سوريا - محليات
انتظار وأعطال وأسعار مرتفعة.. يوميات السوريين مع النقل المتهالك
حافلات أنهكها الزمن.. كيف تستعيد المواصلات قدرتها على خدمة السوريين؟
ن
نورا حربا
نشر في: ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٣:٥٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
مركبات تجاوز بعضها عمره الافتراضي، وركاب ينتظرون طويلاً للوصول إلى وجهاتهم، وتعرفة تتغير مع ارتفاع تكاليف التشغيل.. مشهد يلخص واقع النقل العام في سورية، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على قِدم وسائل النقل أو تراجع عددها، بل امتدت إلى كلفة استخدامها ومدى قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين اليومية. ومع تصاعد الضغوط على قطاع النقل، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في آليات تشغيله وتحديث أسطوله، وسط مقترحات تتجه نحو الحافلات الكهربائية والسكك الحديدية والنقل الجماعي المنظم، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال التمويل ودور الحكومة في جعل هذه الخيارات قابلة للتطبيق دون تحميل السائقين والركاب أعباء إضافية.
شريان اقتصادي واجتماعي
لا تقتصر أهمية النقل العام على تأمين انتقال المواطنين بين أماكن السكن والعمل، بل تمتد إلى تأثيره في الإنتاجية وكلفة المعيشة وحركة الأسواق. فكلما توافرت وسائل نقل منتظمة وبأسعار مقبولة، تراجعت الأعباء التي تتحملها الأسر، وتحسنت قدرة العاملين على الوصول إلى وظائفهم، وانخفض الهدر الناتج عن الازدحام واستهلاك الوقود.

كما يسهم النقل الجماعي الفعّال في تخفيف الضغط على الطرقات، وتقليل الحاجة إلى استخدام السيارات الخاصة، وربط الضواحي بمراكز المدن، بما يتيح وصولاً أوسع إلى فرص العمل والتعليم والخدمات.
وفي المقابل، يؤدي ضعف هذه المنظومة إلى تحميل المواطنين تكاليف إضافية، ويحد من قدرة المؤسسات على استقطاب العاملين والاحتفاظ بهم، فضلاً عن انعكاساته على الإنتاجية والإنفاق الأسري.
ومن هنا، فإن تطوير النقل العام لا يرتبط بتحديث المركبات وحده، بل يتطلب معالجة متكاملة تشمل كلفة التشغيل، وانتظام الخطوط، وآليات التمويل، وتوزيع وسائل النقل وفقاً للاحتياجات الفعلية للمناطق السكنية ومراكز العمل.
شهادات تعكس حجم المعاناة
تعكس الشهادات الحية تعقيدات واقع منظومة النقل الجماعي؛ إذ يؤكد يامن بركات، وهو موظف في إحدى الجهات العامة، أنه يعتمد بشكل كامل على المبيت الذي تؤمنه الجهة التي يعمل فيها للذهاب إلى عمله والعودة منه، لافتاً إلى أن استخدام وسائل النقل العامة يستهلك أكثر من راتبه الشهري، خاصة بعد الرفع الأخير لأسعار المحروقات.
ويؤكد كلامه الموظف مهند محمد، الذي يعيش في ريف دمشق، إذ إن الجهة التي يعمل بها لا تؤمن مبيتاً إلى مكان سكنه، مما يضطره إلى استخدام وسائل النقل العامة، وبالتالي فإنه لا يستفيد من راتبه في شيء، الأمر الذي يجعله يفكر في ترك العمل أو طلب الانتقال إلى جهة أخرى أقرب إلى مكان سكنه.

أما مستخدمو سيارات الأجرة، فحالهم ليست أفضل، بحسب ما يؤكد باسل الشافعي، ولا سيما بعد رفع أسعار المحروقات، إذ أصبحت الأجرة مرتفعة جداً ولا تتناسب مع الدخل، واليوم لا يستخدم خدمة التكسي إلا المضطر.
وتكشف هذه الشهادات عن جانب يتجاوز مسألة ارتفاع التعرفة، إذ باتت كلفة التنقل تؤثر في الخيارات المهنية والسكنية للمواطنين، وتحد من جدوى العمل بالنسبة إلى بعض أصحاب الدخول المحدودة، خصوصاً أولئك الذين يضطرون إلى التنقل يومياً بين الريف ومراكز المدن.
أزمة بنيوية تتجاوز ارتفاع الأسعار
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في حديثه لـ«العين السورية»، أن مقاربة ملف النقل الداخلي في سورية تحتاج إلى رؤية اقتصادية شاملة، فهذا القطاع لا يمثل مجرد خدمة، بل هو شريان رئيسي للعملية الإنتاجية ومحدد أساسي لمستوى معيشة المواطنين ومعدلات التضخم.
ويضيف أن منظومة النقل العام في سورية تواجه أزمة بنيوية حادة تفاقمت عقب صدمة رفع أسعار المحروقات الأخيرة بنسب تتراوح بين 25% و40%، حيث ارتفع سعر ليتر المازوت المخصص للنقل إلى 150 ليرة سورية جديدة، فيما وصل سعر ليتر البنزين إلى مستويات قياسية.

