سوريا - اقتصاد
حين يصبح القرض أصغر من المشروع.. أزمة التمويل الأصغر في سوريا
قاعدة عملاء تتوسع، لكن تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المشاريع يحدّان من قدرة القروض الصغيرة على تمويل الإنتاج وخلق فرص العمل
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦، ١١:٠٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في الوقت الذي يُفترض فيه أن يلعب التمويل الأصغر دوراً محورياً في إعادة تشغيل الاقتصاد السوري ودعم الفئات الأكثر احتياجاً، تكشف الأرقام عن مفارقة صارخة. فقد وصل أحد مصارف التمويل الأصغر إلى أكثر من 60 ألف عميل، وتجاوزت محفظته التمويلية مليار ليرة سورية جديدة، ما يبدو للوهلة الأولى دليلاً على اتساع القطاع وقدرته على الوصول.
لكن هذه الأرقام نفسها تخفي حقيقة مختلفة تماماً: قاعدة العملاء موجودة والحاجة إلى التمويل كبيرة، بينما تظل قيمة القروض محدودة إلى درجة تجعلها عاجزة في كثير من الحالات عن تمويل مشروع إنتاجي حقيقي أو حتى توسيع مشروع قائم.
فجوة القيمة
الفجوة هنا لا تتعلق فقط بحجم المصارف أو عدد الفروع، بل بقيمة المال نفسه. فمتوسط التمويل الشخصي في مصرف الوطنية للتمويل الأصغر يبلغ نحو 100 ألف ليرة جديدة، والإنتاجي نحو 200 ألف، فيما يقدَّر متوسط التمويل المتاح في القطاع بأكمله بنحو 300 ألف ليرة، والسقف الأعلى لدى بعض المصارف لا يزال يدور حول 500 ألف ليرة جديدة، وفقاً للرئيس التنفيذي للمصرف منير هارون.
ومع استمرار ارتفاع كلفة الإنتاج والتشغيل والمحروقات، يبرز السؤال الجوهري الذي يواجه القطاع بأكمله: هل ما زالت القروض الصغيرة قادرة على أداء وظيفتها الأصلية — تمويل مشاريع تولّد دخلاً مستداماً وفرص عمل — أم أن التمويل الأصغر بدأ ينزلق تدريجياً نحو سد الاحتياجات الشخصية والمعيشية المؤقتة؟
الطلب موجود.. لكن وجهته تتغير
يعمل في سوريا حالياً أربعة مصارف للتمويل الأصغر، وهي مؤسسات أنشأها الإطار القانوني لهذا القطاع بهدف توسيع الوصول إلى الخدمات المالية للفئات منخفضة الدخل وأصحاب المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر. وينص قانون تأسيسها على أن من أهدافها خلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ووفقاً لبيانات مصرف سورية المركزي المحدثة حتى 30 حزيران 2026، تنتشر هذه المصارف عبر شبكة تضم 27 فرعاً و28 مكتباً، وتتركز الكثافة الأعلى في محافظات طرطوس (14 نقطة خدمة)، واللاذقية وريف دمشق (9 نقاط لكل منهما)، بينما تبقى محافظات إدلب والحسكة والرقة ودير الزور ودرعا والقنيطرة خالية تماماً من أي فروع أو مكاتب حتى تاريخه، ما يعكس فجوة جغرافية واضحة في تغطية المناطق الشرقية والشمالية.
يبلغ إجمالي رؤوس الأموال المصرح بها والمدفوعة لمصارف التمويل الأصغر الأربعة العاملة في سوريا نحو 840.86 مليون ليرة سورية، ويتصدر مصرف الوطنية للتمويل الأصغر القطاع برأس مال يبلغ 330 مليون ليرة سورية، يليه مصرف بيمو السعودي الفرنسي للتمويل الأصغر برأس مال قدره 300 مليون ليرة، بينما يبلغ رأس مال مصرف الأول للتمويل الأصغر – سورية نحو 120 مليون ليرة، ومصرف الإبداع للتمويل الأصغر – سورية نحو 90.86 مليون ليرة.
وبذلك يستحوذ مصرفا الوطنية وبيمو مجتمعين على نحو 75% من إجمالي رؤوس أموال مصارف التمويل الأصغر الأربعة، ما يعكس تركّزاً واضحاً لرأس المال في أكبر مصرفين ضمن القطاع.
