سوريا - سياسة
من كسر العزلة إلى تثبيت الحضور.. ماذا حمل الرئيس الشرع إلى نيويورك؟
بين نيويورك 2025 ونيويورك 2026.. عام واحد نقل الملف السوري من سؤال العقوبات والاعتراف إلى الاستثمار والإعمار والسيادة
م
مازن
نشر في: ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٣:٠٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
في إحدى قاعات نيويورك، مساء الثلاثاء، لم يكن الرئيس أحمد الشرع يقف هذه المرة أمام الأمم المتحدة ليعلن عودة سوريا إلى المنبر الدولي بعد غياب استمر قرابة ستة عقود.
كان المشهد مختلفاً.
أمامه جلس بريت ماكغورك، المسؤول الأميركي السابق الذي أمضى سنوات طويلة في قلب ملفات الشرق الأوسط وسوريا والعراق، فيما كان المكان واحداً من أبرز مراكز صناعة الأفكار والسياسات في واشنطن: المجلس الأطلسي.
وعلى الطاولة لم تعد الأسئلة هي نفسها التي رافقت وصول الرئيس السوري إلى نيويورك قبل عام.
في أيلول 2025، كانت سوريا تحاول الخروج من إرث العقوبات والعزلة الدولية، وكان الرئيس الشرع يصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في حدث تاريخي هو الأول لرئيس سوري منذ عام 1967.
أما في أيلول 2026، فقد وصل الرئيس إلى نيويورك في واقع مختلف: قانون قيصر الذي طالب بإلغائه في زيارته الأولى أصبح من الماضي، وسوريا أُزيلت رسمياً من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وأعضاء في الكونغرس باتوا يناقشون معه الاستثمار وإعادة الإعمار والعلاقات الثنائية، فيما خصص المجلس الأطلسي جلسة كاملة للرئيس السوري تحت عنوان يتحدث عن "مستقبل سوريا وإعادة الإعمار ودورها الإقليمي".
عام واحد فقط يفصل بين الصورتين، لكن المسافة السياسية بينهما تبدو أطول بكثير.
من "سوريا عادت" إلى "أي سوريا يجري بناؤها؟"
عندما وصل الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك في أيلول 2025، كانت للزيارة رمزية استثنائية.
للمرة الأولى منذ عام 1967، يحضر رئيس سوري اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم يقف أمام منبرها ليقدم للعالم الرواية السياسية لسوريا الجديدة.
قال الرئيس يومها إن سوريا انتقلت من بلد يصدّر الأزمات إلى فرصة للسلام والاستقرار في المنطقة، ودعا إلى رفع العقوبات التي فُرضت في عهد النظام السابق، كانت تلك، في جوهرها، زيارة العودة.
عودة سوريا إلى الأمم المتحدة على مستوى رئيس الدولة، وعودة التواصل المباشر مع الولايات المتحدة، ومحاولة نقل البلاد من خانة الدولة المعاقبة والمعزولة إلى دولة تبحث عن الاعتراف والاستقرار وإعادة البناء.
وخلال الزيارة، التقى الرئيس وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، كما اجتمع مع مشرعين أميركيين، وفي مقدمتهم السيناتور جين شاهين والنائب غريغوري ميكس، وكان ملف العقوبات حاضراً بقوة.
أما بعد عام، فقد تبدلت مفردات النقاش.. في البيان الذي أصدره مكتب السيناتور شاهين عقب لقائها الرئيس الشرع في نيويورك هذا الأسبوع، لم يعد الحديث عن ضرورة إلغاء قيصر، بل عن إلغاء عقوبات قانون قيصر بالفعل.
ولم يعد الحديث عن إخراج سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب مطلباً سورياً، بل أشار البيان الأميركي نفسه إلى أن وزارة الخارجية أزالت سوريا رسمياً من القائمة.
والأهم أن البيان انتقل إلى الحديث عن الاستثمار الأميركي والدولي في سوريا ودوره في التعافي الاقتصادي، وهنا تحديداً يمكن فهم الفارق بين زيارتي 2025 و2026.
