سوريا - اقتصاد
من إعادة الاتصال إلى الدفع.. البطاقات العالمية تختبر المصارف السورية
الإطلاق التجريبي للبطاقات العالمية يفتح أمام السوريين خدمات دفع خارجية ضمن سقوف محددة، بينما تواجه المصارف اختبار توسيع الخدمة وبناء الثقة.
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٥ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٠:٢٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تعد عودة المصارف السورية إلى التعامل مع منظومة الدفع العالمية تقتصر على استعادة قنوات التحويل والمراسلات المالية، بل بدأت تلامس الاستخدام اليومي للأفراد. فمع بدء الإطلاق التجريبي المنضبط للبطاقات المصرفية العالمية، تدخل السوق السورية مرحلة جديدة تسمح للمستخدمين بإجراء مدفوعات خارج البلاد ضمن سقوف وضوابط محددة، على أن تتوسع هذه الحدود تدريجياً مع استقرار التجربة وانضمام مصارف سورية جديدة.
ويكشف هذا التطور عن تحول يتجاوز إصدار بطاقة مصرفية؛ إذ يختبر قدرة القطاع المصرفي السوري على الانتقال من مرحلة إعادة الاتصال بالنظام المالي العالمي إلى مرحلة تقديم خدمات مصرفية دولية فعلية للأفراد والشركات.
من التجربة المحدودة إلى الاستخدام الواسع
المدير المشرف في مصرف سوريا المركزي، عمر الحلبي، أوضح أن الإطلاق يتم بصورة تجريبية ومنضبطة، بالتنسيق بين المصارف وشركات الدفع العالمية، مع وضع حدود محددة للمشتريات والاستخدامات خارج سوريا.
وبحسب الحلبي، فإن هذه الحدود ستتوسع مع استقرار المرحلة التجريبية ودخول مصارف سورية جديدة إلى الخدمة، وصولاً إلى جعل استخدام البطاقات أمراً عادياً ومتاحاً على نطاق أوسع.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي في تصريح لــ"العين السورية" أن هذه الخطوة تمثل بداية لإعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالمنظومة المالية الدولية بعد انقطاع طويل، خصوصاً مع دخول المصارف وشركات الدفع المرخصة في التعامل مع شبكات الدفع العالمية مثل فيزا وماستركارد.
لكن نجاح التجربة لن يقاس بعدد البطاقات المصدرة فقط، وإنما بقدرتها على التحول إلى خدمة مصرفية يستخدمها الأفراد والشركات بصورة منتظمة.
هل تستعيد المصارف جزءاً من أموال السوريين؟
أحد أهم الآثار المحتملة للبطاقات الدولية هو نقل جزء من التعاملات المالية من القنوات النقدية وغير الرسمية إلى القطاع المصرفي.
فالتحويلات والمدفوعات المرتبطة بالسفر والتعليم والعلاج والتجارة والخدمات الرقمية يمكن أن تجد طريقاً أكثر انتظاماً عبر الحسابات المصرفية، بدلاً من الاعتماد الكامل على النقد أو قنوات التحويل التقليدية.
لكن الزعبي يرى أن جذب هذه التعاملات إلى القنوات الرسمية لن يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى مجموعة من الشروط، أبرزها حماية أموال المستخدمين، وخفض تكاليف التحويل، ووضوح الرسوم وسعر الصرف، إلى جانب توسيع الخدمة لتشمل شرائح واسعة من السوريين، وليس فقط رجال الأعمال أو أصحاب الدخول المرتفعة.
وهنا تظهر مسألة الثقة باعتبارها عاملاً حاسماً؛ فكلما كانت الخدمة أكثر شفافية وأقل كلفة وأسهل استخداماً، زادت قدرتها على منافسة القنوات غير الرسمية.
تسهيل السفر والتعليم والعلاج.. ومخاطر خروج العملات
بالنسبة للمستخدم، تبدو الفائدة الأكثر مباشرة في القدرة على الدفع خارج سوريا من خلال البطاقة المصرفية، سواء أثناء السفر أو لتغطية تكاليف التعليم والعلاج أو شراء الخدمات الرقمية والسلع من الخارج.
لكن هذه الميزة تحمل جانباً آخر بالنسبة للاقتصاد المحلي. فزيادة المدفوعات الخارجية تعني، في حال اتساعها، خروج مزيد من العملات الأجنبية مقابل مشتريات أو خدمات خارج البلاد.
ويشير الزعبي إلى أن أثر البطاقات في تخفيف الطلب على النقد الأجنبي خارج القطاع المصرفي سيبقى محدوداً على المدى القصير، طالما ظلت السقوف والموارد المتاحة بالعملات الأجنبية محدودة.
فالـبطاقة، وفق هذه القراءة، لا تولد سيولة جديدة بالدولار أو اليورو، وإنما توفر وسيلة أكثر سهولة لتنفيذ المدفوعات ضمن الموارد المتاحة.
وهذا يعني أن نجاح الخدمة في تنظيم حركة الأموال لا يلغي التحدي الأساسي المرتبط بتوافر العملات الأجنبية ومصادرها.
البنية المصرفية هي الاختبار الأكبر
الانتقال من تجربة محدودة إلى منظومة دفع دولية واسعة لا يتوقف على الاتفاق مع شبكات الدفع العالمية وحده. فالقطاع المصرفي يحتاج إلى بنية تقنية قادرة على تنفيذ العمليات وحمايتها، وأنظمة ربط آمنة، ومعايير واضحة للأمن السيبراني ومكافحة غسل الأموال وإدارة المخاطر.
كما يتطلب الأمر إطاراً تنظيمياً واضحاً يحدد حقوق العملاء والتزامات المصارف ومقدمي خدمات الدفع، إلى جانب تطوير نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي وخدمات الدفع عبر الإنترنت.
ويضع الزعبي توسيع الشمول المالي وبناء الثقة في مقدمة متطلبات المرحلة المقبلة، مع ضرورة الشفافية في الرسوم وأسعار الصرف ومراجعة السقوف تدريجياً كلما توسعت القدرة التشغيلية وتوافرت الموارد اللازمة.
من بطاقة مصرفية إلى منظومة مالية جديدة
الاختبار الحقيقي للبطاقات المصرفية العالمية في سوريا لن يكون في قدرتها على إجراء عملية شراء خارج البلاد فحسب، بل في قدرتها على تغيير سلوك مالي أوسع: هل ستدفع السوريين إلى استخدام الحسابات المصرفية بصورة أكبر؟ وهل ستعيد جزءاً من التحويلات والمدفوعات إلى القنوات الرسمية؟ وهل تستطيع المصارف تحويل هذه الخطوة إلى مدخل لخدمات دولية أوسع؟
الإطلاق التجريبي يفتح الباب أمام هذه الأسئلة، لكنه لا يقدم إجاباتها بعد. فالبطاقات قد تكون أداة مهمة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمصرف، إلا أن أثرها الاقتصادي سيظل مرتبطاً بحجم الموارد الأجنبية، ومستوى الثقة، وكلفة الخدمة، وسرعة تطوير البنية المصرفية.
وبذلك، تبدو البطاقة العالمية أكثر من وسيلة دفع جديدة؛ إنها اختبار مبكر لقدرة المصارف السورية على تحويل إعادة الاتصال بالنظام المالي الدولي إلى خدمات فعلية تصل إلى حياة السوريين اليومية.


