادي عبد العظيم المغربل، أنّ القرار يعكس حجم التعثر الحقيقي داخل القطاع المصرفي، موضحاً أن المهلة السابقة لم تكن كافية لاستيعاب جميع الملفات، في ظل محدودية السيولة وتعقيد الإجراءات.
ويشير إلى أن الهدف من التمديد يتمثل في منح فرصة إضافية للمتعثرين القادرين على السداد، بالتوازي مع تعزيز قدرة المصارف العامة على تحصيل ديونها المجمدة، وتحويل جزء من الديون الميتة إلى سيولة فعلية، بما يخفف الضغط عن الميزانيات المصرفية، ويعيد تنظيم الكتلة النقدية داخل النظام المالي والمصرفي.
ثلاثون يوماً
يظهر قرار المالية الأخير تمديد مهل السداد لمدة شهر واحد فقط، وعليه يعتقد المحلل المغربل أنّ مدة شهر واحد قد لا تكون كافية للمدينين الكبار أو لمن يحتاجون إلى ترتيب مصادر تمويل، أو بيع أصول، أو تأمين قطع أجنبي، لكنه يلفت إلى أنّ التمديد قد يؤدي دوراً تحفيزياًيدفع المترددين إلى اتخاذ قرار سريع بدلاً من انتظار تمديدات طويلة.
ويضيف المغربل أن الأثر المتوقع يتمثل في تسريع عمليات التسوية، وتقليص ملفات الملاحقة، وتحسين التحصيل المصرفي، إلى جانب توجيه رسالة مفادها أن الحكومة تسعى لمعالجة التعثر بالتسوية، لا بالعقوبة فقط.
كفاية جزئية
لكن الدكتورة بيوض، تصف التمديد بأنه كفاية جزئية محدودة، إذ يمكن أن يكون مفيداً للمتعثرين العالقين في إجراءات بيروقراطية، لكنه لا يقدّم حلاً فعلياً لمشكلة انعدام السيولة لدى عدد كبير من المقترضين.
وتتوقع بيوض أن ينعكس القرار على زيادة عدد التسويات والمبالغ المحصّلة، وتحسين تقدير الكتل المالية القابلة وغير القابلة للتحصيل، إضافة إلى تخفيف الاحتقان الاجتماعي، وإظهار قدر من المرونة فيإدارة ملف المتعثرين.
التسوية بالدولار.. معالجة أم إشكالية؟
في ظل وجود نحو 700 ألف متعثر، يبرز بند السماح بالتسوية بالليرة السورية أو بالدولار وفق سعر الصرف الرسمي كأحد أكثر الملفات جدلاً، فالفجوة بين القيمة الاسمية للقروض وقيمتها الحقيقية اتسعت بشكل كبير، بينما بقيت الالتزامات قائمة على أصل الدين.
وهُنا، تبين الدكتورة بيوض أنّ خيار التسوية بالدولار يبدو طموحاً نظرياً أكثر منه عملياً، متسائلة عن جدوى السداد وفق سعر رسمي يقل عن سعر السوق الموازية، ما قد يدفع المقترضين إلى الاحتفاظ بالدولار، بدلاً من استخدامه في التسوية، مشيرة إلى أنّ حماية المصارف من التآكل التضخمي التي يوفرها هذا الخيار، ستظل محدودة ما لم تُعدّل آلية احتساب سعر الصرف.
في المقابل، يقدّم المغربل قراءة مغايرة، إذ يرى أنّ التسديد بالدولار قد يحمل جانباً إيجابياً إذا كانت العملة الأجنبية متوافرة لدى المدينين، ما يعزز السيولة داخل القنوات المصرفية الرسمية، لكنه يحذر من أن لجوء المقترضين إلى شراء الدولار من السوق لتسديد ديونهم، قد يرفع الطلب على القطع الأجنبي، ويضغط على سعر صرف الليرة.
تحصيل أم اعتراف بالخسائر
تشير بيوض إلى أن التمديد يحمل بُعدين متناقضين، فمن جهة، قد يؤدي إلى تأجيل الاعتراف بحجم الخسائر واستمرار تراكمها إدارياً، لكنه من جهة أخرى يرفع فرص التحصيل، ويمنح المصارف صورة أدق لحجم الخسائر الحقيقية.
وتقترح عدداً من الأدوات لتقليل حجم الخسائر، تشمل توجيه المبالغ المحصلة نحو استثمارات إنتاجية، وبيع الديون الصعبة لشركات تحصيل متخصصة، والمقايضة بأصول قابلة للتسييل، إضافة إلى تطوير أنظمة رقمية لتصنيف المتعثرين وتحسين التحصيل.
أمّا المغربل، فيؤكد أنّ استرداد جزء من الديون المتعثرة قد يخفف من خسائر المصارف مقارنة ببقائها ديوناً صعبة التحصيل أو معدومة، لكنه يشير إلى أن الإعفاء من الفوائد والغرامات يعني أيضاً تخلي المصارف عن جزء من عوائدها الدفترية، مقابل استعادة أصل الدين أو جزء كبير منه، مشدّداً على ضرورة وضع معايير واضحة تميّز بين المتعثر الحقيقي والمتهرب من السداد، وربط الإعفاءات بالسداد الفعلي، منعاً لتحول التسويات إلى مكافأة لمن تهربوا سابقاً من التزاماتهم.
عودة الائتمان
رغم أنّ القرار يسهم في تحسين مؤشرات السيولة والملاءة المالية، إلا أنّ بيوض تشير إلى غياب إصلاحات موازية في البنية المالية والإدارية، سيحد من تأثيره على تنشيط الإقراض، وتشدّد على ثلاثة شروط أساسية لإحياء الائتمان المصرفي، تتمثل في إصلاح الحوكمة، وإدارة المخاطر داخل المصارف، وتحقيق استقرار اقتصادي يشمل كبح التضخم وتوحيد سعر الصرف، وتوفير حماية قانونية فعالة للمقرضين.
بينما يذهب المغربل إلى أنّ تنظيف جزء من المحافظ المتعثرة، واستعادة السيولة قد يمنح المصارف قدرة أكبر على الإقراض من الناحية المحاسبية، لكنه يؤكد أن إعادة فتح باب الائتمان يتطلب استعادة الثقة وتوافر الضمانات وجدوى المشاريع، شرط ألّا تعود سياسات الإقراض إلى الأساليب القديمة التي أسهمت في صناعة أزمة التعثر.
قرار تحت الاختبار
رغم ما يتيحه تمديد مهلة التسويات من فرصة لتحريك عجلة الديون المتعثرة، فإن نجاحه سيبقى مرهوناً بقدرته على تحويل الإعفاءات إلى تحصيل فعلي ومتنفس مالي للمقترضين، لا مجرد تأجيل للأزمة.