في الأولى، كانت دمشق تعمل على إزالة الحواجز أمام عودتها، وفي الثانية، بات السؤال المطروح هو ماذا ستفعل سوريا بالمساحة التي فُتحت أمامها؟
في المجلس الأطلسي.. الرئيس الشرع يشرح شكل الدولة التي يريد بناءها لهذا ربما كان ظهور الرئيس الشرع في المجلس الأطلسي واحداً من أكثر مشاهد الزيارة دلالة.
المجلس لم يقدم الجلسة باعتبارها نقاشاً عن الأزمة السورية، بل أعلن أن الرئيس السوري سيعرض رؤيته لمستقبل سوريا وأولويات حكومته في إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والإصلاح المؤسسي والعلاقة السورية-الأميركية وإعادة الاندماج الإقليمي.
وهي عناوين تكشف وحدها حجم التحول الذي طرأ على النقاش الدولي حول دمشق، وفي الجلسة، ذهب الرئيس أبعد من الملفات الخارجية، متحدثاً عن شكل الحكم وبناء المؤسسات خلال المرحلة الانتقالية.
أكد الرئيس أحمد الشرع أن العمل خلال السنوات الخمس المقبلة يتركز على تكريس احترام القانون، بحيث لا تكون السلطة محصورة في شخص واحد، وإنما تمارس مؤسسات الدولة أدوارها وفق القانون والدستور.
وهذه النقطة ترتبط مباشرة بأحد أكثر الأسئلة التي تطرحها العواصم الغربية بشأن المرحلة السورية الجديدة: هل تتحول المرحلة الانتقالية إلى مؤسسات مستقرة وقواعد حكم قابلة للاستمرار؟
الرئيس قدم إجابته من زاوية بناء الدولة: مؤسسات وقانون ودستور، مع الاستفادة من التعاون الدولي في التدريب وتبادل الخبرات وتقوية بنية الدولة.
لكن الملفات الداخلية لم تكن وحدها الحاضرة، فمن نيويورك، أرسل الرئيس واحدة من أكثر رسائله وضوحاً بشأن السيادة السورية.
"لماذا لا تعطيهم نيوجيرسي؟".. عندما وصل النقاش إلى الجولان
ربما كان أكثر مقاطع جلسة المجلس الأطلسي تداولاً هو ذلك الذي استعاد فيه الرئيس الشرع حديثاً سابقاً جمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الجولان السوري المحتل.
روى الرئيس أنه ناقش مع ترامب مسألة الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، ومازحه بسؤال: لماذا لا تمنحهم نيوجيرسي بدلاً منه؟
لكن خلف العبارة الساخرة كانت هناك رسالة سياسية أكثر جدية. الرئيس شدد على أن الجولان أرض سورية، وأن المسألة ليست ملكاً لرئيس سوري أو أميركي أو لأي مسؤول كي يتنازل عنها.
وبحسب ما نُقل عن الجلسة، أكد الرئيس أن الجولان أرض سورية وفق المرجعيات الدولية، واضعاً فاصلاً بين استعداد دمشق للانخراط في ترتيبات أمنية أو مفاوضات وبين مسألة السيادة على الأرض.
وكشف الرئيس الشرع كذلك أن المحادثات السورية-الإسرائيلية وصلت في مرحلة سابقة إلى مستوى متقدم، مقدراً أنها اقتربت من 90 في المئة من التفاهم قبل حدوث تراجع أو تغير في الموقف الإسرائيلي.
وقال إن دمشق تريد سلاماً دائماً، لكن السلام بالنسبة إليها يجب أن يقترن بضمان الحقوق السورية، لا أن يقوم على استمرار احتلال أراضٍ سورية، وحدد تسلسلاً للمسار كما تراه دمشق: الانسحاب من الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام السابق، ثم بحث الترتيبات الأمنية، وإذا نجحت تلك الترتيبات يمكن الانتقال إلى نقاش حول سلام دائم.
