سوريا - اقتصاد
بانتظار التمويل.. شريان اقتصادي سوري "ينبض" ببطء
ن
نورا حربا
نشر في: ٩ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٤٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

إن كانت القطارات السورية رمزاً للتواصل والحداثة والانفتاح، وأداةً لتحقيق التكامل بين الريف والمدينة، وبين الداخل والخارج، وتعمل على أقدم شبكة في المنطقة، فهي اليوم الأسوأ بفعل سنوات الحرب الطويلة التي حملت معها دماراً واسعاً لهذا القطاع، إذ تقطّعت آلاف الكيلومترات من الخطوط، وتضرّرت المحطات والجسور والأنفاق، وتوقفت حركة القطارات في معظم البلاد.
اليوم، ومع تغير الظروف وبدء مرحلة جديدة، يعود ملف السكك الحديدية إلى الواجهة كأولوية وطنية واستراتيجية، ليس فقط لإعادة إعمار ما تهدم، بل لبناء شبكة عصرية تفتح أمام سوريا أبواب المستقبل.
تعاون قد يُثمر
تجتهد الحكومة السورية على خط إعادة إحياء قطاع النقل السككي، كشريان حيوي رديف لأي اقتصاد.
ويؤكد الدكتور يعرب بدر وزير النقل، أنه يتم العمل على تطوير قطاع السكك الحديدية بالتعاون مع البنك الدولي، في إطار جهود إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل، وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي التي تستهدف وصل تركيا وأوروبا بالأردن والسعودية ودول الخليج العربي عبر الأراضي السورية.
وأشار إلى أن "نحو ألف كيلومتر فقط من إجمالي شبكة السكك الحديدية في سوريا البالغ طولها 2800 كيلومتر ما تزال صالحة للعمل"، في حين تحتاج بقية الشبكة إلى أعمال تأهيل لتعود إلى الخدمة.
ربط سككي دولي
وكشف بدر عن وجود تعاون قائم مع البنك الدولي لدعم قطاع السكك الحديدية، مشيراً إلى اجتماعات مرتقبة خلال الفترة المقبلة لبحث أولويات المشاريع التي يمكن تنفيذها ضمن برامج الدعم المخصصة لتطوير البنية التحتية للخطوط الحديدية السورية.
يُلفت وزير النقل إلى وجود تواصل بين وزارتي النقل في سوريا والمملكة العربية السعودية، لبحث آفاق التعاون في مشاريع الربط السككي الإقليمي، مشيراً إلى أن التصور المطروح يقوم على ربط تركيا وأوروبا عبر سوريا وصولاً إلى الأردن، ثم السعودية ودول الخليج.
وأضاف، أن أي مبادرات مشتركة بهذا الخصوص بين السعودية وتركيا، أو السعودية والأردن، أو السعودية وسوريا، من شأنها دعم هذا المشروع الإقليمي، الذي يهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي وتسهيل حركة البضائع والمسافرين بين الدول المشاركة.
معاودة انتعاش
على الرغم من المشهد غير المطمئن بشكله وتفاصيله الراهنة، يتحدث مدير عام المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية، المهندس أسامة حداد بشيء من التفاؤل، مشيراً في حديثه لـ"العين السورية"، إلى تحقيق تقدم ملحوظ خلال الربع الأول من عام 2026 في مجال نقل الشحن والبضائع والمواد الاستراتيجية، وتعزيز كفاءة التشغيل، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه قطاع النقل السككي.
ويلفت المهندس حداد، إلى أن المؤسسة تقوم بنقل مادة الفيول بالقطارات وفق طلبات النقل الواردة من مصفاتي حمص وبانياس، إلى كل من محطة الزارة الحرارية في محافظة حماة، ومحطة الرضوانية الحرارية في حلب.
وعلى مستوى النقل والتشغيل في المجال السلعي، بلغت الكميات المنقولة خلال الربع الأول، حسب المهندس حداد، 25.626 طناً، في حين لم يتم نقل أي كميات خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مما يعزز دور المؤسسة في دعم الأمن الغذائي، وفق تعبيره.
