سوريا - اقتصاد
لماذا يحتاج المواطن السوري إلى أكثر من حساب لتحريك أمواله؟
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦، ١٢:٣٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

إذا كان الهاتف المحمول هو بوابة المواطن السوري إلى عالم المدفوعات الرقمية، فإن المبدل الوطني للمدفوعات هو الطريق الذي ستسلكه أمواله.
فإطلاق المحافظ الإلكترونية والتطبيقات المصرفية وخدمات الدفع لا يكفي إذا بقي كل نظام منفصلاً عن الآخر، وأصبح المستخدم مضطراً إلى فتح أكثر من حساب أو استخدام أكثر من محفظة لتحويل أمواله أو دفع ثمن سلعة وخدمة.
وفي سورية، توجد بالفعل مكونات أساسية للمبدل الوطني وأنظمة التسوية والمقاصة والتشغيل البيني، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في مدى اكتمال الربط بين المصارف والمحافظ الإلكترونية وشركات وبوابات الدفع ضمن شبكة واحدة.
فنجاح التحول إلى المدفوعات الرقمية لن يقاس بعدد التطبيقات التي تدخل السوق، وإنما بقدرة المواطن على إرسال أمواله واستقبالها والدفع بها، أياً كان المصرف أو مزود خدمة الدفع الذي يستخدمه الطرف الآخر.
لماذا يحتاج المستخدم إلى أكثر من حساب؟
تكشف التجربة اليومية عن فجوة بين وجود الخدمات الرقمية وبين تكاملها.
ففي جولة لـلعين السورية على عدد من المتعاملين مع الخدمات المصرفية والدفع الإلكتروني، ظهرت مشكلة أساسية تتمثل في عدم اكتمال الترابط بين المصارف وشركات الدفع والمحافظ الإلكترونية.
ويشير متعاملون إلى أنهم يضطرون، في بعض الحالات، إلى فتح حسابات في أكثر من مصرف للتعامل مع جهات مختلفة، أو استخدام أكثر من محفظة بحسب الجهة التي يريدون الدفع لها أو استلام الأموال منها.
وتزداد المشكلة وضوحاً عند محاولة التحويل بين جهتين لا تعملان ضمن منظومة تشغيل بيني كاملة، ما قد يفرض استخدام وسيط أو خدمة إضافية، ويزيد الوقت والكلفة.
وبالنسبة للمواطن، تبدو المسألة بسيطة: لماذا لا أستطيع تحويل أموالي من حسابي أو محفظتي إلى أي شخص، أياً كان المصرف أو المحفظة التي يستخدمها؟
وهنا تظهر أهمية التشغيل البيني، باعتباره الحلقة التي تربط مختلف أجزاء منظومة المدفوعات وتسمح للأموال بالحركة بينها
ما هو المبدل الوطني؟ ولماذا يهم المواطن؟
المبدل الوطني ليس تطبيقاً جديداً يحتاج المواطن إلى تنزيله، ولا محفظة إلكترونية تنافس المحافظ الخاصة. ببساطة، هو البنية التي تسمح لمختلف أنظمة الدفع بالتواصل والتعامل مع بعضها بعضاً وفق قواعد ومعايير تقنية وتشغيلية موحدة.
فإذا كان لدى المواطن حساب في مصرف، ولدى التاجر حساب في مصرف آخر، أو محفظة إلكترونية مختلفة، فإن الهدف من التشغيل البيني هو أن يتمكن الطرفان من إجراء العملية المالية دون الحاجة إلى إنشاء علاقة مصرفية جديدة فقط بسبب اختلاف مزود الخدمة.
وبالنسبة للمستخدم، يعني ذلك عملياً: تقليل الحاجة إلى فتح حسابات متعددة، تقليل عدد المحافظ والتطبيقات التي يحتاج إليها، تسهيل التحويل بين المصارف ومزودي خدمات الدفع، خفض الوقت والكلفة المرتبطة بالتحويلات، إتاحة دفع قيمة السلع والخدمات بصورة أكثر سهولة، زيادة المنافسة بين شركات الدفع على جودة الخدمة بدلاً من احتجاز العميل داخل منظومة مغلقة.
وهنا يصبح المبدل الوطني بنية تحتية للاقتصاد الرقمي بأكمله، وليس مجرد مشروع تقني داخل القطاع المصرفي.
المبدل الوطني موجود.. لكن الربط الكامل هو التحدي
يؤكد خبير أنظمة المعلومات وائل شربا أن المبدل الوطني موجود بالفعل، ويتكون من ثلاث منظومات رئيسية مترابطة، نظام التسويات الإجمالية الفورية (SYGS)، ونظام المقاصة الإلكترونية (ECC)، والمنظومة الوطنية للتشغيل البيني.