بهذه الصيغة، حاول الرئيس الجمع بين رسالتين: سوريا الجديدة ليست بصدد البحث عن حرب جديدة، لكنها في الوقت نفسه لا تعتبر الانفتاح الدبلوماسي بديلاً عن حقوقها السيادية.
لا قواعد أجنبية بلا دولة
ومن إسرائيل إلى الوجود العسكري الأجنبي، حافظ الرئيس على الخط السياسي نفسه: الدولة هي المرجعية.
قال الرئيس أحمد الشرع إن سوريا لا تحتاج، في المستقبل المنظور، إلى قواعد عسكرية أجنبية، وإن أي وجود عسكري على الأراضي السورية ينبغي أن يستند إلى إطار قانوني تقره مؤسسات الدولة.
وتأتي هذه التصريحات بعد تحولات مهمة في ملف الوجود الروسي، إذ توصلت دمشق وموسكو في 2026 إلى ترتيبات جديدة بشأن منشآت طرطوس وحميميم، تعيد للدولة السورية إدارة المنشآت المدنية وتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة، وفق ما أعلن عن الاتفاق.
بين الكونغرس والرئيس السوري.. تغير في لغة واشنطن
وقبل جلسة المجلس الأطلسي، كان الرئيس قد عقد سلسلة لقاءات مع أعضاء في الكونغرس الأميركي.
البيانات الصادرة من الجانب الأميركي تستحق التوقف عندها، لأنها تقدم مؤشراً مستقلاً عن الخطاب الرسمي السوري.
السيناتور جين شاهين، كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، قالت بعد اجتماعها مع الرئيس إن الطرفين ناقشا التقدم المستمر في العلاقات الأميركية-السورية.
وأشارت إلى أن إلغاء قانون قيصر منح السوريين فرصة لإعادة بناء بلدهم، كما رحبت بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
ثم انتقلت إلى الاقتصاد، فالبيان تحدث صراحة عن أن الاستثمار الأميركي واستثمارات الحلفاء يمكن أن تساعد في التعافي الاقتصادي السوري.
وفي المقابل، طرحت شاهين الملفات التي لا تزال واشنطن تركز عليها: الحكم الشامل، وحماية جميع المكونات الدينية والإثنية، ومشاركة النساء، وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، واستمرار التعاون ضد تنظيم داعش.
الصورة نفسها تقريباً ظهرت في بيان النائب غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، الذي رحب بما وصفه بالتقدم الذي حققته حكومة الرئيس الشرع منذ إلغاء عقوبات قيصر وإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مع التأكيد مجدداً على حماية المكونات ومواجهة عودة التنظيمات الإرهابية.
وهنا تظهر قيمة هذه اللقاءات بالنسبة إلى دمشق: الحوار لم يعد يجري حول العقوبات وحدها، بل حول طبيعة الشراكة التي يمكن أن تقوم بعد رفعها.
الرئيس الشرع وترامب.. سوريا داخل غرفة النقاش الإقليمي
وفي مشهد آخر لا يقل أهمية، ظهر الرئيس أحمد الشرع إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة عرب وإقليميين خلال اجتماع متعدد الأطراف عقد على هامش الجمعية العامة.
ضم الاجتماع، إلى جانب الرئيسين السوري والأميركي، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وملك الأردن عبد الله الثاني، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، ومسؤولين وقادة من دول الخليج.
والمغزى بالنسبة إلى سوريا ليس في الصورة وحدها، فالقضايا المطروحة في نيويورك تتصل مباشرة بإعادة تشكيل منظومة الأمن في الشرق الأوسط، والعلاقات مع إسرائيل، والتوتر مع إيران، وأمن الطاقة ومستقبل الترتيبات الإقليمية.
ووجود سوريا في مثل هذه الاجتماعات يعني أنها باتت طرفاً مشاركاً في النقاش حول هذه الملفات، بعد سنوات كانت فيها الأراضي السورية نفسها ساحة لتنافس القوى التي تدير تلك الملفات.
