سوريا - محليات
الطريق إلى العمل يلتهم 30% من دخل الموظف .. فأين تنتهي موجة الغلاء؟
ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا.. النقل أول المتأثرين ومخاوف من اتساع كلفة المعيشة
ن
نورا حربا
نشر في: ٤ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٤:٠٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
لم يتوقف أثر رفع أسعار المحروقات عند محطات الوقود، إذ بدأت انعكاساته تظهر في أجور النقل وتكاليف التشغيل والتوزيع، واضعة دخل الأسر أمام ضغوط إضافية، وسط تباين بين تحذيرات خبراء وممثلين عن حماية المستهلك من اتساع موجة الغلاء، ورؤية رسمية تراهن على المنافسة للحد من انتقال ارتفاع التكاليف إلى الأسواق.
ويبدو الأثر أكثر وضوحاً في النقل، بوصفه كلفة يومية يصعب الاستغناء عنها. ففي وقت يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور في القطاع العام نحو 12,560 ليرة سورية جديدة، ويدور متوسط الأجور، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المتاحة، بين 12 و15 ألف ليرة، بات التنقل يستحوذ على جزء ملحوظ من دخل بعض الموظفين.
النقل يقتطع من الدخل
بحسب شهادات مستخدمين لوسائل النقل العام، تتراوح أجرة الحافلات الصغيرة داخل دمشق بين 30 و65 ليرة سورية جديدة، إذ تبلغ أجرة خط الميدان–برزة نحو 55–65 ليرة، بينما تتراوح أجرة خط المزة جبل–الكراجات بين 45 و50 ليرة، وترتفع الكلفة على خطوط الضواحي.
وبالنسبة إلى موظف يقيم في ضواحي دمشق ويعمل داخل المدينة، قد تتراوح كلفة التنقل بالحافلات الصغيرة ذهاباً وإياباً بين 60 و120 ليرة يومياً، بما يعادل نحو 1,800 إلى 3,600 ليرة شهرياً عند احتساب 30 يوم عمل.
وبمقارنة هذه الكلفة بمتوسط أجر يتراوح بين 12 و15 ألف ليرة، يمكن أن يستحوذ النقل وحده على نحو 12 إلى 30 بالمئة من دخل الموظف، تبعاً لأجره الفعلي وكلفة الخط وعدد أيام التنقل.
ويصبح العبء أكبر بالنسبة إلى الأسر التي تضم أكثر من مستخدم لوسائل النقل، ولا سيما مع وجود طلاب أو أفراد يعملون في مناطق مختلفة، ما يحول التنقل إلى بند ثقيل في الموازنة الشهرية للأسرة.
كلفة الطريق تزاحم الاحتياجات الأساسية
يقول الدكتور يوسف العمر، الأستاذ في جامعة حلب، لـ«العين السورية»، إن ارتفاع حصة النقل من دخل الأسرة ينعكس مباشرة على قدرتها على الإنفاق على الاحتياجات الأساسية الأخرى.
ويشير إلى أن تجاوز تكاليف النقل 10 بالمئة من الدخل يمثل ضغطاً واضحاً على بنود مثل الغذاء والتعليم والصحة، معتبراً أن وصولها إلى ما بين 15 و30 بالمئة للفرد، وربما أكثر على مستوى الأسرة، يعكس عبئاً كبيراً على أصحاب الدخول المحدودة.
وبحسب العمر، لم يعد النقل بنداً استهلاكياً تستطيع الأسرة الاستغناء عنه أو تقليصه بسهولة، لارتباطه بالوصول إلى العمل والمدارس والجامعات والخدمات، وبالتالي فإن ارتفاع كلفته يقتطع مباشرة من الجزء المتبقي من الدخل المخصص لبقية الاحتياجات.
من خزان الوقود إلى كلفة السلعة
ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار المحروقات على التنقل اليومي. فالاقتصادي مهند الزنبركجي، المتخصص في التخطيط الاقتصادي وتأسيس الشركات القابضة، يرى أن ارتفاع سعر المازوت يمتد عبر مختلف حلقات الإنتاج والنقل والتوزيع.
ويوضح الزنبركجي أن المازوت يدخل مباشرة في كلفة السلعة عند استخدامه لتشغيل المولدات والأفران وخطوط الإنتاج والآليات، كما يؤثر بصورة غير مباشرة عبر كلفة نقل المواد الأولية والمنتجات النهائية، ما يجعل ارتفاع سعره قابلاً للانتقال إلى هيكل التكلفة في مراحل متعددة.