وتشكل هذه المكونات الأساس التقني لربط القطاع المصرفي وتنفيذ التحويلات والمدفوعات الإلكترونية بين الجهات المالية.
ويقول شربا إن وجود هذه المنظومات هو ما أتاح أساساً الربط بين المصارف وإجراء التحويلات بين الحسابات المصرفية ودفع الفواتير إلكترونياً، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود البنية التحتية وحدها، وإنما في ضمان الربط الفعلي بين جميع المشاركين في منظومة المدفوعات.
ويضيف أن المطلوب هو أن تتمكن المحافظ الإلكترونية وبوابات الدفع من التعامل مع الحسابات المصرفية المختلفة، بحيث يستطيع المستخدم الانتقال بأمواله من محفظة إلى حساب مصرفي، أو من حساب في مصرف إلى حساب في مصرف آخر، بغض النظر عن الجهة التي تقدم الخدمة.
وبذلك، تصبح قابلية التشغيل البيني هي المعيار الحقيقي لمدى اكتمال منظومة المدفوعات الرقمية في سورية.
خطر "الجزر الرقمية" في السوق السورية
يحذر خبير التحول الإلكتروني الدكتور عمار دلول من أن التوسع في إطلاق التطبيقات والمحافظ قبل اكتمال قواعد الربط والتشغيل البيني قد يؤدي إلى ظهور عشرات المنصات التي تعمل كـجزر مالية منفصلة.
ويشرح دلول أن لكل منصة في هذه الحالة حساباتها ووكلاءها وقواعد بياناتها، بينما لا يستطيع مستخدم منصة معينة التحويل مباشرة إلى مستخدم منصة أخرى.
ويقول: الترخيص ينظم السوق… أما المبدل الوطني فيبني السوق، مشيراً إلى أن المطلوب ليس الحد من دخول شركات التكنولوجيا المالية، وإنما تأمين البنية المشتركة التي تسمح لهذه الشركات بالمنافسة والابتكار ضمن نظام وطني مترابط.
ويرى أن المبدل الوطني يجب أن يكون أولوية موازية، وربما سابقة، للتوسع الكبير في منح التراخيص وإطلاق الخدمات.
ماذا يحدث إذا سبقت التطبيقات البنية التحتية؟
المشكلة لا تتوقف عند صعوبة التحويل بين المستخدمين، فبحسب دلول، فإن ترك كل شركة لتطوير منظومتها بصورة مستقلة قد يؤدي إلى مجموعة من المخاطر، بينها احتجاز العميل داخل كل محفظة، وتكرار البنى التقنية، وارتفاع التكاليف، وتعدد معايير الأمن السيبراني، وصعوبة مراقبة التدفقات المالية، وضعف القدرة على مكافحة الاحتيال وغسل الأموال، وتضارب إجراءات التحقق من الهوية.
كما يمكن أن يؤدي تعدد الأنظمة غير المترابطة إلى صعوبة تسوية النزاعات، وتعطل جزء من المدفوعات عند توقف منصة معينة، إضافة إلى تجزئة البيانات المالية وتعدد أماكن استضافتها.
ويتفق شربا مع هذا التحذير، موضحاً أن السماح لمقدمي الخدمات بالنمو بصورة مستقلة ثم محاولة ربطهم لاحقاً قد ينقل المشكلة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتطلب عمليات ترحيل وربط مكلفة وعالية المخاطر.
ويؤكد أن الأولوية ليست إنشاء تطبيق حكومي واحد، وإنما بناء قواعد وبنية مشتركة تعمل فوقها المصارف والمحافظ وشركات الدفع ضمن شبكة وطنية واحدة.
كيف يمكن أن تعمل منظومة المدفوعات الرقمية؟
يقترح دلول أن تقوم المنظومة الوطنية على مجموعة متكاملة من المكونات، تشمل منصة للمدفوعات الفورية، ونظاماً للمقاصة والتسوية، وبوابة دفع حكومية موحدة، وهوية مالية رقمية، وإجراءات موحدة للتعرف الإلكتروني على العميل، ومركزاً وطنياً لمراقبة الاحتيال.
كما تشمل المنظومة المقترحة واجهة وطنية موحدة تعتمد رقم الهاتف أو رمز QR، إلى جانب معايير وطنية للأمن السيبراني وحوكمة البيانات، وواجهات مصرفية مفتوحة تسمح بالتكامل بين مختلف الخدمات.