الواقع الاقتصادي يضغط في اتجاه مختلف.
يقول هارون في تصريح لــ"لعين السورية" إن الظروف الاقتصادية والمعيشية التي مرت بها سوريا منذ "التحرير"، إلى جانب تقلبات سعر الصرف وارتفاع أسعار الفائدة والمنافسة والضغوط التي تواجهها المشاريع الناشئة، دفعت كثيراً من العملاء إلى تأجيل الاقتراض بانتظار اتضاح الصورة الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، تغيرت طبيعة الطلب. فقد ارتفع الطلب على القروض الشخصية منذ بداية العام الجاري مقارنة بالتمويل الإنتاجي، بحسب هارون، في إشارة إلى أن جزءاً من الطلب المصرفي بات مرتبطاً بالحاجات المعيشية أكثر من تأسيس نشاط اقتصادي جديد.
وهذه النقطة مهمة لأن التمويل الأصغر لا يُقاس فقط بعدد المقترضين، بل بما تفعله الأموال بعد خروجها من المصرف: هل تتحول إلى آلة، أو ورشة، أو محصول، أو متجر، أم تُستخدم لسد فجوة دخل مؤقتة؟
المشكلة في حجم القرض قبل عدد المقترضين
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي في حديثه مع "العين السورية" أن حجم مصارف التمويل الأصغر لا يزال صغيراً جداً قياساً بحجم الحاجة في الاقتصاد السوري، وأن تمويل المشاريع الإنتاجية ما زال محدوداً.
ويقدّر الزعبي حاجة سوريا إلى نحو ملياري دولار لتمويل المشاريع الصغيرة، ما يعني أن الفجوة بين الموارد المتاحة والحاجة المقدرة لا تزال واسعة.
وهنا تتضح مشكلة أخرى: التضخم لا يقلص عدد الليرات المتاحة فقط، بل يقلص قدرتها على تمويل النشاط الاقتصادي.
فالقرض الذي كان قادراً على شراء معدات أو تمويل مخزون قبل فترة قد لا يشتري اليوم سوى جزء من الاحتياجات نفسها. وبحسب الزعبي، يؤدي ذلك إلى تآكل القوة الشرائية للقروض المقومة بالليرة، بما يضغط في الوقت نفسه على المقترض والمصرف.
من الزراعة والحرف إلى الصناعات الصغيرة
لا يعني صغر قيمة التمويل أن الحاجة إليه صغيرة. على العكس، يركز مصرف الوطنية للتمويل الأصغر على قطاعات الزراعة والحرف والمهن والخدمات والصناعة الصغيرة والتجارة، لكن هارون يرى أن سقوف التمويل الحالية لا تسمح بخدمة الصناعات الصغيرة بالشكل المطلوب.
فمتوسط التمويل المتاح، وفق تقديره، يدور حول 300 ألف ليرة جديدة، بينما تحتاج ورشة إنتاجية أو مشروع صناعي صغير إلى رأسمال أكبر بكثير لشراء المعدات والمواد الأولية وتمويل رأس المال العامل.
وتكمن المفارقة هنا في أن القطاعات التي يمكن أن تولد قيمة مضافة وفرص عمل وتخفض الحاجة إلى الاستيراد تحتاج إلى تمويل أكبر، بينما قدرة مصارف التمويل الأصغر مصممة أساساً لتلبية احتياجات أصغر حجماً.
ولهذا يدعو هارون إلى رفع رؤوس أموال مصارف التمويل الأصغر بما يسمح لها بزيادة سقوف التمويل، فيما يرى الزعبي أن زيادة رأس المال وحدها لا تعالج المشكلة، وأن السيولة ومصادر التمويل والبيئة التشريعية أكثر إلحاحاً.
أزمة تمويل أم أزمة تصميم؟
الخلاف بين التقييمين يكشف أن المشكلة ليست في عنصر واحد.
من وجهة نظر هارون، تحتاج المصارف إلى تمويل متاح، وتعديل بعض التشريعات، وآليات تقييم ائتماني أسرع وأوضح، ورؤوس أموال أقوى، إضافة إلى حلول تقنية تخفض كلفة التشغيل وتسرع تقديم الخدمات وتحويل الأموال.