ويكون الأثر أكبر، وفق الزنبركجي، في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، مثل الإسمنت والحديد وبعض الصناعات الغذائية والنسيجية والآجر، إذ يجد المنتج نفسه أمام ثلاثة خيارات: رفع سعر المنتج لتعويض زيادة تكاليف الطاقة، مع ما يحمله ذلك من احتمال تراجع القدرة التنافسية، أو امتصاص الزيادة من هامش الربح، أو تخفيض الإنتاج وساعات التشغيل.
الدعم الموجه بدلاً من الدعم الشامل
وفي مواجهة هذه التداعيات، يرى الزنبركجي أن المعالجة لا ينبغي أن تقوم على دعم سعري شامل للمحروقات، بل على توجيه الدعم نحو القطاعات والفئات الأكثر حاجة، بالتوازي مع سياسات ترفع كفاءة استخدام الطاقة وتشجع المصادر البديلة وتحسن خدمات النقل واللوجستيات.
ويعتبر أن تعدد الشرائح السعرية للمازوت قد يكون أكثر كفاءة من اعتماد سعر موحد لجميع الاستخدامات، بحيث يختلف السعر وفق طبيعة النشاط وحجم الحاجة، سواء في الصناعة أو الزراعة أو التدفئة وغيرها.
لكن نجاح هذا النموذج، بحسب الزنبركجي، يرتبط بقدرة الدولة على تأمين الكميات ومنع تسرب المادة المدعومة إلى السوق غير النظامية، إذ لا تتعلق المشكلة بالسعر وحده، وإنما بالعلاقة بين السعر ومدى توافر المادة.
ويرى أن الرقمنة يمكن أن تشكل جزءاً أساسياً من الحل، شريطة ألا تقتصر على تحديد المستحقين، بل تمتد إلى تتبع حركة المازوت منذ خروجه من المصفاة أو المستودع وحتى وصوله إلى محطة الوقود والمستهلك النهائي، وربط المخصصات بطبيعة النشاط وحجم الإنتاج والحاجة الفعلية.
ويضيف أن وضوح معايير الاستحقاق وإعلانها وقابليتها للتدقيق عوامل ضرورية للحد من التلاعب، إلى جانب مراجعة المخصصات دورياً وفق مؤشرات تشمل حجم الإنتاج وعدد الآليات والمساحة الزراعية وساعات التشغيل والحاجة الفعلية للطاقة.
ويخلص الزنبركجي إلى أن ملف المحروقات لا يمكن فصله عن السياسات الصناعية والزراعية، لأن معالجة سعر الوقود وحده لن تكون كافية إذا بقيت تكاليف الكهرباء والنقل والمواد الأولية والتمويل مرتفعة.
ويرى أن المطلوب هو التعامل مع المحروقات بوصفها جزءاً من منظومة الإنتاج، عبر زيادة الإنتاج والتكرير المحلي، وتحسين كفاءة الطاقة، وتنويع مصادر الاستيراد، وزيادة التخزين، والتوسع في الطاقة المتجددة، بالتوازي مع توجيه الدعم إلى الفئات والقطاعات الأكثر حساسية.
الأجور أمام اختبار كلفة التنقل
في المقابل، يرى الدكتور يوسف العمر أن ارتفاع أجور النقل جاء في سياق زيادة أسعار الطاقة وتكاليف التشغيل، من دون وجود آلية تعويض مباشرة للفئات الأكثر تأثراً بكلفة التنقل.
ويحذر من أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل قد يقلص الأثر الفعلي لأي زيادة اسمية في الأجور، بعدما أصبح جزء متزايد من الدخل يذهب إلى تأمين الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات بدلاً من بقية الاحتياجات.
ويطرح العمر إمكانية اعتماد دعم موجه للفئات الأكثر تأثراً، ولا سيما الطلاب وأصحاب الدخول المنخفضة، معتبراً أن تخفيف كلفة النقل عن هذه الشرائح يمكن أن يحد من انتقال العبء إلى بقية بنود الإنفاق الأسري.
الجهات المعنية تراهن على المنافسة
في المقابل، تبدو رؤية الجهات المعنية أكثر تحفظاً تجاه احتمالات انتقال أثر رفع أسعار المحروقات إلى مختلف السلع.
