سوريا - اقتصاد
تتجاوز " سويفت".. خيارات اتصال مالي تضمن " السيادة الاقتصادية" السورية
ا
العين السورية
نشر في: ١٣ أبريل ٢٠٢٦، ١٤:٣١عدل في: ١٣ أبريل ٢٠٢٦، ١٤:٣١
3 دقيقة
0

تعيش الأوساط الاقتصادية في سوريا مرحلة مفصلية تتجاوز في أبعادها مجرد استعادة قنوات الاتصال المالي التقليدية، لتصل إلى عمق الصراع العالمي على هوية النظام المالي القادم. وفي الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بصراعاتها الجيوسياسية، وعلى رأسها التوترات المتصاعدة مع إيران، ثمة ملامح نظام مالي عالمي جديد تبدأ بالتشكل بهدوء لافت تقوده دول مجموعة "بريكس" لإعادة رسم خارطة المدفوعات الدولية، وهو ما يضع صانع القرار الاقتصادي السوري أمام تحدي الموازنة بين الاندماج في النظام القائم واستشراف بدائل المستقبل.
نظام مالي في الظل
في تصريح خاص لـ "العين السورية"، أكد الخبير المهندس حيدر عبد الجبار البطاط، أن القوة الحقيقية لم تكن يوماً في السلاح فقط بل في القدرة على التحكم بتدفق المال، وإذا تغير هذا التدفق فإن موازين القوة العالمية ستتغير معه.
وأوضح البطاط أن الدولار الأمريكي سيطر لسنوات طويلة على مفاصل الاقتصاد العالمي، لدرجة أن كل صفقة نفط، وكل شحنة قهوة، وكل تجارة إلكترونيات كانت تمر بشكل أو بآخر عبر النظام المالي الأمريكي وتحديداً عبر شبكة "سويفت"، ما منح واشنطن نفوذاً هائلاً يتجاوز حدودها الجغرافية.
" بريكس" .. انعطافة قسريّة
إلا أن ما يحدث اليوم قد يغير هذه المعادلة، حيث تتجه البرازيل وشركاؤها في "بريكس" نحو تنفيذ معاملات تجارية مباشرة باستخدام العملات المحلية أو العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، في مشهد يسمح بتجارة بمليارات الدولارات دون المرور بالدولار أو أي بنك أمريكي.
ويتابع المهندس البطاط شرحه لهذا التحول الاستراتيجي العميق، مشيراً إلى أنه في هذا المشهد الجديد، عندما تبيع البرازيل فول الصويا إلى الصين مثلاً، لن تكون هناك حاجة لتحويل العملة إلى الدولار ولا انتظار الموافقات التقليدية، بل سيتم كل شيء بسرعة وبتكلفة أقل وبعيداً عن أعين الرقابة الأمريكية. ويشدد البطاط على أن هذه ليست مجرد خطوة تقنية بل هي إعادة تعريف للنفوذ العالمي، حيث يدخل العالم مرحلة جديدة لا يُقاس فيها التأثير بالحروب التقليدية بل عبر من يملك مفاتيح النظام المالي القادم، وهو ما يفرض واقعاً جديداً يتطلب من الدول مواكبة هذا "التدفق المالي الجديد" الذي سيغير خارطة القوة في العالم.
ضبابية وعدم يقين
على ضوء هذه الرؤية العالمية، يقدم الخبير الاقتصادي السوري محمود عبد الكريم قراءة واقعية حول انعكاسات هذه التحولات على الداخل السوري، مشيراً في حديثه مع "العين السورية" إلى أن هذا النظام البديل لا يستطيع أن يشكّل شبكة أمان دائمة لسوريا، ولا حتى في المدى المتوسط، وذلك لأسباب بنيوية لا علاقة لها بالنوايا السياسية لدول "بريكس".
ويوضح عبد الكريم أن السبب الأول والأعمق يكمن في تصنيف سوريا الرمادي من مجموعة "فاتيف" منذ عام 2010، وبما أن دول "بريكس" أعضاء بـ" عضوية كاملة" في هذه المجموعة وملتزمون بمعاييرها، فإن أي بنك صيني أو هندي أو إماراتي سيتعامل مع مؤسسة سورية تحت هذا التصنيف سيتحمل تكاليف امتثال باهظة ومخاطر مؤسسية، وهو سلوك مالي عالمي لا علاقة له بالعقوبات الأمريكية المباشرة، بدليل تردد قطر سابقاً في تحويل أموال لدعم رواتب الموظفين السوريين بسبب الخوف من مخاطر الامتثال المؤسسي وليس بسبب العقوبات وحدها.