أما الزعبي فيركز على مشكلة مختلفة: كيفية حماية قيمة التمويل في اقتصاد يتعرض للتضخم. ويقترح إعادة تصميم منتجات القروض بحيث تتكيف مع التضخم، ضمن ضوابط تنظيمية، وتنويع مصادر التمويل بعيداً عن الاعتماد على الودائع أو التمويل الميسر فقط.
ويشير أيضاً إلى أن الضمانات التقليدية لا تحل المشكلة بسهولة؛ فالكثير من أصحاب المشاريع الصغيرة لا يمتلكون أصولاً عقارية كافية، فيما تؤدي تقلبات القيمة إلى إضعاف وظيفة الضمان نفسه.
وهذا يفسر جزئياً لماذا تعتمد مصارف التمويل الأصغر على أدوات لا تستخدمها المصارف التقليدية بالقدر نفسه، مثل الكفلاء الشخصيين ورهن الذهب أو الأراضي الزراعية، إلى جانب الزيارات الميدانية والمتابعة المباشرة للمشاريع.
التعثر يتراجع.. لكن المخاطر لم تختفِ
شهدت محفظة مصرف الوطنية ارتفاعاً في التعثر خلال الفترة الأولى بعد "التحرير"، بحسب هارون، لكنه يقول إن النسبة بدأت بالانخفاض مع تحسن التعاون بين المقترضين والمصارف.
غير أن انخفاض التعثر لا يلغي المشكلة الأساسية. فكلما ارتفع التضخم وتغيرت تكاليف التشغيل، أصبح تقييم قدرة المشروع على السداد أكثر تعقيداً.
المشروع الذي يبدو قادراً على سداد قرض بقيمة محددة عند بداية التمويل قد يواجه بعد أشهر تكلفة أعلى للمواد الأولية والطاقة والنقل، فيما تبقى إيراداته غير قادرة بالضرورة على الارتفاع بالوتيرة نفسها.
وهنا تصبح جودة الائتمان مرتبطة ليس فقط بالمقترض، بل بقدرة المصرف على فهم دورة المشروع والتغير في الأسعار والتدفقات النقدية.
الانتشار الجغرافي يفتح السوق.. والتكنولوجيا تخفض الكلفة
يسعى قطاع التمويل الأصغر إلى توسيع خدماته لتصل إلى العملاء خارج المدن الرئيسية، ولا سيما أصحاب المشاريع الصغيرة في المناطق الزراعية والحرفية. وتبرز أهمية هذا التوسع في ظل صعوبة وصول هذه الفئات إلى المصارف التقليدية، التي قد تتطلب ضمانات وإجراءات لا تتناسب مع طبيعة مشاريعهم، إلى جانب ارتفاع تكلفة تقديم الخدمات المصرفية في المناطق الأقل كثافة سكانية.
كما أن الرقمنة قد تخفض جزءاً من تكاليف التشغيل. وقد أشار الرئيس التنفيذي للمصرف الأول للتمويل الأصغر في تصريحات منشورة خلال 2026 إلى أن ربط سوريا بشبكات الدفع الدولية يمكن أن يساعد في خفض التكاليف التشغيلية وجذب استثمارات جديدة إلى القطاع.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تحل مشكلة حجم القرض أو التضخم أو مصادر التمويل.
من قروض صغيرة إلى محرك للإنتاج؟
القضية في النهاية ليست ما إذا كانت سوريا تحتاج إلى التمويل الأصغر؛ الحاجة واضحة. السؤال هو ما إذا كان القطاع الحالي يمتلك الأدوات والحجم والتمويل الذي يسمح له بتحويل هذه الحاجة إلى استثمار وإنتاج.
إذا بقيت سقوف القروض منخفضة مقارنة بتكاليف تأسيس وتشغيل المشاريع، فقد يظل التمويل الأصغر قادراً على مساعدة الأسر والأعمال متناهية الصغر، لكنه سيواجه صعوبة أكبر في تمويل التوسع الصناعي والزراعي والمشاريع القادرة على خلق وظائف.
أما إذا توسعت مصادر التمويل، وجرى تطوير أدوات التسعير وإدارة المخاطر، وارتفعت قدرة المصارف على تمويل رأس المال العامل والمعدات، فقد يتغير الدور الاقتصادي للقطاع تدريجياً.