فبحسب تصريح المكتب الإعلامي «للأمانة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك» فإن تحرير الاقتصاد وفتح المجال أمام المنافسة يمنحان المستهلك خيارات متعددة، وأن المنافسة بين التجار يمكن أن تشكل عاملاً للحد من ارتفاع الأسعار.
كما تؤكد الجهات المعنية أن أسعار الخبز لن تتأثر بقرار رفع أسعار المحروقات.
لكن قطاع النقل يبقى من القطاعات التي ظهر فيها أثر ارتفاع تكاليف الوقود بصورة مباشرة، سواء عبر أجور التنقل أو تكاليف التشغيل والتوزيع.
مطالب بتعرفة نقل واضحة
من جانبه، يقول أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة لـ«العين السورية» إن ارتفاع أسعار المحروقات انعكس على تكاليف النقل والتوزيع، معتبراً أن الأسواق تشهد ارتفاعات واسعة في الأسعار في ظل غياب آليات واضحة لضبطها.
ويطالب حبزة المحافظات باعتماد تعرفة معلنة وموحدة لأجور النقل العام، بما يحد من تفاوت الأسعار ويمنع ترك تحديد الأجور لعوامل العرض والطلب أو التقديرات الفردية.
ويشير إلى أن قرار رفع أسعار المحروقات لم يترافق، وفق رؤيته، مع زيادة موازية في الرواتب والأجور، ما يفاقم العبء على أصحاب الدخول المحدودة.
ويحذر من أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل والأسعار من دون تدخل تنظيمي واضح قد يقود إلى مزيد من الاضطراب في الأسواق، داعياً إلى حزمة إجراءات تبدأ بتحديد تعرفة النقل وإعلانها للمواطنين، وصولاً إلى آليات تدخل تستهدف ذوي الدخل المحدود وتساعدهم على الحصول على السلع والمواد الأساسية بأسعار أقل.
وبين رهان الجهات المعنية على المنافسة لضبط حركة الأسعار، وتحذيرات الخبراء من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى الإنتاج والتوزيع، تظهر كلفة التنقل بوصفها الأثر الأسرع والأكثر مباشرة على دخل الأسرة؛ فقبل أن تصل تداعيات المحروقات إلى رفوف المتاجر، يدفع كثير من السوريين جزءاً منها يومياً في الطريق إلى العمل والمدرسة والجامعة.
لم يتوقف أثر رفع أسعار المحروقات عند محطات الوقود، إذ بدأت انعكاساته تظهر في أجور النقل وتكاليف التشغيل والتوزيع، واضعة دخل الأسر أمام ضغوط إضافية، وسط تباين بين تحذيرات خبراء وممثلين عن حماية المستهلك من اتساع موجة الغلاء، ورؤية رسمية تراهن على المنافسة للحد من انتقال ارتفاع التكاليف إلى الأسواق.
ويبدو الأثر أكثر وضوحاً في النقل، بوصفه كلفة يومية يصعب الاستغناء عنها. ففي وقت يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور في القطاع العام نحو 12,560 ليرة سورية جديدة، ويدور متوسط الأجور، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المتاحة، بين 12 و15 ألف ليرة، بات التنقل يستحوذ على جزء ملحوظ من دخل بعض الموظفين.
النقل يقتطع من الدخل
بحسب شهادات مستخدمين لوسائل النقل العام، تتراوح أجرة الحافلات الصغيرة داخل دمشق بين 30 و65 ليرة سورية جديدة، إذ تبلغ أجرة خط الميدان–برزة نحو 55–65 ليرة، بينما تتراوح أجرة خط المزة جبل–الكراجات بين 45 و50 ليرة، وترتفع الكلفة على خطوط الضواحي.
وبالنسبة إلى موظف يقيم في ضواحي دمشق ويعمل داخل المدينة، قد تتراوح كلفة التنقل بالحافلات الصغيرة ذهاباً وإياباً بين 60 و120 ليرة يومياً، بما يعادل نحو 1,800 إلى 3,600 ليرة شهرياً عند احتساب 30 يوم عمل.
وبمقارنة هذه الكلفة بمتوسط أجر يتراوح بين 12 و15 ألف ليرة، يمكن أن يستحوذ النقل وحده على نحو 12 إلى 30 بالمئة من دخل الموظف، تبعاً لأجره الفعلي وكلفة الخط وعدد أيام التنقل.
