سوريا - اقتصاد
تشريع مرن يؤسس لاقتصاد عابر للحدود.. سوريا تتصالح مع ملف مزمن
ر
رهام علي
نشر في: ١٨ مايو ٢٠٢٦، ٢٢:٤١
3 دقيقة
33

أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 109 لعام 2026، المتضمن قانوناً جديداً للجمارك يشكل بديلاً متكاملاً عن قانوني الجمارك رقم 37 و38 لعام 2006 وتعديلاتهما، مع إلغاء النصوص التشريعية السابقة المخالفة لأحكامه. يتألف القانون الجديد من 264 مادة موزعة على أبواب متعددة، تنظّم عمل إدارة الجمارك، وآليات الاستيراد والتصدير، والتعرفة الجمركية، والإعفاءات، والمخالفات، وعقوبات التهريب، إضافة إلى صلاحيات الضابطة الجمركية والمحكمة المختصة. يأتي هذا المرسوم ليعيد رسم ملامح السياسة الجمركية والاقتصادية في سوريا، حاملاً معه جملة من التغييرات الهيكلية والتشغيلية التي تهدف إلى تحديث المعاملات التجارية ومواكبة الأنظمة الدولية، مما يجعله خطوة محورية في بيئة الاستثمار السورية المعاصرة.
إعادة هيكلة شاملة
فلسفة التيسير الرقمي
ويضيف عبد الكريم أن القانون الجديد يبدأ من الاعتراف الضمني بهذه الإشكالية واضعاً حلولاً هيكلية؛ أولها منح الجمارك الاستقلال المالي والإداري لتصبح مؤسسة مستقلة، مما يعني أن التاجر الذي يظلم أصبح لديه خصم قانوني واضح يمكن مقاضاته بدلاً من الصراع مع آلة بيروقراطية بلا وجه. ويوضح أن الثورة الحقيقية تكمن في الفلسفة التشغيلية القائمة على السرعة والرقمنة؛ إذ يلزم القانون الجمارك بقبول بيانات الحمولة والتصريح إلكترونياً، والسماح بالإفراج المسبق عن البضائع، واعتماد المعاينة الانتقائية بناء على نظام "إدارة المخاطر" التابع للمنظمة العالمية للجمارك، بحيث لا يعامل التاجر الملتزم ذو السجل النظيف كمعاملة التاجر المشبوه. ويضرب مثالاً بمصنع نسيج في حلب يستورد خيوطاً من تركيا؛ فبعد أن كان ينتظر من أسبوع إلى أسبوعين لتخليص شحنته وسط آلات معطلة، يتيح له القانون الجديد استلامها خلال 24 إلى 48 ساعة مع إجراء التدقيق النهائي لاحقاً، وهو فارق يمثل الحد الفاصل بين الربح والخسارة.
ملف القيمة ومعالجة الإغراق
ويمتد التحديث التشريعي بحسب عبد الكريم إلى بروز أحكام مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية؛ إذ يتيح القانون للحكومة، بناء على اقتراح مجلس التعريفة، فرض رسم تعويضي على البضائع المستوردة في حالتين: نيل البضاعة إعانة مباشرة للتصدير في بلد منشئها، أو خفض أسعارها بقصد الإغراق لإقصاء المنافس المحلي. ويعتبر هذا البند بالغ الأهمية الاستراتيجية في سياق سوريا ما بعد الصراع لحماية المنتج المحلي الناشئ؛ مفسراً ذلك بمثال لشركة دجاج محلية تبيع الكيلوغرام بـ 5,000 ليرة نتيجة تكاليف الإنتاج الباهظة، وفجأة تبدأ دولة مجاورة بتصديره بـ 3,000 ليرة نتيجة دعم حكومتها، وهنا يتدخل القانون بفرض رسم تعويضي لإعادة التوازن للسوق.