بغداد ودمشق.. السياسة تعود إلى الجغرافيا
وعلى هامش اجتماعات نيويورك، التقى الرئيس الشرع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وبحث الجانبان تعزيز العلاقات بين دمشق وبغداد، ولا سيما في الملفين الأمني والاقتصادي.
وللعلاقة السورية-العراقية وزن خاص لا توفره اللقاءات البروتوكولية وحدها.
فالبلدان يتشاركان حدوداً طويلة، وملف داعش، والتجارة والطاقة وحركة العبور والأمن الحدودي، فضلاً عن أن استقرار شرق سوريا وغرب العراق مترابط أمنياً واقتصادياً.
ولهذا فإن إدخال العلاقة مع بغداد ضمن شبكة العلاقات الإقليمية الجديدة لدمشق يمثل جزءاً من محاولة تحويل الجوار السوري من مصدر للصراعات العابرة للحدود إلى شبكة مصالح بين الدول.
من الحضور إلى التأثير.. الاختبار السوري بعد نيويورك
لسنوات طويلة، كانت سوريا ملفاً يبحثه الآخرون: العقوبات عليها، الحرب داخلها، القوات المنتشرة على أراضيها، اللاجئون الخارجون منها، ومصالح القوى الإقليمية والدولية فيها.
وفي نيويورك 2026، تحاول دمشق تقديم صورة مختلفة: دولة تريد أن تكون صاحبة القرار في أرضها، وأن تتفاوض باسم مصالحها، وأن تحول رفع العقوبات إلى استثمار، والانفتاح السياسي إلى إعادة إعمار، والعلاقات الخارجية إلى أدوات لاستعادة الاستقرار.
قبل عام، وقف الرئيس أحمد الشرع أمام الأمم المتحدة ليقول للعالم إن سوريا عادت.
هذا العام، يبدو أن المهمة أصعب:
أن يشرح للعالم أي سوريا عادت، وكيف تريد أن تبني نفسها، وأي مكان تريد أن تحتله في المنطقة التي يعاد تشكيلها من حولها.
وبين نيويورك الأولى ونيويورك الثانية، انتقلت الدبلوماسية السورية بالفعل مسافة كبيرة.
أما المسافة التالية، فلن تُقاس بعدد الاجتماعات في نيويورك، بل بما يمكن أن يعود منها إلى دمشق.
في إحدى قاعات نيويورك، مساء الثلاثاء، لم يكن الرئيس أحمد الشرع يقف هذه المرة أمام الأمم المتحدة ليعلن عودة سوريا إلى المنبر الدولي بعد غياب استمر قرابة ستة عقود.
كان المشهد مختلفاً.
أمامه جلس بريت ماكغورك، المسؤول الأميركي السابق الذي أمضى سنوات طويلة في قلب ملفات الشرق الأوسط وسوريا والعراق، فيما كان المكان واحداً من أبرز مراكز صناعة الأفكار والسياسات في واشنطن: المجلس الأطلسي.
وعلى الطاولة لم تعد الأسئلة هي نفسها التي رافقت وصول الرئيس السوري إلى نيويورك قبل عام.
في أيلول 2025، كانت سوريا تحاول الخروج من إرث العقوبات والعزلة الدولية، وكان الرئيس الشرع يصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في حدث تاريخي هو الأول لرئيس سوري منذ عام 1967.
أما في أيلول 2026، فقد وصل الرئيس إلى نيويورك في واقع مختلف: قانون قيصر الذي طالب بإلغائه في زيارته الأولى أصبح من الماضي، وسوريا أُزيلت رسمياً من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وأعضاء في الكونغرس باتوا يناقشون معه الاستثمار وإعادة الإعمار والعلاقات الثنائية، فيما خصص المجلس الأطلسي جلسة كاملة للرئيس السوري تحت عنوان يتحدث عن "مستقبل سوريا وإعادة الإعمار ودورها الإقليمي".

عام واحد فقط يفصل بين الصورتين، لكن المسافة السياسية بينهما تبدو أطول بكثير.
من "سوريا عادت" إلى "أي سوريا يجري بناؤها؟"
عندما وصل الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك في أيلول 2025، كانت للزيارة رمزية استثنائية.
