سوريا - مجتمع
ألمانيا تعيد رسم خريطة اللجوء السوري.. سحب حماية بلا ترحيل
مراجعة آلاف ملفات الحماية في ألمانيا ترفع حالات السحب، لكن الترحيل القسري إلى سوريا لا يزال محدوداً، وسط تساؤلات حول مصير من يفقدون صفة الحماية وشروط العودة الآمنة والكريمة.
ا
العين السورية - هبة الكل
نشر في: ٣ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:٤٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

منذ سقوط نظام الأسد، يقف أكثر من 900 ألف سوري في ألمانيا أمام مرحلة جديدة من التعقيدات القانونية والسياسية، مع توسع مراجعة أوضاع حاملي صفة اللاجئ أو الحماية الفرعية، في وقت تؤكد فيه برلين أن عودة السوريين إلى بلادهم لا تزال محدودة بسبب دمار البنية التحتية.
تكشف البيانات الرسمية عن فجوة واضحة بين مراجعة وسحب الحماية وبين الترحيل الفعلي، إذ رحلت ألمانيا 4 سوريين قسراً، بينما غادر أكثر من 4 آلاف سوري طوعاً خلال النصف الأول من 2026.
في المقابل، سحبت السلطات الألمانية الحماية من نحو 1900 سوري خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، بعد مراجعة أكثر من 8 آلاف ملف، وارتفعت نسبة الملفات التي انتهت بسحب الحماية إلى نحو 23%، مقارنة بنحو 4% في عام 2025، ورغم ذلك، لا تعكس هذه الأرقام حقيقة وجود خطة لترحيل جماعي للسوريين، لكنها تكشف عن تغيير واضح في آلية التعامل مع ملفات الحماية، وتطرح سؤالاً حول مصير من تُسحب منهم الحماية لاحقاً.
بيانات رقمية
في التاسع من ديسمبر 2024، علّق المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين BAMF جميع القرارات المتعلقة بطلبات اللجوء السورية، مبرراً ذلك بتقلب الأوضاع بعد الإطاحة بنظام الأسد، وقد استمر التعليق نحو تسعة أشهر، قبل أن يستأنف المكتب البت تدريجياً في الطلبات في سبتمبر 2025، مبتدئاً بفئات محددة: الرجال الشباب غير المصنفين كعرضة للخطر، والطلبات التي مضى عليها أكثر من 21 شهراً، والحالات التي ألزمت فيها محاكم إدارية المكتب باتخاذ قرار بشأنها.
أما في حزيران 2026، فبدأ المكتب توسيع نطاق مراجعات سحب الحماية لتشمل فئات تتجاوز مرتكبي الجرائم والأشخاص المصنفين خطراً أمنياً، لتشمل من يُفترض أن بإمكانهم تأمين معيشتهم في سوريا، أو من تضمن لهم شبكة أسرية رعاية كافية.
وبحسب بيانات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين والسجل المركزي للأجانب، بلغ عدد السوريين المقيمين في ألمانيا نحو 916 ألفاً في نهاية حزيران 2026، بانخفاض عن نحو 936 ألفاً في نهاية عام 2025، وخلال النصف الأول من عام 2026، أصدرت السلطات الألمانية 8,306 قرارات في مراجعة الحماية، انتهى 1,937 منها بسحب فعلي، أي بنسبة 23.3%، مقارنة بـ 3.7% في عام 2025 و3.1% في 2024، وشملت عمليات السحب 902 حالة إلغاء حماية فرعية، و766 حالة سحب لصفة لاجئ، و265 حالة رفع حظر ترحيل.
وبحسب البيانات الألمانية، غادر قرابة 4,426 سورياً ألمانيا طوعاً خلال الفترة نفسها، بينهم نحو 2,700 شخص استفادوا من برامج دعم العودة، أما الترحيل القسري إلى سوريا فلا يزال محدوداً للغاية، إذ لم يتجاوز 4 حالات منذ سقوط النظام.
نفي ترحيل
رفض المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين 24,112 طلب لجوء سوري في الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بنسبة حماية إجمالية بلغت 21.9%، مقارنة بـ 2.1% فقط في 2025، إلا أن القسم الأكبر منها جاء في صورة حظر ترحيل، وليس منح صفة لاجئ، بينما لا يزال 33,702 إجراء معلقاً.
وحول قضية الترحيل، نفت مديرة إدارة شؤون المغتربين واللاجئين في وزارة الخارجية السورية، نهلة عثمان، الأنباء التي تحدثت عن نية ألمانيا ترحيل 700 ألف لاجئ سوري، ووصفتها بأنها لا أساس لها من الصحة ولا تعكس واقع الإجراءات التي تطبقها السلطات الألمانية، وذلك عقب اجتماع مع وزارة الداخلية الألمانية تناول، وفق تصريحاتها، إمكانية تغيير أنواع الإقامات لبعض الأشخاص، ومراجعة ملفات من صدرت بحقهم قرارات رفض.
وللحصول على رد رسمي، تواصلت العين السورية مع وزارة الخارجية السورية بشأن المباحثات مع الجانب الألماني حول مصير الحماية الممنوحة للسوريين، وما هي أبرز التسهيلات والإجراءات المقدمة للسوريين لضمان عودة طوعية وكريمة، إلا أنه حتى لحظة إعداد المادة، لم نتلق أي ردّ.