ويرى شربا أن النموذج الأمثل هو إنشاء منصة مركزية ترتبط بها المصارف وشركات الدفع، بحيث يتصل كل مشارك بالشبكة الوطنية مرة واحدة، بدلاً من بناء عشرات الوصلات الثنائية بين كل مصرف ومحفظة وشركة دفع
وهذا النموذج، في حال تطبيقه بصورة صحيحة، يجعل إضافة مشارك جديد إلى الشبكة أسهل وأقل كلفة، ويقلل التعقيد التقني الناجم عن إنشاء روابط منفصلة بين جميع الأطراف.
ما الدور المرتقب لمصرف سورية المركزي؟
مع توسع سوق المدفوعات الرقمية في سورية، تبرز أهمية دور مصرف سورية المركزي في مواكبة هذا التطور من خلال تنظيم السوق، واستكمال الأطر الناظمة للتشغيل البيني، وتعزيز الربط بين مختلف مكونات منظومة الدفع، بما يضمن سهولة التحويل وأمان المعاملات وحماية المستخدم.
ويرى شربا أن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار التنسيق بين المصرف المركزي والمصارف وشركات الدفع ومقدمي الخدمات الرقمية، لوضع قواعد ومعايير موحدة تساعد على تحقيق مزيد من التكامل بين مختلف الأنظمة.
كما يشير إلى أهمية وضوح الأدوار بين الجهة المنظمة، ومشغل البنية التحتية الوطنية، والشركات المقدمة لخدمات الدفع، بما يتيح لكل طرف القيام بدوره، ويهيئ بيئة مناسبة للمنافسة والابتكار.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يتركز دور المصرف المركزي على وضع الأطر والمعايير التي تعزز قابلية التشغيل البيني، وأمن المعاملات، وتكافؤ الفرص، فيما تتنافس الشركات على تطوير التطبيقات، وتحسين تجربة المستخدم، وتقديم خدمات أكثر سرعة وكفاءة.
والنتيجة المستهدفة، وفق هذا التصور، هي منظومة دفع أكثر تكاملاً، يستطيع المواطن من خلالها استخدام خدماته المالية بسهولة أكبر، دون أن تحدد الجهة التي يتعامل معها قدرته على التحويل أو الدفع.
المنافسة على جودة الخدمة.. لا على احتجاز العميل
يمكن للمبدل الوطني أن يغير طبيعة المنافسة في سوق الدفع الإلكتروني السوري.
فبدلاً من أن تكون قوة الشركة مرتبطة بقدرتها على إبقاء أموال العميل داخل منظومتها، تصبح المنافسة قائمة على جودة التطبيق، وسهولة الاستخدام، والرسوم، والسرعة، والأمان، والابتكار.
وعندها يمكن أن تتعدد المحافظ والتطبيقات، لكن الأموال نفسها تبقى قادرة على الحركة بينها ضمن شبكة وطنية واحدة.
ويؤكد شربا أن المؤشر الحقيقي للنجاح ليس عدد التطبيقات التي تدخل السوق، وإنما قدرة المواطن على الدفع أو التحويل لأي شخص أو تاجر، بغض النظر عن مزود الخدمة الذي يستخدمه الطرف الآخر.
من "كثرة المحافظ" إلى "منظومة واحدة"
اعتماد نظام الدفع والتحول الإلكتروني في سورية يمثل خطوة مهمة في تنظيم القطاع وفتح المجال أمام مزيد من الخدمات الرقمية، لكن التحدي الأكبر يبدأ بعد الترخيص.
فالسوق لا تحتاج فقط إلى شركات جديدة ومحافظ جديدة، وإنما إلى بنية مشتركة تجعل هذه الخدمات قابلة للتواصل فيما بينها.
والتجربة التي رصدتها "العين السورية" من واقع المستخدمين تكشف جوهر المشكلة: عندما يحتاج المواطن إلى أكثر من حساب أو محفظة لمجرد التعامل مع جهات مالية مختلفة، فإن التحول الرقمي لم يصل بعد إلى مرحلته الأكثر أهمية.
المطلوب في النهاية ليس أن يمتلك السوري عشرات التطبيقات، وإنما أن يمتلك حرية استخدام أمواله عبر شبكة دفع وطنية مترابطة.
فالمستقبل المالي الرقمي لا يُقاس بعدد المحافظ التي تطلقها الشركات، بل بقدرة هذه المحافظ والمصارف وشركات الدفع على التحدث بلغة تقنية واحدة، وتحريك الأموال بأمان وسرعة، وحماية بيانات المواطنين، وتعزيز المنافسة دون تجزئة السوق.