للمرة الأولى منذ عام 1967، يحضر رئيس سوري اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم يقف أمام منبرها ليقدم للعالم الرواية السياسية لسوريا الجديدة.
قال الرئيس يومها إن سوريا انتقلت من بلد يصدّر الأزمات إلى فرصة للسلام والاستقرار في المنطقة، ودعا إلى رفع العقوبات التي فُرضت في عهد النظام السابق، كانت تلك، في جوهرها، زيارة العودة.
عودة سوريا إلى الأمم المتحدة على مستوى رئيس الدولة، وعودة التواصل المباشر مع الولايات المتحدة، ومحاولة نقل البلاد من خانة الدولة المعاقبة والمعزولة إلى دولة تبحث عن الاعتراف والاستقرار وإعادة البناء.
وخلال الزيارة، التقى الرئيس وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، كما اجتمع مع مشرعين أميركيين، وفي مقدمتهم السيناتور جين شاهين والنائب غريغوري ميكس، وكان ملف العقوبات حاضراً بقوة.
أما بعد عام، فقد تبدلت مفردات النقاش.. في البيان الذي أصدره مكتب السيناتور شاهين عقب لقائها الرئيس الشرع في نيويورك هذا الأسبوع، لم يعد الحديث عن ضرورة إلغاء قيصر، بل عن إلغاء عقوبات قانون قيصر بالفعل.
ولم يعد الحديث عن إخراج سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب مطلباً سورياً، بل أشار البيان الأميركي نفسه إلى أن وزارة الخارجية أزالت سوريا رسمياً من القائمة.
والأهم أن البيان انتقل إلى الحديث عن الاستثمار الأميركي والدولي في سوريا ودوره في التعافي الاقتصادي، وهنا تحديداً يمكن فهم الفارق بين زيارتي 2025 و2026.
في الأولى، كانت دمشق تعمل على إزالة الحواجز أمام عودتها، وفي الثانية، بات السؤال المطروح هو ماذا ستفعل سوريا بالمساحة التي فُتحت أمامها؟
في المجلس الأطلسي.. الرئيس الشرع يشرح شكل الدولة التي يريد بناءها لهذا ربما كان ظهور الرئيس الشرع في المجلس الأطلسي واحداً من أكثر مشاهد الزيارة دلالة.
المجلس لم يقدم الجلسة باعتبارها نقاشاً عن الأزمة السورية، بل أعلن أن الرئيس السوري سيعرض رؤيته لمستقبل سوريا وأولويات حكومته في إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والإصلاح المؤسسي والعلاقة السورية-الأميركية وإعادة الاندماج الإقليمي.
وهي عناوين تكشف وحدها حجم التحول الذي طرأ على النقاش الدولي حول دمشق، وفي الجلسة، ذهب الرئيس أبعد من الملفات الخارجية، متحدثاً عن شكل الحكم وبناء المؤسسات خلال المرحلة الانتقالية.
أكد الرئيس أحمد الشرع أن العمل خلال السنوات الخمس المقبلة يتركز على تكريس احترام القانون، بحيث لا تكون السلطة محصورة في شخص واحد، وإنما تمارس مؤسسات الدولة أدوارها وفق القانون والدستور.
وهذه النقطة ترتبط مباشرة بأحد أكثر الأسئلة التي تطرحها العواصم الغربية بشأن المرحلة السورية الجديدة: هل تتحول المرحلة الانتقالية إلى مؤسسات مستقرة وقواعد حكم قابلة للاستمرار؟
الرئيس قدم إجابته من زاوية بناء الدولة: مؤسسات وقانون ودستور، مع الاستفادة من التعاون الدولي في التدريب وتبادل الخبرات وتقوية بنية الدولة.
لكن الملفات الداخلية لم تكن وحدها الحاضرة، فمن نيويورك، أرسل الرئيس واحدة من أكثر رسائله وضوحاً بشأن السيادة السورية.
