سوريا - اقتصاد
هكذا نسفت إخفاقات التخطيط المزمنة صناعة إستراتيجية سورية .. والاستدراك ليس صعباً
ر
رهام علي
نشر في: ٢٠ مايو ٢٠٢٦، ١٣:٢٧
3 دقيقة
8

تواجه الأسواق السورية مفارقة واضحة في تأمين مادة السكر، التي تحظى بتراتبية متقدمة على لائحة ضروريات الأمن الغذائي والعديد من الصناعات الغذائية؛ ففي الوقت الذي تستمر فيه حركة الموانئ في استقبال الآلاف من أطنان السكر الخام والمصنع لتعويض العجز، تبرز تساؤلات حيوية حول أسباب تعثر زراعة الشوندر السكري محلياً، وتحول البلاد من الإنتاج إلى الاعتماد شبه الكلي على التوريد الخارجي.
حركة كثيفة في المرافئ
توضح البيانات اللوجستية استمرار تدفق شحنات السكر عبر المنافذ البحرية لرفد السوق المحلية بالاحتياجات الضرورية، إذ شهِد مرفأ اللاذقية مؤخراً وصول باخرة محملة بنحو 4200 طن من مادة السكر، لتسارع الكوادر الجمركية في عمليات التفريغ مباشرة. هذا التدفق يندرج ضمن حركة تجارية أوسع شملت أيضاً وصول سفينة شحن ضخمة قادمة من البرازيل، والتي تُعد المورد الرئيسي للسوق السورية، محملة بنحو 32.8 ألف طن من السكر الخام.
تقلبات الأرقام
على التوازي، تكشف المؤشرات الرقمية عن تحولات واضحة في بنية المستوردات بين عامي 2024 و2025، إذ استوردت سوريا حتى النصف الأول من عام 2024 نحو 210 آلاف طن من السكر بشقيه الخام والمصنع. وشكل السكر المصنع الجاهز نحو 43% من هذه الكمية عبر 23 مستورداً. مسجلاً انخفاضاً مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2023 التي بلغت وارداتها 221 ألف طن، وبنسبة سكر مصنع تجاوزت حينها 70%.
انتكاسة الشوندر
وفق تقديرات غير رسمية، تتراوح حاجة السوق السورية شهرياً بين 50 و60 ألف طن، وهي حاجة كان من الممكن تقليص الاعتماد الخارجي فيها لولا التدهور الحاد في زراعة الشوندر السكري التي تتركز في محافظات حمص وحماة وحلب والرقة ودير الزور، وتساهم منطقة سهل الغاب وحدها بثلث الإنتاج. ويعاني هذا القطاع من شلل شبه كامل، إذ تراجع الإنتاج من نحو 2.2 مليون طن سنوياً قبل عام 2011 (كان يغطي ما بين 25% إلى 40% من الحاجة) إلى بضعة آلاف من الأطنان فقط، نتيجة توقف معامل السكر الحكومية كمعمل حمص وتل سلحب ومسكنة بسبب الأعطال الفنية الكبيرة، وارتفاع تكاليف الصيانة، فضلاً عن نقص الأسمدة والمحروقات.
غياب الجدوى
في قراءة معمقة لجذور الأزمة، يوضح الخبير التنموي والزراعي ومؤسس مبادرة المشاريع الأسرية السورية التنموية، أكرم العفيف، في حديثه مع "العين السورية"، أن المشكلة الجوهرية خلال عهد النظام البائد تمثلت في أن صانع القرار لم يكن يشبه السوريين، لأنه كان ينظر إلى الشوندر السكري باعتباره مجرد مادة سكر فقط.

ويضيف العفيف أن المسؤول كان يرى أن استيراد السكر بأقل بقليل من تكلفته المحلية يمثّل ربحاً، ووصف هذا التفكير بالجهل؛ لأن الشوندر منظومة متكاملة تشمل أيدي عاملة، وآليات، وفلاحين يعتمدون عليها كمصدر رزق، بالإضافة إلى أن مخلفات المحصول كانت تُستخدم كأعلاف أساسية ومجانية لرعاة الأغنام طوال فصل الشتاء لاحتوائها على السكريات والبروتينات والألياف.
ويشير العفيف إلى أنه مع توقف المحصول، اضطر المربون للاعتماد على التبن والأعلاف المستوردة ذات التكاليف المرتفعة، مما أدى إلى تدمير قطاع الأغنام. ويؤكد أن سياسات التسعير الحكومية السابقة جعلت سعر كيلو الشوندر أقل من كيلو التبن، مما دفع المزارعين لتوجيهه حالياً كعلف مباشر للأبقار والأغنام بدلاً من التصنيع. وينوه بأن هذا المحصول الطويل الذي يستغرق نحو عشرة أشهر لم يعد منافساً، ولا يوجد أمل لعودته دون جدوى اقتصادية واضحة، خاصة وأن القطاع الزراعي السوري بات يعاني من غياب سياسات تسعيرية واضحة وتكاليف إنتاج باهظة، مما يجعله عرضة لخسائر حادة بناءً على تقلبات العرض والطلب، كما حدث مع محاصيلاً أخرى كالفول والبازلاء والدخان.
بالعمو يرى العفيف، أن الاعتماد على المستوردات بناءً على فروق سعرية بسيطة هو خيار غير مدروس، وكان الأجدى بدلاً من ذلك دعم المنتج المحلي وخفض تكاليفه للحفاظ على استمراريته، مع إشارته إلى أن القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني يحتاج اليوم إلى دخول "غرفة إنعاش" تنموية واقتصادية لوضع استراتيجية واضحة تنهض بالإنتاج الوطني.
نافذة جديدة للتكرير
في مقابل تعثر القطاع العام، بدأت ملامح مرحلة جديدة مع الانطلاقة الرسمية لمعمل المدينة الغذائية لتكرير السكر الخام في مدينة حسياء الصناعية. هذا المشروع، الذي يعتمد على تقنيات ألمانية متطورة، يعد الأكبر من نوعه في البلاد بطاقة إنتاجية تصل إلى 3 آلاف طن يومياً، أي ما يقارب مليون طن سنوياً. ويسعى المعمل، الذي يوفر مئات فرص العمل، إلى سد فجوة الطلب المحلي وتوفير القطع الأجنبي، بعدما أثبتت تجاربه التشغيلية نجاح استخلاص منتج مطابق للمواصفات العالمية.