قفزة استثمارية للمناطق الحرة
وعلى صعيد المناطق الحرة والمستودعات الجمركية والترانزيت، يوضح عبد الكريم أن القانون أفرد أحكاماً واسعة تشترط تقديم الضمانات اللازمة وتُرسي بيئة استثمارية منفتحة؛ حيث تعامل المنطقة الحرة جمركياً كأنها خارج البلاد، فيمكّن إدخال وتخزين وتصنيع البضائع الأجنبية دون قيود أو رسوم مسبقة، ولا تُدفع الرسوم إلا على الكميات التي تدخل السوق المحلية فعلياً. ويشير إلى أن هذا البند يخدم إعادة الإعمار، كأن تقوم شركة إماراتية بتخزين مواد البناء من حديد وإسمنت في منطقة حرة بمرفأ اللاذقية لإعادة توزيعها دون أعباء جمركية مسبقة.
أبعاد اجتماعية
وفي الإطار العقابي، يرى عبد الكريم أن القانون وازن بين الردع والواقعية عبر سلم غرامات واضح ومتدرج؛ فالمخالفات غير المتعمدة في بيانات الاستهلاك والتصدير والترانزيت تتراوح غراماتها بين 3 و4 أمثال الرسوم، بينما يعرّف القانون التهريب بأنه إدخال أو إخراج البضائع خلافاً للأنظمة سواء بعدم المرور بالمكاتب أو التزوير، وتصل غرامات التهريب المقصود للممنوعات المعينة إلى ما بين 6 و8 أمثال القيمة مع المصادرة الكاملة للبضائع أو وسائل النقل. ويكمن التجديد الحقيقي في نظام التسوية الودية لإنهاء النزاعات عبر المدير العام بغرامة لا تقل عن 50% من الغرامة القصوى قبل صدور الحكم القطعي تجنباً لسنوات التقاضي؛ فالتاجر الذي أخطأ دون تعمد في بيان بضاعة قيمتها 10 ملايين ليرة ورسومها مليونا ليرة يستطيع تسوية موقفه والمضي في عمله فوراً، مع إنشاء إطار للمحكمة الجمركية المختصة بالنظر في قضايا التهريب والاعتراض على التغريم والتحصيل. كما أشاد بتنظيم قطاع شركات التخليص الجمركي وإلزامها بترخيص محدد وإطار تأديب تصاعدي يبدأ بالإنذار ويمر بالشطب المؤقت سنتين وينتهي بالشطب النهائي لإقصاء الوسطاء المشبوهين والحد من الفوضى، مع منح الضابطة الجمركية صفة الضابطة العدلية وحق استخدام السلاح للدفاع عن النفس أو مقاومة الاعتداء.
ويختتم عبد الكريم بالإشارة إلى المادة الأخيرة التي تحمل رمزية بالغة بإلغاء القانون رقم 38 لعام 2006 وتعديلاته، والمرسومين التشريعيين رقم 70 لعام 2010 ورقم 6 لعام 2011، والقانون 66 لعام 2001، على أن ينفذ القانون بعد 3 أشهر من نشره في الجريدة الرسمية لمنح المنظومة الاقتصادية هامشاً للتكيف وحاجة المنظومة لتعليمات تنفيذية تفصيلية. ويؤكد أن النصوص وحدها لا تكفي وتتطلب تدريب الكوادر وتطوير التكنولوجيا، لكن القانون يضع سوريا لأول مرة على خارطة الأنظمة الحديثة كشريك للمستثمر، ويعد من أهم قرارات الحكومة الجديدة في عامها الأول لدعم مرحلة إعادة الإعمار.
هواجس من مركزية السياسة المالية
ويحذر الكريم من أن هذا الواقع يضعف مركزية السياسة المالية ودور وزارة المالية، مما قد يهز الثقة بنجاح المرحلة الانتقالية وقدرة الحكومة على النهوض بالمجتمع، محذراً من عودة الصراع من بوابة الفشل الاقتصادي. ويبدي تخوفه من تحميل هيئة الجمارك أعباء إدارية ومالية إضافية تتجاوز حجمها وهيكلها التنظيمي الحالي باعتبارها هيئة وليست وزارة، الأمر الذي قد يفرز نوعاً من الانفصال بينها وبين وزارتي المالية والاقتصاد، مستشهداً بغياب التنسيق المؤسسي المطلوب واللجان المشتركة في قرارات سابقة كملف الدواجن، ليتساءل في النهاية عن مدى توفر الكوادر الكافية لدى الجمارك وهل توجد آلية حقيقية لمنع تفتت أجزاء الحكومة.


