سوريا - اقتصاد
سندات الخزينة في بورصة دمشق.. كيف تعمل، وكيف يمكن الاستثمار فيها؟
كيف تُسجَّل سندات الخزينة وتُتداول في بورصة دمشق؟ وما الذي ينبغي للمستثمر معرفته عن العائد ومخاطر البيع قبل الاستحقاق؟
م
منير الرفاعي
نشر في: ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٠:٥٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

هل يمكن للمواطن أن يستثمر أمواله في سندات تصدرها الدولة، ثم يبيعها في سوق دمشق للأوراق المالية قبل موعد استحقاقها؟ هذا ما يتيحه نظام تسجيل وإيداع وتداول سندات الخزينة، الذي أقرته سوق دمشق للأوراق المالية عام 2022، واضعاً القواعد اللازمة لإدراج هذه الأدوات المالية وتسجيل ملكيتها وتداولها.
ويحدد النظام، الصادر بالقرار رقم 1622، آلية انتقال سندات الخزينة من وزارة المالية إلى سجلات مركز المقاصة والحفظ المركزي، وصولاً إلى تداولها عبر الوسطاء المعتمدين في السوق. لكن فهم هذه الآلية يبدأ أولاً بمعرفة طبيعة هذه السندات، والفرق بينها وبين الأسهم، والمخاطر المرتبطة بالاستثمار فيها.
ما سندات الخزينة؟
سندات الخزينة هي أدوات دين تصدرها وزارة المالية، تحصل الدولة من خلالها على أموال من المستثمرين مقابل الالتزام بدفع عائد وفق الشروط المحددة للإصدار، ثم سداد القيمة الاسمية للسند عند حلول موعد إطفائه.
بمعنى أبسط، عندما تطرح الدولة سندات خزينة، فإنها تقترض أموالاً من المستثمرين، بدلاً من الاعتماد حصراً على الإيرادات العامة أو مصادر التمويل الأخرى. وفي المقابل، يحصل المستثمر على حق مالي يتمثل في العائد المستحق وفق شروط السند، واسترداد قيمته الاسمية عند موعد السداد.
وتختلف هذه السندات عن الأسهم؛ فشراء سهم يعني امتلاك حصة في شركة، بينما شراء سند خزينة يعني امتلاك أداة دين تمثل التزاماً مالياً على الجهة المصدرة، وهي وزارة المالية في هذه الحالة.
ولا يعني ذلك أن الاستثمار في السندات خالٍ من المخاطر، إذ ترتبط سلامة الاستثمار بقدرة الجهة المصدرة على الوفاء بالتزاماتها، فضلاً عن شروط الإصدار وسعر شراء السند وإمكانية بيعه في السوق.
إقرأ أيضاً: إعادة شراء الأسهم: كيف تستثمر الشركة في ذاتها وتحمي قيمتها السوقية
كيف تصل سندات الخزينة إلى بورصة دمشق؟
يحدد النظام سلسلة من الإجراءات لضمان تسجيل السندات وتوثيق ملكيتها قبل بدء تداولها.
تبدأ العملية عندما تتقدم وزارة المالية بطلب إدراج سندات الخزينة، مرفقاً بموافقة هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، ثم تُستكمل إجراءات التسجيل والإيداع لدى مركز المقاصة والحفظ المركزي.
وتقدم الوزارة بيانات الإصدار، بما يشمل عدد السندات وقيمتها الاسمية وقيمة الإصدار الإجمالية وعملته ومواعيد استحقاق العوائد والإطفاء، إلى جانب نتائج المزاد ومعدل العائد ونوعه ومعادلة احتساب القيمة الحالية للسندات، فضلاً عن سجل المالكين.
ويتولى المركز تسجيل السندات وملكية أصحابها إلكترونياً، على أن تتم عملية الإيداع خلال 30 يوم عمل من استلام سجل مكتمل وفق النموذج المعتمد.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن سجلات المركز تصبح المرجع القانوني لإثبات الملكية ونقلها، وفق أحكام النظام. كما أن السندات التي لم تستكمل إجراءات إيداعها لا يمكن تداولها أو نقل ملكيتها وفق الآلية المحددة فيه.
وبعد استكمال الإجراءات، تخطر السوق الهيئة بعملية التسجيل والإيداع وموافقتها النهائية على الإدراج، ثم يصدر مجلس مفوضي الهيئة القرار النهائي الذي يحدد تاريخ بدء التداول.
كيف يشتري المواطن السند ويبيعه؟
لا يسمح النظام بإجراء تداول سندات الخزينة مباشرة بين الأفراد خارج الآلية المعتمدة، بل تتم عمليات البيع والشراء حصراً عن طريق الوسطاء الأعضاء في سوق دمشق للأوراق المالية.
ويكون التداول خلال أيام العمل الرسمية للسوق، بين الساعة 10:30 صباحاً والساعة الواحدة ظهراً، وفق قواعد التداول المعتمدة.
ويحدد النظام السعر الابتدائي للسند عند الإدراج بنسبة 100% من قيمته الاسمية. فإذا كانت القيمة الاسمية لسند افتراضي 100 ألف ليرة سورية، فإن سعره الابتدائي يكون 100 ألف ليرة.