تخفيض تكاليف النقل
يحظى قطاع النقل السككي بميزات جاذبة مُرجّحة لكفة الجدوى على مستوى التشغيل الاقتصادي، وهذا مايُشير إليه مدير عام المؤسسة، كعامل السرعة والأمان والقدرة على نقل كميات كبيرة من البضائع بتكاليف أقل مقارنة بوسائل النقل الأخرى، إذ تصل حمولة القطار الواحد إلى 700 طن. ومع تسيير نحو 10 قطارات يومياً، يصل إجمالي الكميات المنقولة إلى 7000 طن يومياً، وهو ما يعادل نحو 200 شاحنة، مما يسهم في تقليل الازدحام والضغط على الطرق العامة.
وفر مباشر
وفي حسابات رقمية، فقد ساهم النقل السككي بتخفيض تكاليف نقل البضائع بنسبة تتراوح بين 20 و30% مقارنة بالنقل البري، وتزداد هذه النسبة مع زيادة المسافة، ما ينعكس إيجاباً على تكاليف الإنتاج وأسعار السلع.
فالنقل السككي يحقق وفراً كبيراً في استهلاك المحروقات، إذ تستهلك الشاحنات من 3 إلى 5 أضعاف ما يستهلكه القطار لنقل الكمية نفسها وللمسافة ذاتها. كما يسهم في تخفيف الضغط على الشبكة الطرقية والحد من الازدحام، مما يقلل تكاليف صيانة الطرق والشاحنات، ويوفر في كلفة القطع التبديلية.
حاجز التمويل
لكن كل هذه الميزات الجاذبة، تصطدم بسلسلة من التحديات التي تواجه قطاع السكك الحديدية في سوريا. وهنا يؤكد حداد أن التحديات تتمثل في: الحاجة إلى تمويل لإعادة تأهيل الشبكات المتضررة في العديد من المحافظات، خاصة لربطها مع الشبكات المجاورة في تركيا والعراق، ونقص عدد القاطرات والقطع التبديلية، وعدم توفر مواد الخط ومعدات الصيانة، وضعف جاهزية الآليات.
محاولات استدراك بطيء
تواصل المؤسسة، بحسب حداد، تنفيذ أعمال الصيانة الدورية والطارئة على كامل شبكة الخطوط الحديدية المستثمرة، والتي تبلغ 1052 كم، بالإمكانيات المحلية المتاحة، رغم نقص اليد العاملة وعدم توفر المواد والتجهيزات اللازمة، حيث يتم تنفيذ الكثير من الأعمال يدوياً نتيجة تعطل آليات الصيانة التخصصية وعدم توفر قطع التبديل.
ويؤكد حداد وجود خطط لإعادة تأهيل مسار نقل الفوسفات من مناجم الشرقية والفجوة، مروراً بمحطة مهين، إلى حمص ومرفأ طرطوس، وإعادة تأهيل الخطوط المتضررة للربط مع الشبكة التركية عبر محوري (المسلمية – ميدان أكبس) و(المسلمية – الراعي)، وخط (حلب – اللاذقية).
كما تشمل الخطط الكشف على المحور الشرقي من مسار الخط الحديدي لتحديد أعمال إعادة التأهيل للخط الحديدي والمحطات المتضررة بين (حلب – الرقة – دير الزور – القامشلي)، وربطه بمحوري اليعربية ونصيبين، والخط الحديدي الذي يربط (دير الزور – البوكمال)، إضافة إلى توريد قاطرات وصهاريج وشاحنات سككية جديدة، وتأمين قطع التبديل.
اهتمام إقليمي
تتزايد المؤشرات على اهتمام إقليمي بإعادة إحياء وربط شبكات السكك الحديدية في المنطقة، مع طرح تصورات لربط الخطوط الحديدية السورية مع الأردن وتركيا مستقبلاً. وتُسهم هذه الخطوة في إعادة سوريا إلى دورها التاريخي كممر استراتيجي يربط آسيا بأوروبا، وتحويلها إلى حلقة وصل محورية في حركة التجارة والنقل الإقليمي. لكن ذلك يتطلب شرطي التمويل والزمن، والثاني مرتبط بالأول ارتباطاً عضوياً. وربما يبقى التعويل على الشركاء لتمويل كملفة إحياء مسارات النقل السككي، لأن المسألة إستراتيجية إقليمية ترتبط بإنعاش واستثمار ميزات الجغرافيا السورية كموقع إستراتيجي حاكم.


