سوريا - ثقافة
فوق هذا المستطيل وقع حادث.. صراع بين الخير والشر
س
سمر شمه
نشر في: ١٦ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٤٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

قدمت فرقة "حاتم علي للفنون المسرحية" القادمة من درعا عرضاً مسرحياً على خشبة مسرح الحمراء بدمشق تحت عنوان "فوق هذا المستطيل. وقع حادث" وذلك في افتتاح مهرجان سوريا المسرحي 2026، للكاتب محمد أبو معتوق، إخراج: جماعي، أشرف عليه فنياً وشارك في التمثيل: فراس المقبل، إلى جانب: محمد المومني- يوسف أبو حمد- عمر الحاري وتاج المقبل.
مستطيل الموت والرعب والخوف
تتمحور رسالة العمل حول رفض الظلم والجوع والاستبداد، وصراع السلطة مع الضحايا من خلال حبكة رمزية تتورط فيها شخصيات عديدة في جريمة وهمية، وتسلط الضوء على التحولات النفسية للضعفاء، وأبعاد الصراع الوجودي الأبدي بين الخير والشر.
تدور حكايته حول مستطيل غامض رسمته السلطة على الأرض ليمثل "قبراً افتراضياً" بلا جثة تستخدمه كذريعة لبث الرعب وبسط سيطرتها المطلقة.
تبدأ الحكاية والمؤامرة بتوجيه اتهام زائف ضد أحد حراس هذه المنظومة، وباعتقاله في السجن وهو المعروف بصمته وضعفه وتنفيذه للأوامر باستسلام كامل. ليلتقي داخل الزنزانة مع الكاتب المسرحي الذي تم اعتقاله بسبب عبارة كتبها في نص له ورفض حذفها متحدياً تعليمات الرقابة وتدخلها السافر في شؤون الفن والثقافة.
الوعي الجديد والنهاية التراجيدية
بعد فترة من الزمن تبدأ شخصية الحارس بالتطور والتبدل ويشعر بأن السجن منحه وعياً جديداً وقدرة كبيرة على التفكير بصوت عالٍ والتعبير عما يريد قوله بعد أن عجز عن ذلك وهو طليق. ولكن السلطة المستبدة تقرر في النهاية التخلص منه وقتله في المستطيل الذي بدأت منه الحكاية لأنه الشاهد الوحيد على كذب الرواية الرسمية وتلفيقها من المنظومة الحاكمة، لتتحول الجريمة الوهمية إلى واقع دامٍ والمستطيل الافتراضي إلى حقيقة مؤلمة>
الرمزية وصراع قابيل وهابيل
تناول النص في هذا العرض المسرحي قضايا الحرية والقيد والفكر والجمال من جهة، والجهل والحقد والقبح من جهة أخرى بطريقة غير تقليدية. وركز على الأبعاد النفسية والفلسفية للحكاية التي ترمز إلى الصراع بين قابيل وهابيل. اعتمد اللغة الفصحى المنّكهة ببعض الكلمات والعبارات العامية المأخوذة من البيئة المحلية الجنوبية (محافظة درعا) مما أضفى لمسة واقعية على الحوارات وكسر جمود الطروحات الرمزية، وسيطر عليه أسلوب المسرح العبثي والسياسي الذي بدأ من فكرة سوريالية (رسم مستطيل يمثل حادثاً وهمياً).
القراءة البصرية والأداء
نجح المشرف الفني والإخراج الجماعي في تصميم السينوغرافيا التي حولت المسرح إلى "فضاء للأسئلة والدهشة" رغم اعتمادها على البساطة والتقشف. ووُظف الديكور والإضاءة بشكل رمزي ومدروس ليخدم فكرة "المستطيل" أحد أبطال العمل، مما جعل الأبعاد البصرية مناسبة جداً للجو العبثي للنص. كما لعبت الإضاءة كعنصر درامي دوراً كبيراً في تعويض غياب الديكور الضخم والغني بصرياً. وعموماً كانت القراءة البصرية خلال العرض معبرة عن آليات الاستبداد الشمولي والقمعي.
و رغم التفاوت في الأداء المسرحي بين ممثل وآخر أثناء تصاعد الحدث الدرامي، استطاع الممثلون تجسيد ثنائية "الجلاد والضحية" بشكل مقنع وواضح، وأبرزوا التحولات النفسية المعقدة للشخصيات والسجناء بعمق شديد، كما ضبطوا الإيقاع الحواري والإلقاء بأسلوب مؤثر.
المبالغة في التقشف
كان العمل ناجحاً، كسر ضعف الإمكانيات والبنية التحتية المسرحية التي تعاني منها محافظة درعا، ولكن كان هناك مبالغة في الرمزية التقشفية بشكل عام مما خلق فراغاً مسرحياً كبيراً على الخشبة لم يتم استغلاله بصرياً، هذا إضافة إلى أن المزج بين الفصحى والعامية في بعض المشاهد أثّر سلباً على وحدة الإيقاع اللغوي، وأفقد النص الفصيح بعض رصانته.
بانتظار التقييم النهائي من قِبل اللجان المختصة ليتأهل للمشاركة في مهرجان سوريا المسرحي المركزي بداية الشهر القادم في حلب الشهباء، أقدم المدن العربية التي عرفت فَنّي المسرح الحديث والشعبي.