منظومات بديلة غير مكتملة
ويتابع عبد الكريم تحليله: "إن منظومة "بريكس" المالية البديلة غير مكتملة أصلاً، إذ أن نظام "بريكس باي" لم ينطلق تشغيلياً بعد، وأفضل التقديرات تشير إلى تجارب أولية في نهاية عام 2026، كما أن نظام "سيبس" الصيني الذي يُقدَّم كبديل وقّع في مارس 2025 مذكرة تفاهم للتعاون مع "سويفت" لا للمنافسة، مما يعني أن المنظومة البديلة تسعى للتكامل مع النظام القائم لا لاستبداله"، متسائلاً كيف تكون شبكة أمان من الحصار وهي مرتبطة بالنظام ذاته الذي يُفترض أن تحمي منه.
كذلك، يشير إلى طبيعة التكتل الذي يضم دولاً مثل الهند والبرازيل تمتلك علاقات عميقة مع الغرب ولن تخاطر بها دفاعاً عن تحويلات سوريا، مؤكداً أن التجارب السابقة مع أطراف مثل روسيا وإيران لم تمنع الانهيار الاقتصادي السوري بل أضافت تبعية من نوع آخر.
فجوة التمويل
ويرى عبد الكريم أن الحاجة السورية لتمويل إعادة الإعمار التي تُقدَّر بأكثر من 250 مليار دولار هي حاجة عاجلة لا يمكن أن ينتظرها نظام مالي لا يزال في طور الإنشاء مقابل ناتج محلي لا يتجاوز 21 مليار دولار، معتبراً أن الرهان على نظام قيد التأسيس لمواجهة احتياجات قائمة هو قرار اقتصادي مكلف. ويؤكد أن الحماية الدائمة لا تأتي من الانتساب لمنظومة بديلة، بل من بناء اقتصاد متنوع ومؤسسات مالية راسخة وحوكمة شفافة تجعل عزل سوريا اقتصادياً أمراً مكلفاً دولياً، فالدولة المندمجة في النسيج العالمي وتحمل تصنيفاً نظيفاً يصعب عزلها مقارنة بدولة تبحث عن ممرات بديلة.
إدارة التوقيت
بشأن المعادلة الأمثل لإدارة هذه المرحلة، يرى عبد الكريم أن المسألة ليست اختياراً بين نظامين، بل هي فن إدارة التوقيت والأولويات بحكمة؛ فسوريا تقف اليوم أمام نافذة فرصة تاريخية بعد رفع العقوبات الأمريكية في يوليو 2025 والعودة لـ "سويفت" وتدفق استثمارات أجنبية ضخمة وانخراط صندوق النقد الدولي في أول بعثة رسمية منذ 2009.
ويقترح عبد الكريم استراتيجية تبدأ بمرحلة أولى تمتد حتى نهاية عام 2027 مُكرسة بالكامل لتوطيد الاندماج في النظام المالي التقليدي، مع التركيز المطلق على الخروج من القائمة الرمادية لمجموعة "فاتيف" وتحويل المصرف المركزي لمؤسسة بمعايير دولية من حيث الشفافية والحوكمة، تماشياً مع تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي حول تحويل سوريا لمركز مالي إقليمي وبناء احتياطيات نقد أجنبي تشكل العمود الفقري للسيادة النقدية.
أما المرحلة الثانية التي تبدأ من عام 2027 إلى 2030، فهي مرحلة التنويع الاستراتيجي المحسوب؛ فبعد بناء القاعدة المؤسسية والخروج من قائمة "فاتيف" ومراكمة الاحتياطيات، يصبح الانخراط في منظومة "بريكس" خياراً استراتيجياً حقيقياً للاستفادة من نظام "سيبس" الصيني كقناة للتسويات بالعملات المحلية مع شركاء مثل تركيا والعراق والإمارات، والتعامل مع بنك التنمية الجديد لتمويل البنية التحتية بشروط مرنة.
الطريق نحو السيادة الاقتصادية
في المحصلة، إن القوة الحقيقية في السيادة الاقتصادية السورية، كما يخلص الخبيران، لا تأتي من المفاضلة الصفرية بين المنظومتين، بل من القدرة على توظيفهما معاً لخدمة المصلحة الوطنية. فبينما يرسم المهندس البطاط ملامح فجر مالي جديد يكسر احتكار القوى التقليدية، يضع الخبير عبد الكريم خارطة طريق واقعية تبدأ بتنظيف السجل المالي السوري دولياً كشرط إلزامي للعبور نحو أي نظام بديل. وبذلك، تنتقل سوريا تدريجياً من مربع البحث عن "ممرات هروب" مالية تحت ضغط اليأس، إلى استراتيجية "التنويع من موقع القوة"، إذ يصبح الاندماج في النظام التقليدي هو الرافعة الأساسية لبناء المؤسسات والاحتياطيات التي ستمكن دمشق لاحقاً من الانخراط الوازن في نظام "بريكس"، لضمان سيادة نقدية لا تقبل العزل مرة أخرى.