ويبقى المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة ليس عدد العملاء وحده، بل حجم التمويل الإنتاجي، ونسبة القروض المتجهة إلى الزراعة والصناعة والحرف، وقيمة القرض المتوسط، وقدرة المصارف على الحفاظ على جودة محافظها في بيئة تضخمية.
عندها فقط يمكن قياس ما إذا كان التمويل الأصغر يتحول من أداة لتلبية الحاجة إلى أداة لإعادة تشغيل الاقتصاد.
الفجوة هنا لا تتعلق فقط بحجم المصارف أو عدد الفروع، بل بقيمة المال نفسه. فمتوسط التمويل الشخصي في مصرف الوطنية للتمويل الأصغر يبلغ نحو 100 ألف ليرة جديدة، والإنتاجي نحو 200 ألف، فيما يقدَّر متوسط التمويل المتاح في القطاع بأكمله بنحو 300 ألف ليرة، والسقف الأعلى لدى بعض المصارف لا يزال يدور حول 500 ألف ليرة جديدة، وفقاً للرئيس التنفيذي للمصرف منير هارون.
ومع استمرار ارتفاع كلفة الإنتاج والتشغيل والمحروقات، يبرز السؤال الجوهري الذي يواجه القطاع بأكمله: هل ما زالت القروض الصغيرة قادرة على أداء وظيفتها الأصلية — تمويل مشاريع تولّد دخلاً مستداماً وفرص عمل — أم أن التمويل الأصغر بدأ ينزلق تدريجياً نحو سد الاحتياجات الشخصية والمعيشية المؤقتة؟
الطلب موجود.. لكن وجهته تتغير
يعمل في سوريا حالياً أربعة مصارف للتمويل الأصغر، وهي مؤسسات أنشأها الإطار القانوني لهذا القطاع بهدف توسيع الوصول إلى الخدمات المالية للفئات منخفضة الدخل وأصحاب المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر. وينص قانون تأسيسها على أن من أهدافها خلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ووفقاً لبيانات مصرف سورية المركزي المحدثة حتى 30 حزيران 2026، تنتشر هذه المصارف عبر شبكة تضم 27 فرعاً و28 مكتباً، وتتركز الكثافة الأعلى في محافظات طرطوس (14 نقطة خدمة)، واللاذقية وريف دمشق (9 نقاط لكل منهما)، بينما تبقى محافظات إدلب والحسكة والرقة ودير الزور ودرعا والقنيطرة خالية تماماً من أي فروع أو مكاتب حتى تاريخه، ما يعكس فجوة جغرافية واضحة في تغطية المناطق الشرقية والشمالية.
يبلغ إجمالي رؤوس الأموال المصرح بها والمدفوعة لمصارف التمويل الأصغر الأربعة العاملة في سوريا نحو 840.86 مليون ليرة سورية، ويتصدر مصرف الوطنية للتمويل الأصغر القطاع برأس مال يبلغ 330 مليون ليرة سورية، يليه مصرف بيمو السعودي الفرنسي للتمويل الأصغر برأس مال قدره 300 مليون ليرة، بينما يبلغ رأس مال مصرف الأول للتمويل الأصغر – سورية نحو 120 مليون ليرة، ومصرف الإبداع للتمويل الأصغر – سورية نحو 90.86 مليون ليرة.
وبذلك يستحوذ مصرفا الوطنية وبيمو مجتمعين على نحو 75% من إجمالي رؤوس أموال مصارف التمويل الأصغر الأربعة، ما يعكس تركّزاً واضحاً لرأس المال في أكبر مصرفين ضمن القطاع.
الواقع الاقتصادي يضغط في اتجاه مختلف.
يقول هارون في تصريح لــ"لعين السورية" إن الظروف الاقتصادية والمعيشية التي مرت بها سوريا منذ "التحرير"، إلى جانب تقلبات سعر الصرف وارتفاع أسعار الفائدة والمنافسة والضغوط التي تواجهها المشاريع الناشئة، دفعت كثيراً من العملاء إلى تأجيل الاقتراض بانتظار اتضاح الصورة الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، تغيرت طبيعة الطلب. فقد ارتفع الطلب على القروض الشخصية منذ بداية العام الجاري مقارنة بالتمويل الإنتاجي، بحسب هارون، في إشارة إلى أن جزءاً من الطلب المصرفي بات مرتبطاً بالحاجات المعيشية أكثر من تأسيس نشاط اقتصادي جديد.