"لماذا لا تعطيهم نيوجيرسي؟".. عندما وصل النقاش إلى الجولان
ربما كان أكثر مقاطع جلسة المجلس الأطلسي تداولاً هو ذلك الذي استعاد فيه الرئيس الشرع حديثاً سابقاً جمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الجولان السوري المحتل.
روى الرئيس أنه ناقش مع ترامب مسألة الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، ومازحه بسؤال: لماذا لا تمنحهم نيوجيرسي بدلاً منه؟
لكن خلف العبارة الساخرة كانت هناك رسالة سياسية أكثر جدية. الرئيس شدد على أن الجولان أرض سورية، وأن المسألة ليست ملكاً لرئيس سوري أو أميركي أو لأي مسؤول كي يتنازل عنها.
وبحسب ما نُقل عن الجلسة، أكد الرئيس أن الجولان أرض سورية وفق المرجعيات الدولية، واضعاً فاصلاً بين استعداد دمشق للانخراط في ترتيبات أمنية أو مفاوضات وبين مسألة السيادة على الأرض.
وكشف الرئيس الشرع كذلك أن المحادثات السورية-الإسرائيلية وصلت في مرحلة سابقة إلى مستوى متقدم، مقدراً أنها اقتربت من 90 في المئة من التفاهم قبل حدوث تراجع أو تغير في الموقف الإسرائيلي.
وقال إن دمشق تريد سلاماً دائماً، لكن السلام بالنسبة إليها يجب أن يقترن بضمان الحقوق السورية، لا أن يقوم على استمرار احتلال أراضٍ سورية، وحدد تسلسلاً للمسار كما تراه دمشق: الانسحاب من الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام السابق، ثم بحث الترتيبات الأمنية، وإذا نجحت تلك الترتيبات يمكن الانتقال إلى نقاش حول سلام دائم.
بهذه الصيغة، حاول الرئيس الجمع بين رسالتين: سوريا الجديدة ليست بصدد البحث عن حرب جديدة، لكنها في الوقت نفسه لا تعتبر الانفتاح الدبلوماسي بديلاً عن حقوقها السيادية.
لا قواعد أجنبية بلا دولة
ومن إسرائيل إلى الوجود العسكري الأجنبي، حافظ الرئيس على الخط السياسي نفسه: الدولة هي المرجعية.
قال الرئيس أحمد الشرع إن سوريا لا تحتاج، في المستقبل المنظور، إلى قواعد عسكرية أجنبية، وإن أي وجود عسكري على الأراضي السورية ينبغي أن يستند إلى إطار قانوني تقره مؤسسات الدولة.
وتأتي هذه التصريحات بعد تحولات مهمة في ملف الوجود الروسي، إذ توصلت دمشق وموسكو في 2026 إلى ترتيبات جديدة بشأن منشآت طرطوس وحميميم، تعيد للدولة السورية إدارة المنشآت المدنية وتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة، وفق ما أعلن عن الاتفاق.
بين الكونغرس والرئيس السوري.. تغير في لغة واشنطن
وقبل جلسة المجلس الأطلسي، كان الرئيس قد عقد سلسلة لقاءات مع أعضاء في الكونغرس الأميركي.
البيانات الصادرة من الجانب الأميركي تستحق التوقف عندها، لأنها تقدم مؤشراً مستقلاً عن الخطاب الرسمي السوري.
السيناتور جين شاهين، كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، قالت بعد اجتماعها مع الرئيس إن الطرفين ناقشا التقدم المستمر في العلاقات الأميركية-السورية.
وأشارت إلى أن إلغاء قانون قيصر منح السوريين فرصة لإعادة بناء بلدهم، كما رحبت بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
ثم انتقلت إلى الاقتصاد، فالبيان تحدث صراحة عن أن الاستثمار الأميركي واستثمارات الحلفاء يمكن أن تساعد في التعافي الاقتصادي السوري.
وفي المقابل، طرحت شاهين الملفات التي لا تزال واشنطن تركز عليها: الحكم الشامل، وحماية جميع المكونات الدينية والإثنية، ومشاركة النساء، وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، واستمرار التعاون ضد تنظيم داعش.