ويصبح العبء أكبر بالنسبة إلى الأسر التي تضم أكثر من مستخدم لوسائل النقل، ولا سيما مع وجود طلاب أو أفراد يعملون في مناطق مختلفة، ما يحول التنقل إلى بند ثقيل في الموازنة الشهرية للأسرة.
كلفة الطريق تزاحم الاحتياجات الأساسية
يقول الدكتور يوسف العمر، الأستاذ في جامعة حلب، لـ«العين السورية»، إن ارتفاع حصة النقل من دخل الأسرة ينعكس مباشرة على قدرتها على الإنفاق على الاحتياجات الأساسية الأخرى.
ويشير إلى أن تجاوز تكاليف النقل 10 بالمئة من الدخل يمثل ضغطاً واضحاً على بنود مثل الغذاء والتعليم والصحة، معتبراً أن وصولها إلى ما بين 15 و30 بالمئة للفرد، وربما أكثر على مستوى الأسرة، يعكس عبئاً كبيراً على أصحاب الدخول المحدودة.
وبحسب العمر، لم يعد النقل بنداً استهلاكياً تستطيع الأسرة الاستغناء عنه أو تقليصه بسهولة، لارتباطه بالوصول إلى العمل والمدارس والجامعات والخدمات، وبالتالي فإن ارتفاع كلفته يقتطع مباشرة من الجزء المتبقي من الدخل المخصص لبقية الاحتياجات.
من خزان الوقود إلى كلفة السلعة
ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار المحروقات على التنقل اليومي. فالاقتصادي مهند الزنبركجي، المتخصص في التخطيط الاقتصادي وتأسيس الشركات القابضة، يرى أن ارتفاع سعر المازوت يمتد عبر مختلف حلقات الإنتاج والنقل والتوزيع.
ويوضح الزنبركجي أن المازوت يدخل مباشرة في كلفة السلعة عند استخدامه لتشغيل المولدات والأفران وخطوط الإنتاج والآليات، كما يؤثر بصورة غير مباشرة عبر كلفة نقل المواد الأولية والمنتجات النهائية، ما يجعل ارتفاع سعره قابلاً للانتقال إلى هيكل التكلفة في مراحل متعددة.
ويكون الأثر أكبر، وفق الزنبركجي، في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، مثل الإسمنت والحديد وبعض الصناعات الغذائية والنسيجية والآجر، إذ يجد المنتج نفسه أمام ثلاثة خيارات: رفع سعر المنتج لتعويض زيادة تكاليف الطاقة، مع ما يحمله ذلك من احتمال تراجع القدرة التنافسية، أو امتصاص الزيادة من هامش الربح، أو تخفيض الإنتاج وساعات التشغيل.
الدعم الموجه بدلاً من الدعم الشامل
وفي مواجهة هذه التداعيات، يرى الزنبركجي أن المعالجة لا ينبغي أن تقوم على دعم سعري شامل للمحروقات، بل على توجيه الدعم نحو القطاعات والفئات الأكثر حاجة، بالتوازي مع سياسات ترفع كفاءة استخدام الطاقة وتشجع المصادر البديلة وتحسن خدمات النقل واللوجستيات.
ويعتبر أن تعدد الشرائح السعرية للمازوت قد يكون أكثر كفاءة من اعتماد سعر موحد لجميع الاستخدامات، بحيث يختلف السعر وفق طبيعة النشاط وحجم الحاجة، سواء في الصناعة أو الزراعة أو التدفئة وغيرها.
لكن نجاح هذا النموذج، بحسب الزنبركجي، يرتبط بقدرة الدولة على تأمين الكميات ومنع تسرب المادة المدعومة إلى السوق غير النظامية، إذ لا تتعلق المشكلة بالسعر وحده، وإنما بالعلاقة بين السعر ومدى توافر المادة.
ويرى أن الرقمنة يمكن أن تشكل جزءاً أساسياً من الحل، شريطة ألا تقتصر على تحديد المستحقين، بل تمتد إلى تتبع حركة المازوت منذ خروجه من المصفاة أو المستودع وحتى وصوله إلى محطة الوقود والمستهلك النهائي، وربط المخصصات بطبيعة النشاط وحجم الإنتاج والحاجة الفعلية.
ويضيف أن وضوح معايير الاستحقاق وإعلانها وقابليتها للتدقيق عوامل ضرورية للحد من التلاعب، إلى جانب مراجعة المخصصات دورياً وفق مؤشرات تشمل حجم الإنتاج وعدد الآليات والمساحة الزراعية وساعات التشغيل والحاجة الفعلية للطاقة.