وهذه النقطة مهمة لأن التمويل الأصغر لا يُقاس فقط بعدد المقترضين، بل بما تفعله الأموال بعد خروجها من المصرف: هل تتحول إلى آلة، أو ورشة، أو محصول، أو متجر، أم تُستخدم لسد فجوة دخل مؤقتة؟
المشكلة في حجم القرض قبل عدد المقترضين
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي في حديثه مع "العين السورية" أن حجم مصارف التمويل الأصغر لا يزال صغيراً جداً قياساً بحجم الحاجة في الاقتصاد السوري، وأن تمويل المشاريع الإنتاجية ما زال محدوداً.
ويقدّر الزعبي حاجة سوريا إلى نحو ملياري دولار لتمويل المشاريع الصغيرة، ما يعني أن الفجوة بين الموارد المتاحة والحاجة المقدرة لا تزال واسعة.
وهنا تتضح مشكلة أخرى: التضخم لا يقلص عدد الليرات المتاحة فقط، بل يقلص قدرتها على تمويل النشاط الاقتصادي.
فالقرض الذي كان قادراً على شراء معدات أو تمويل مخزون قبل فترة قد لا يشتري اليوم سوى جزء من الاحتياجات نفسها. وبحسب الزعبي، يؤدي ذلك إلى تآكل القوة الشرائية للقروض المقومة بالليرة، بما يضغط في الوقت نفسه على المقترض والمصرف.
من الزراعة والحرف إلى الصناعات الصغيرة
لا يعني صغر قيمة التمويل أن الحاجة إليه صغيرة. على العكس، يركز مصرف الوطنية للتمويل الأصغر على قطاعات الزراعة والحرف والمهن والخدمات والصناعة الصغيرة والتجارة، لكن هارون يرى أن سقوف التمويل الحالية لا تسمح بخدمة الصناعات الصغيرة بالشكل المطلوب.
فمتوسط التمويل المتاح، وفق تقديره، يدور حول 300 ألف ليرة جديدة، بينما تحتاج ورشة إنتاجية أو مشروع صناعي صغير إلى رأسمال أكبر بكثير لشراء المعدات والمواد الأولية وتمويل رأس المال العامل.
وتكمن المفارقة هنا في أن القطاعات التي يمكن أن تولد قيمة مضافة وفرص عمل وتخفض الحاجة إلى الاستيراد تحتاج إلى تمويل أكبر، بينما قدرة مصارف التمويل الأصغر مصممة أساساً لتلبية احتياجات أصغر حجماً.
ولهذا يدعو هارون إلى رفع رؤوس أموال مصارف التمويل الأصغر بما يسمح لها بزيادة سقوف التمويل، فيما يرى الزعبي أن زيادة رأس المال وحدها لا تعالج المشكلة، وأن السيولة ومصادر التمويل والبيئة التشريعية أكثر إلحاحاً.
أزمة تمويل أم أزمة تصميم؟
الخلاف بين التقييمين يكشف أن المشكلة ليست في عنصر واحد.
من وجهة نظر هارون، تحتاج المصارف إلى تمويل متاح، وتعديل بعض التشريعات، وآليات تقييم ائتماني أسرع وأوضح، ورؤوس أموال أقوى، إضافة إلى حلول تقنية تخفض كلفة التشغيل وتسرع تقديم الخدمات وتحويل الأموال.
أما الزعبي فيركز على مشكلة مختلفة: كيفية حماية قيمة التمويل في اقتصاد يتعرض للتضخم. ويقترح إعادة تصميم منتجات القروض بحيث تتكيف مع التضخم، ضمن ضوابط تنظيمية، وتنويع مصادر التمويل بعيداً عن الاعتماد على الودائع أو التمويل الميسر فقط.
ويشير أيضاً إلى أن الضمانات التقليدية لا تحل المشكلة بسهولة؛ فالكثير من أصحاب المشاريع الصغيرة لا يمتلكون أصولاً عقارية كافية، فيما تؤدي تقلبات القيمة إلى إضعاف وظيفة الضمان نفسه.