لكن هذا السعر لا يعني بالضرورة أن السند سيبقى متداولاً بالقيمة نفسها؛ إذ يمكن أن يتغير سعره في السوق تبعاً لظروف التداول والعرض والطلب والعائد الذي يقدمه مقارنة بالبدائل الاستثمارية المتاحة.
ويعتمد النظام التسعير بنسبة مئوية من القيمة الاسمية، مع تحديد وحدة المزايدة السعرية عند 0.01، كما يحدد تسوية الصفقات في يوم العمل الثاني بعد التداول، وفق آلية التسوية المعتمدة.
ولا يجوز للمستثمر بيع السندات التي اشتراها في اليوم نفسه، فيما يكون حجم العقد سنداً واحداً أو مضاعفاته، شريطة أن تكون السندات من الإصدار نفسه.
هل يستطيع المستثمر استرداد أمواله في أي وقت؟
يجب التمييز بين بيع السند في السوق واسترداد قيمته من وزارة المالية.
إذا أراد المستثمر الخروج من الاستثمار قبل موعد الإطفاء، فإن الطريق المتاح وفق النظام هو بيع السند في السوق، شريطة وجود مشترٍ مستعد لشرائه بالسعر المعروض. ولذلك، فإن إمكانية البيع لا تعني ضمان السيولة الفورية أو الحصول على السعر الذي دفعه المستثمر عند الشراء.
أما عند حلول موعد الإطفاء، فتلتزم وزارة المالية بسداد القيمة الاسمية للسند وفق الإجراءات المعتمدة، كما تتحمل مسؤولية دفع العوائد المستحقة في مواعيدها.
ويوقف التداول على السندات قبل يومي عمل من تاريخ إطفائها، بهدف تحديد المالك الأخير المستحق للسداد. كذلك ينص النظام على إيقاف التداول في يوم استحقاق الفائدة، ثم استئنافه في جلسة التداول التالية.
وهنا تظهر نقطة مهمة للمستثمر: العائد المحدد في شروط الإصدار لا يلغي احتمال الخسارة عند البيع المبكر. فإذا اشترى المستثمر سنداً بسعر أعلى من السعر الذي يستطيع بيعه به لاحقاً، فقد يتعرض لخسارة رأسمالية، حتى لو كان السند يحقق عائداً دورياً.
ما أهمية النظام للاقتصاد السوري؟
يوفر النظام إطاراً لتنظيم تسجيل سندات الخزينة وتوثيق ملكيتها وتداولها وتسوية صفقاتها ضمن سوق مالية منظمة، بدلاً من ترك هذه العمليات دون آلية موحدة للتسجيل والتسوية.
ومن حيث المبدأ، يمكن لتطوير سوق سندات الخزينة أن يتيح للدولة توسيع قاعدة الجهات التي تمول احتياجاتها، ويوفر للمستثمرين أداة مالية تختلف عن الأسهم والودائع وغيرها من الخيارات المتاحة.
كما أن وجود أسعار تداول معلنة يمكن أن يساعد في تكوين صورة أوضح عن تكلفة الاقتراض الحكومي، إذا توافرت إصدارات منتظمة وبيانات كافية عن أحجام التداول والعوائد والأسعار.
لكن تحقيق هذه الفوائد لا يعتمد على صدور النظام وحده؛ بل يتطلب طرح إصدارات فعلية، والإعلان بوضوح عن شروطها ومددها وعوائدها، وتوافر طلب من المستثمرين، ووجود تداول نشط وشفاف، إلى جانب انتظام الدولة في الوفاء بالتزاماتها المالية.
ماذا ينبغي أن يعرف المواطن قبل الاستثمار؟
قبل شراء أي سند خزينة، يحتاج المستثمر إلى معرفة القيمة الاسمية للسند، وسعر شرائه، ومعدل العائد وطريقة احتسابه، ومواعيد دفع العوائد، وتاريخ استرداد أصل المبلغ، والرسوم المرتبطة بالتداول، فضلاً عن إمكانية بيع السند قبل الاستحقاق.
ويجب كذلك التمييز بين العائد الاسمي والعائد الحقيقي؛ فإذا كان العائد أقل من معدل التضخم خلال فترة الاستثمار، فقد تتراجع القوة الشرائية للأموال المستثمرة حتى لو حصل المستثمر على العوائد المقررة.
كما أن كون السند صادراً عن الدولة لا يعني أنه خالٍ من المخاطر، ولا يعني أن المستثمر يستطيع استرداد أمواله فور طلبها. فالالتزام بالسداد مرتبط بشروط الإصدار وقدرة الجهة المصدرة على الوفاء به.
في المحصلة، يضع نظام تسجيل وإيداع وتداول سندات الخزينة قواعد قانونية وفنية لتوثيق الملكية وتنظيم التداول والتسوية في بورصة دمشق. أما القيمة الاقتصادية الفعلية لهذه الأداة، فستتحدد بمدى انتظام الإصدارات ووضوح شروطها وعمق التداول فيها، وقدرتها على الجمع بين احتياجات الدولة التمويلية ومصلحة المستثمر في الحصول على عائد مفهوم ومخاطر يمكن تقييمها.