الصورة نفسها تقريباً ظهرت في بيان النائب غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، الذي رحب بما وصفه بالتقدم الذي حققته حكومة الرئيس الشرع منذ إلغاء عقوبات قيصر وإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مع التأكيد مجدداً على حماية المكونات ومواجهة عودة التنظيمات الإرهابية.
وهنا تظهر قيمة هذه اللقاءات بالنسبة إلى دمشق: الحوار لم يعد يجري حول العقوبات وحدها، بل حول طبيعة الشراكة التي يمكن أن تقوم بعد رفعها.
الرئيس الشرع وترامب.. سوريا داخل غرفة النقاش الإقليمي
وفي مشهد آخر لا يقل أهمية، ظهر الرئيس أحمد الشرع إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة عرب وإقليميين خلال اجتماع متعدد الأطراف عقد على هامش الجمعية العامة.
ضم الاجتماع، إلى جانب الرئيسين السوري والأميركي، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وملك الأردن عبد الله الثاني، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، ومسؤولين وقادة من دول الخليج.
والمغزى بالنسبة إلى سوريا ليس في الصورة وحدها، فالقضايا المطروحة في نيويورك تتصل مباشرة بإعادة تشكيل منظومة الأمن في الشرق الأوسط، والعلاقات مع إسرائيل، والتوتر مع إيران، وأمن الطاقة ومستقبل الترتيبات الإقليمية.
ووجود سوريا في مثل هذه الاجتماعات يعني أنها باتت طرفاً مشاركاً في النقاش حول هذه الملفات، بعد سنوات كانت فيها الأراضي السورية نفسها ساحة لتنافس القوى التي تدير تلك الملفات.
بغداد ودمشق.. السياسة تعود إلى الجغرافيا
وعلى هامش اجتماعات نيويورك، التقى الرئيس الشرع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وبحث الجانبان تعزيز العلاقات بين دمشق وبغداد، ولا سيما في الملفين الأمني والاقتصادي.
وللعلاقة السورية-العراقية وزن خاص لا توفره اللقاءات البروتوكولية وحدها.
فالبلدان يتشاركان حدوداً طويلة، وملف داعش، والتجارة والطاقة وحركة العبور والأمن الحدودي، فضلاً عن أن استقرار شرق سوريا وغرب العراق مترابط أمنياً واقتصادياً.
ولهذا فإن إدخال العلاقة مع بغداد ضمن شبكة العلاقات الإقليمية الجديدة لدمشق يمثل جزءاً من محاولة تحويل الجوار السوري من مصدر للصراعات العابرة للحدود إلى شبكة مصالح بين الدول.
من الحضور إلى التأثير.. الاختبار السوري بعد نيويورك
لسنوات طويلة، كانت سوريا ملفاً يبحثه الآخرون: العقوبات عليها، الحرب داخلها، القوات المنتشرة على أراضيها، اللاجئون الخارجون منها، ومصالح القوى الإقليمية والدولية فيها.
وفي نيويورك 2026، تحاول دمشق تقديم صورة مختلفة: دولة تريد أن تكون صاحبة القرار في أرضها، وأن تتفاوض باسم مصالحها، وأن تحول رفع العقوبات إلى استثمار، والانفتاح السياسي إلى إعادة إعمار، والعلاقات الخارجية إلى أدوات لاستعادة الاستقرار.
قبل عام، وقف الرئيس أحمد الشرع أمام الأمم المتحدة ليقول للعالم إن سوريا عادت.
هذا العام، يبدو أن المهمة أصعب:
أن يشرح للعالم أي سوريا عادت، وكيف تريد أن تبني نفسها، وأي مكان تريد أن تحتله في المنطقة التي يعاد تشكيلها من حولها.
وبين نيويورك الأولى ونيويورك الثانية، انتقلت الدبلوماسية السورية بالفعل مسافة كبيرة.
أما المسافة التالية، فلن تُقاس بعدد الاجتماعات في نيويورك، بل بما يمكن أن يعود منها إلى دمشق.


