سوريا - اقتصاد
سوريا تُعلن حصيلة نصف عام من رحلة " توطين استثماري".. تفاؤل بتعافٍ مبكر
ن
نورا حربا
نشر في: ٦ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٤٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يشهد ملف تأسيس الشركات في سوريا نشاطاً متزايداً خلال العام الجاري، في ظل إجراءات حكومية تستهدف تبسيط بيئة الأعمال وتسهيل تسجيل المنشآت الجديدة. وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول مدى قدرة الشركات المُسجلة حديثاً على إحداث تحسن حقيقي في الواقع الاقتصادي، وما إذا كانت الزيادة في أعدادها تشي ببداية فعلية لتعافٍ اقتصادي، أم أنها تعكس بالدرجة الأولى تحسّناً في الإجراءات الإدارية والتنظيمية، دون أن ينعكس ذلك بشكل كامل على الإنتاج والاستثمار الفعلي.
من المقدمات إلى النتائج
وفي الوقت الذي تعتبر فيه الجهات الرسمية ارتفاع عدد الشركات المسجلة دليلاً على تنشيط الحركة الاقتصادية وتحسن مناخ الاستثمار، يرى خبراء أن تقييم التعافي الاقتصادي يحتاج إلى قراءة أشمل تستند إلى مجموعة من المؤشرات، تشمل حجم الاستثمارات المنفذة، ومستويات الإنتاج والتشغيل، وقدرة الشركات الجديدة على الاستمرار والتوسع.
تقليل الكلفة والحد من الرشوة
يرى الخبير في مجال تأسيس الشركات والسجلات التجارية علي مشعل أن الأرقام المعلنة تمثل مؤشراً إيجابياً، على صعيد تبسيط إجراءات تأسيس الشركات، سواء الفردية أو الجماعية.
واعتبر في حديثه لـ"العين السورية" أن تطبيق نظام النافذة الواحدة مكّن المراجعين من إنجاز جميع معاملات التأسيس في مكان واحد، بعد أن كانوا مضطرين سابقاً للتنقل بين عدة جهات، الأمر الذي كان يستهلك الوقت والجهد.
وأضاف أن الإجراءات الجديدة ساهمت أيضاً في الحد من الرشوة والمبالغ غير الرسمية التي كانت تُدفع خلال مراحل التسجيل، لتقتصر الكلفة حالياً على الرسوم القانونية المحددة، وهو ما انعكس إيجاباً على سهولة تأسيس الشركات.
بداية وليس تعافياً كاملاً
من جانبه، يؤكد الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة طرطوس الدكتور أحمد الطيب، في حديثه لـ"العين السورية"، أن الأرقام تعكس تطوراً إيجابياً في بيئة تأسيس الشركات، لكنها لا تكفي وحدها لاعتبارها دليلاً على التعافي الاقتصادي.
ويشير إلى أن تسجيل شركة جديدة لا يعني بالضرورة قيام مشروع اقتصادي منتج أو دخول استثمارات فعلية إلى السوق، وإنما يمثل الخطوة الأولى في مسار الاستثمار، الذي يحتاج إلى استكماله بإطلاق المشاريع وتشغيلها وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد.
ويضيف أن التعافي الاقتصادي يتطلب منظومة متكاملة من الإصلاحات، تشمل تسهيل منح التراخيص، وتوفير التمويل، وتحسين بيئة الإنتاج، وفتح قنوات تسويق وتصدير للمنتجات، مؤكداً أن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يحتاج إلى استكمال بإجراءات أوسع وأكثر شمولاً.
الشركات وقياس التعافي
ويرى متابعون أن تقييم مسار التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يستند إلى مؤشر واحد فقط، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من البيانات تشمل حجم الاستثمارات الفعلية، وعدد المشاريع التي دخلت مرحلة الإنتاج، ومستويات التشغيل، ومعدلات النمو والصادرات.
كما أن غياب مراكز بحثية مستقلة وقواعد بيانات دقيقة، ما يزال يشكل تحدياً أمام الباحثين وصناع القرار، ويحد من القدرة على بناء تقييمات موضوعية تستند إلى مؤشرات اقتصادية موثوقة يمكن الاعتماد عليها في رسم السياسات الاقتصادية.
حصيلة أولية.. هل ستأتي البقية ؟
في هذا السياق، أعلنت مديرية الشركات في وزارة الاقتصاد والصناعة، ارتفاع عدد الشركات والسجلات التجارية المسجلة خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من الأعوام السابقة، معتبرة أن هذه الزيادة تعكس تحسن بيئة الاستثمار واستمرار تنشيط الحركة الاقتصادية.
وأوضحت المديرية أن هذا النمو جاء نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها تطوير بيئة الأعمال، وتوسيع تطبيق نظام النافذة الواحدة، والانفتاح الاقتصادي، إلى جانب القرارات الحكومية الهادفة إلى تبسيط الإجراءات وتقديم تسهيلات أكبر لقطاع الأعمال.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغ عدد السجلات التجارية الفردية المسجلة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 7619 سجلاً، إضافة إلى تسجيل 713 شركة تضامنية، و56 شركة توصية، و2087 شركة محدودة المسؤولية، و46 شركة مساهمة، وهي أرقام اعتبرتها الوزارة مؤشراً على استمرار النشاط الاقتصادي وتحسن مناخ الاستثمار.
مقارنة مع الأعوام السابقة
تشير بيانات عام 2025 إلى تسجيل 13598 سجلاً تجارياً فردياً، و1526 شركة تضامنية، و158 شركة توصية، و2678 شركة محدودة المسؤولية، و63 شركة مساهمة.
أما خلال عام 2024، فقد بلغ عدد السجلات التجارية الفردية 7421 سجلاً، إضافة إلى 580 شركة تضامنية، و144 شركة توصية، و497 شركة محدودة المسؤولية، و33 شركة مساهمة.
إصلاحات لتنشيط بيئة الأعمال
وتؤكد وزارة الاقتصاد أن هذه النتائج تأتي بالتوازي مع تنفيذ حزمة من الإجراءات الرامية إلى تنشيط بيئة الأعمال، وتبسيط تأسيس الشركات، وتوسيع العمل بنظام النافذة الواحدة، بما يسهم في اختصار الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات.
كما تندرج هذه الإجراءات ضمن توجهات الحكومة لتعزيز الاستثمار، واستقطاب رؤوس الأموال المحلية والخارجية، وتشجيع القطاع الخاص على توسيع نشاطه بما يدعم الإنتاج ويوفر فرص عمل جديدة.
في ميدان الاختبار
إن الزيادة في تسجيل الشركات قد تمثل مؤشراً مشجعاً على تحسن بيئة الأعمال وارتفاع الإقبال على تأسيس الأنشطة الاقتصادية، إلا أن نجاح هذه الخطوة سيبقى مرهوناً بقدرة الشركات الجديدة على الانتقال من مرحلة التسجيل إلى مرحلة الإنتاج الفعلي، والاستمرار في السوق، وخلق فرص عمل، والمساهمة في زيادة الإنتاج والصادرات. فالتعافي الاقتصادي لا يُقاس بعدد الشركات المسجلة فحسب، بل بمدى انعكاس نشاطها على النمو الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة، وهو ما ستكشفه المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة المقبلة.