وهذا يفسر جزئياً لماذا تعتمد مصارف التمويل الأصغر على أدوات لا تستخدمها المصارف التقليدية بالقدر نفسه، مثل الكفلاء الشخصيين ورهن الذهب أو الأراضي الزراعية، إلى جانب الزيارات الميدانية والمتابعة المباشرة للمشاريع.
التعثر يتراجع.. لكن المخاطر لم تختفِ
شهدت محفظة مصرف الوطنية ارتفاعاً في التعثر خلال الفترة الأولى بعد "التحرير"، بحسب هارون، لكنه يقول إن النسبة بدأت بالانخفاض مع تحسن التعاون بين المقترضين والمصارف.
غير أن انخفاض التعثر لا يلغي المشكلة الأساسية. فكلما ارتفع التضخم وتغيرت تكاليف التشغيل، أصبح تقييم قدرة المشروع على السداد أكثر تعقيداً.
المشروع الذي يبدو قادراً على سداد قرض بقيمة محددة عند بداية التمويل قد يواجه بعد أشهر تكلفة أعلى للمواد الأولية والطاقة والنقل، فيما تبقى إيراداته غير قادرة بالضرورة على الارتفاع بالوتيرة نفسها.
وهنا تصبح جودة الائتمان مرتبطة ليس فقط بالمقترض، بل بقدرة المصرف على فهم دورة المشروع والتغير في الأسعار والتدفقات النقدية.
الانتشار الجغرافي يفتح السوق.. والتكنولوجيا تخفض الكلفة
يسعى قطاع التمويل الأصغر إلى توسيع خدماته لتصل إلى العملاء خارج المدن الرئيسية، ولا سيما أصحاب المشاريع الصغيرة في المناطق الزراعية والحرفية. وتبرز أهمية هذا التوسع في ظل صعوبة وصول هذه الفئات إلى المصارف التقليدية، التي قد تتطلب ضمانات وإجراءات لا تتناسب مع طبيعة مشاريعهم، إلى جانب ارتفاع تكلفة تقديم الخدمات المصرفية في المناطق الأقل كثافة سكانية.
كما أن الرقمنة قد تخفض جزءاً من تكاليف التشغيل. وقد أشار الرئيس التنفيذي للمصرف الأول للتمويل الأصغر في تصريحات منشورة خلال 2026 إلى أن ربط سوريا بشبكات الدفع الدولية يمكن أن يساعد في خفض التكاليف التشغيلية وجذب استثمارات جديدة إلى القطاع.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تحل مشكلة حجم القرض أو التضخم أو مصادر التمويل.
من قروض صغيرة إلى محرك للإنتاج؟
القضية في النهاية ليست ما إذا كانت سوريا تحتاج إلى التمويل الأصغر؛ الحاجة واضحة. السؤال هو ما إذا كان القطاع الحالي يمتلك الأدوات والحجم والتمويل الذي يسمح له بتحويل هذه الحاجة إلى استثمار وإنتاج.
إذا بقيت سقوف القروض منخفضة مقارنة بتكاليف تأسيس وتشغيل المشاريع، فقد يظل التمويل الأصغر قادراً على مساعدة الأسر والأعمال متناهية الصغر، لكنه سيواجه صعوبة أكبر في تمويل التوسع الصناعي والزراعي والمشاريع القادرة على خلق وظائف.
أما إذا توسعت مصادر التمويل، وجرى تطوير أدوات التسعير وإدارة المخاطر، وارتفعت قدرة المصارف على تمويل رأس المال العامل والمعدات، فقد يتغير الدور الاقتصادي للقطاع تدريجياً.
ويبقى المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة ليس عدد العملاء وحده، بل حجم التمويل الإنتاجي، ونسبة القروض المتجهة إلى الزراعة والصناعة والحرف، وقيمة القرض المتوسط، وقدرة المصارف على الحفاظ على جودة محافظها في بيئة تضخمية.
عندها فقط يمكن قياس ما إذا كان التمويل الأصغر يتحول من أداة لتلبية الحاجة إلى أداة لإعادة تشغيل الاقتصاد.