آلية لسحب الحماية
يوضح المستشار القانوني والمختص في مجال حقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، في حديثه لـ ”العين السورية”، أن تصريح الخارجية السورية يُفهم على أنه نفي لادعاء محدد، وهو وجود خطة لترحيل 700 ألف لاجئ، وليس ضماناً بانتهاء مراجعات الحماية أو توقف كل عمليات الترحيل، مبيناً أن من حق السوريين معرفة ما تم نقاشه بين الحكومتين، والخطوات العملية المتفق عليها، وكيفية دراسة أوضاع من لديهم عمل أو أسر وأطفال في ألمانيا.

ويضيف الكيلاني أن مراجعة الحماية لا تعني تلقائياً ترحيل الشخص إلى سوريا، إذ يجب دراسة كل حالة بشكل منفصل، والنظر في المنطقة التي سيعود إليها، والمخاطر التي دفعته إلى طلب الحماية وما إذا كانت قد انتهت فعلاً.
ويستند في ذلك إلى أن القواعد الدولية والأوروبية، كالمادة 33 من اتفاقية جنيف عام 1951، والمادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة 19 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، تحظر الإعادة القسرية إلى مناطق تهدد الحياة أو ينشط فيها خطر التعذيب والمعاملة غير الإنسانية، كما تلزم هذه التشريعات السلطات بالتقييم الفردي لكل حالة، مراعاةً لمخاطر العودة والظروف الأمنية المتباينة بين المناطق السورية، خاصة للفئات الأكثر عرضة للخطر كالأقليات والنساء والأطفال.
وبحسب الكيلاني، تزداد أهمية التقييم الفردي وتسبيب القرارات مع توسيع نطاق مراجعة الحماية في ألمانيا، اتساقاً مع إقرار برلين بمحدودية العودة جراء دمار البنية التحتية، كما يشدد على أن قدرة الشخص على العمل لا تعني كفايته المعيشية، ما لم تترافق مع توفر السكن والخدمات الأساسية والشبكة الأسرية الضامنة للاستقرار.
معاناة إنسانية
خلف الأرقام، توجد قصص لأشخاص يرون أن العودة ليست خياراً واقعياً بالنسبة إليهم، ولعل نادين الغفير واحدة منهم، وهي سورية مقيمة في ألمانيا وأم لثلاث بنات، تقول إن سحب حمايتها سيضعها أمام سؤال أساسي: أين ستعيش وكيف ستؤمن حياة أطفالها؟
توضح السيدة الغفير أن الحكومة الألمانية توفر لها، في حال توقف عملها، مساعدات اجتماعية وسكناً بديلاً، بينما لا تعرف ما الذي ستقدمه لها سوريا إذا عادت، خصوصاً أن منزلها لم يعد قائماً، مضيفة بأن مفهوم «العودة الكريمة» يجب أن يتجاوز مجرد الوصول إلى الأراضي السورية، وأن يأخذ في الاعتبار العمل والسكن وحقوق المرأة وتأمين الأطفال، وفي الوقت نفسه، تؤكد أن الالتزام بالقانون الألماني شرط أساسي لبقاء اللاجئ، وترى أن من يخالف القوانين قد يواجه الترحيل وفق الإجراءات المعمول بها.
لا ترفض الغفير مبدأ الترحيل لمن لا يلتزم بالقانون، انطلاقاً من وجود قوانين يُقرها البرلمان الألماني وتصبح سارية المفعول، مشددة على أن اللجوء في ألمانيا مقترن بشروط الاندماج مثل العمل واللغة، وتنتقد صراحة بعض اللاجئين الذين يعملون في السوق السوداء ويتلقون في الوقت نفسه مساعدات حكومية، ويرفضون العمل النظامي تجنباً لدفع الضرائب، بهدف توفير المال لاستثمار عودتهم إلى سوريا بشكل كريم.
كما تربط الغفير التصعيد ضد اللاجئين السوريين بالسياق الانتخابي الألماني، إذ ترى أن الحكومة استخدمت ورقة اللاجئين للحد من ارتفاع شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا AfD عبر الضغط على ملف اللجوء.
العودة لا تبدأ من المطار
عاد نحو 6,100 سوري من ألمانيا إلى سوريا منذ سقوط الأسد وحتى أبريل 2026، من أصل نحو 1.6 مليون سوري عادوا من مختلف دول العالم، وفي عام 2026، خصصت ألمانيا نحو 200 مليون يورو لدعم جهود إعادة إعمار سوريا.
ويوضح المستشار الكيلاني أن الأولوية يجب أن تشمل دعم تعافي سوريا، وإعادة إعمار المساكن والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، وإزالة مخلفات الحرب، وتوفير فرص العمل، ومعالجة مسائل الوثائق المدنية والملكية، منوهاً بأن العودة الكريمة لا تبدأ من المطار، بل من قدرة الإنسان على استعادة حياته وحقوقه وأمانه.
ويحذر الكيلاني من أن الدعم المالي للعودة الطوعية لا يجعل العودة آمنة أو كريمة بحد ذاته، ولا ينبغي أن يصبح بديلاً عن حق الشخص في الحماية أو وسيلة لدفعه إلى قرار لا يريده تحت ضغط الخوف من فقدان إقامته، مشدداً على أن التعامل مع ملف اللاجئين السوريين يجب أن ينطلق من حقوق الأشخاص وواقع سوريا معاً، بعيداً عن الخلط بين مراجعة الحماية وسحبها وإنهاء الإقامة والترحيل.