وبعبارة أخرى، قد يكون المبدل الوطني موجوداً بالفعل، لكن نجاح المدفوعات الرقمية في سورية سيتحدد بمدى اكتمال الربط الذي يجعله شبكة وطنية فعلية، لا مجرد بنية قائمة تعمل أجزاء منها بصورة منفصلة.
مع توسع سوق المدفوعات الرقمية في سورية، تبرز أهمية دور مصرف سورية المركزي في مواكبة هذا التطور من خلال تنظيم السوق، واستكمال الأطر الناظمة للتشغيل البيني، وتعزيز الربط بين مختلف مكونات منظومة الدفع، بما يضمن سهولة التحويل وأمان المعاملات وحماية المستخدم.
ويرى شربا أن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار التنسيق بين المصرف المركزي والمصارف وشركات الدفع ومقدمي الخدمات الرقمية، لوضع قواعد ومعايير موحدة تساعد على تحقيق مزيد من التكامل بين مختلف الأنظمة.
كما يشير إلى أهمية وضوح الأدوار بين الجهة المنظمة، ومشغل البنية التحتية الوطنية، والشركات المقدمة لخدمات الدفع، بما يتيح لكل طرف القيام بدوره، ويهيئ بيئة مناسبة للمنافسة والابتكار.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يتركز دور المصرف المركزي على وضع الأطر والمعايير التي تعزز قابلية التشغيل البيني، وأمن المعاملات، وتكافؤ الفرص، فيما تتنافس الشركات على تطوير التطبيقات، وتحسين تجربة المستخدم، وتقديم خدمات أكثر سرعة وكفاءة.
والنتيجة المستهدفة، وفق هذا التصور، هي منظومة دفع أكثر تكاملاً، يستطيع المواطن من خلالها استخدام خدماته المالية بسهولة أكبر، دون أن تحدد الجهة التي يتعامل معها قدرته على التحويل أو الدفع.
المنافسة على جودة الخدمة.. لا على احتجاز العميل
يمكن للمبدل الوطني أن يغير طبيعة المنافسة في سوق الدفع الإلكتروني السوري.
فبدلاً من أن تكون قوة الشركة مرتبطة بقدرتها على إبقاء أموال العميل داخل منظومتها، تصبح المنافسة قائمة على جودة التطبيق، وسهولة الاستخدام، والرسوم، والسرعة، والأمان، والابتكار.
وعندها يمكن أن تتعدد المحافظ والتطبيقات، لكن الأموال نفسها تبقى قادرة على الحركة بينها ضمن شبكة وطنية واحدة.
ويؤكد شربا أن المؤشر الحقيقي للنجاح ليس عدد التطبيقات التي تدخل السوق، وإنما قدرة المواطن على الدفع أو التحويل لأي شخص أو تاجر، بغض النظر عن مزود الخدمة الذي يستخدمه الطرف الآخر.
من "كثرة المحافظ" إلى "منظومة واحدة"
اعتماد نظام الدفع والتحول الإلكتروني في سورية يمثل خطوة مهمة في تنظيم القطاع وفتح المجال أمام مزيد من الخدمات الرقمية، لكن التحدي الأكبر يبدأ بعد الترخيص.
فالسوق لا تحتاج فقط إلى شركات جديدة ومحافظ جديدة، وإنما إلى بنية مشتركة تجعل هذه الخدمات قابلة للتواصل فيما بينها.
والتجربة التي رصدتها "العين السورية" من واقع المستخدمين تكشف جوهر المشكلة: عندما يحتاج المواطن إلى أكثر من حساب أو محفظة لمجرد التعامل مع جهات مالية مختلفة، فإن التحول الرقمي لم يصل بعد إلى مرحلته الأكثر أهمية.
المطلوب في النهاية ليس أن يمتلك السوري عشرات التطبيقات، وإنما أن يمتلك حرية استخدام أمواله عبر شبكة دفع وطنية مترابطة.
فالمستقبل المالي الرقمي لا يُقاس بعدد المحافظ التي تطلقها الشركات، بل بقدرة هذه المحافظ والمصارف وشركات الدفع على التحدث بلغة تقنية واحدة، وتحريك الأموال بأمان وسرعة، وحماية بيانات المواطنين، وتعزيز المنافسة دون تجزئة السوق.
وبعبارة أخرى، قد يكون المبدل الوطني موجوداً بالفعل، لكن نجاح المدفوعات الرقمية في سورية سيتحدد بمدى اكتمال الربط الذي يجعله شبكة وطنية فعلية، لا مجرد بنية قائمة تعمل أجزاء منها بصورة منفصلة.