ويخلص الزنبركجي إلى أن ملف المحروقات لا يمكن فصله عن السياسات الصناعية والزراعية، لأن معالجة سعر الوقود وحده لن تكون كافية إذا بقيت تكاليف الكهرباء والنقل والمواد الأولية والتمويل مرتفعة.
ويرى أن المطلوب هو التعامل مع المحروقات بوصفها جزءاً من منظومة الإنتاج، عبر زيادة الإنتاج والتكرير المحلي، وتحسين كفاءة الطاقة، وتنويع مصادر الاستيراد، وزيادة التخزين، والتوسع في الطاقة المتجددة، بالتوازي مع توجيه الدعم إلى الفئات والقطاعات الأكثر حساسية.
الأجور أمام اختبار كلفة التنقل
في المقابل، يرى الدكتور يوسف العمر أن ارتفاع أجور النقل جاء في سياق زيادة أسعار الطاقة وتكاليف التشغيل، من دون وجود آلية تعويض مباشرة للفئات الأكثر تأثراً بكلفة التنقل.
ويحذر من أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل قد يقلص الأثر الفعلي لأي زيادة اسمية في الأجور، بعدما أصبح جزء متزايد من الدخل يذهب إلى تأمين الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات بدلاً من بقية الاحتياجات.
ويطرح العمر إمكانية اعتماد دعم موجه للفئات الأكثر تأثراً، ولا سيما الطلاب وأصحاب الدخول المنخفضة، معتبراً أن تخفيف كلفة النقل عن هذه الشرائح يمكن أن يحد من انتقال العبء إلى بقية بنود الإنفاق الأسري.
الجهات المعنية تراهن على المنافسة
في المقابل، تبدو رؤية الجهات المعنية أكثر تحفظاً تجاه احتمالات انتقال أثر رفع أسعار المحروقات إلى مختلف السلع.
فبحسب تصريح المكتب الإعلامي «للأمانة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك» فإن تحرير الاقتصاد وفتح المجال أمام المنافسة يمنحان المستهلك خيارات متعددة، وأن المنافسة بين التجار يمكن أن تشكل عاملاً للحد من ارتفاع الأسعار.
كما تؤكد الجهات المعنية أن أسعار الخبز لن تتأثر بقرار رفع أسعار المحروقات.
لكن قطاع النقل يبقى من القطاعات التي ظهر فيها أثر ارتفاع تكاليف الوقود بصورة مباشرة، سواء عبر أجور التنقل أو تكاليف التشغيل والتوزيع.
مطالب بتعرفة نقل واضحة
من جانبه، يقول أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة لـ«العين السورية» إن ارتفاع أسعار المحروقات انعكس على تكاليف النقل والتوزيع، معتبراً أن الأسواق تشهد ارتفاعات واسعة في الأسعار في ظل غياب آليات واضحة لضبطها.
ويطالب حبزة المحافظات باعتماد تعرفة معلنة وموحدة لأجور النقل العام، بما يحد من تفاوت الأسعار ويمنع ترك تحديد الأجور لعوامل العرض والطلب أو التقديرات الفردية.
ويشير إلى أن قرار رفع أسعار المحروقات لم يترافق، وفق رؤيته، مع زيادة موازية في الرواتب والأجور، ما يفاقم العبء على أصحاب الدخول المحدودة.
ويحذر من أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل والأسعار من دون تدخل تنظيمي واضح قد يقود إلى مزيد من الاضطراب في الأسواق، داعياً إلى حزمة إجراءات تبدأ بتحديد تعرفة النقل وإعلانها للمواطنين، وصولاً إلى آليات تدخل تستهدف ذوي الدخل المحدود وتساعدهم على الحصول على السلع والمواد الأساسية بأسعار أقل.
وبين رهان الجهات المعنية على المنافسة لضبط حركة الأسعار، وتحذيرات الخبراء من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى الإنتاج والتوزيع، تظهر كلفة التنقل بوصفها الأثر الأسرع والأكثر مباشرة على دخل الأسرة؛ فقبل أن تصل تداعيات المحروقات إلى رفوف المتاجر، يدفع كثير من السوريين جزءاً منها يومياً في الطريق إلى العمل والمدرسة والجامعة.