وتنعكس زيادة أسعار الوقود على تكاليف تشغيل المركبات، بدءاً من أجور الصيانة وقطع الغيار، وصولاً إلى كلفة الرحلة اليومية، وهو ما يضع العاملين في قطاع النقل أمام خيارات صعبة بين رفع التعرفة أو تحمل جزء من الزيادة على حساب عائداتهم.
لكن تأثير هذه الزيادة لا يتوقف عند السائقين، بل يمتد إلى الركاب الذين يواجهون تراجعاً في قدرتهم على تحمل نفقات التنقل، في وقت لا تتناسب فيه الدخول بالضرورة مع الارتفاعات المتلاحقة في تكاليف المعيشة.
أسطول متهالك وخدمات غير منتظمة
وعلى مستوى الخدمة، يؤكد عياش أن المنظومة تعاني فجوة حادة بين العرض والطلب، نتيجة تهالك الأسطول وتراجع عدد الحافلات العاملة فعلياً، بسبب تكرار أعمال الصيانة واختناقات التوريد، الأمر الذي أدى إلى غياب الانتظام الزمني وتكدس الركاب.
ولا تتعلق المشكلة بعمر المركبات فقط، بل بقدرتها على العمل بصورة مستمرة، وتوافر قطع الغيار، وكلفة الإصلاح، ومدى كفاية عددها لتلبية الطلب على الخطوط الرئيسية والفرعية.
ومن حيث الأجور، يضيف عياش أن ارتفاع أسعار المحروقات أدى إلى موجة إضافية من التضخم، مشيراً إلى ارتفاع تعرفة النقل على بعض الخطوط، ومنها خط قدسيا ـ دمشق، من 65 إلى 75 ليرة سورية جديدة، ما تسبب في تآكل إضافي لدخل الأسرة.

وتزامن ذلك مع أزمة لوجستية تمثلت في شح الفئات النقدية الصغيرة، أو ما يعرف بـ«الفكة»، الأمر الذي خلق احتكاكات يومية مستمرة وضاعف الكلفة الفعلية على الراكب.
وتشير هذه المعطيات إلى أن معالجة أزمة النقل لا يمكن أن تقتصر على تحديد التعرفة، بل تستدعي تحسين مستوى الخدمة وزيادة عدد المركبات العاملة وضبط تكاليف التشغيل، بما يحقق توازناً بين استمرارية عمل الناقلين وقدرة المواطنين على الدفع.
النقل الكهربائي والسكك الحديدية.. بدائل تحتاج إلى بنية تحتية
يتحدث عياش عن الحلول والبدائل الاستراتيجية القابلة للتطبيق، مؤكداً ضرورة الانتقال من الحلول الإسعافية إلى هندسة بدائل مرنة تقوم على تطوير النقل النظيف والكهربائي، إلى جانب إعادة تفعيل النقل السككي.
وفي هذا السياق، يشير إلى خطة محافظة دمشق لإدخال نحو 150 حافلة كهربائية، معتبراً أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تقليل الارتهان لتقلبات سوق الوقود التقليدي ومشكلات التوريد المحلي.
ويستند هذا التوجه، بحسب عياش، إلى الفجوة بين الإنتاج المحلي من النفط والطلب عليه، إذ يبلغ الإنتاج نحو 102 ألف برميل يومياً، مقابل طلب محلي يتجاوز 325 ألف برميل.
لكن نجاح الانتقال إلى الحافلات الكهربائية يرتبط بتوافر محطات الشحن، واستقرار التغذية الكهربائية، وتأمين التمويل اللازم لشراء المركبات وصيانتها. كما يتطلب وضع خطط تشغيل تضمن توزيعها على المسارات التي تحقق أكبر فائدة ممكنة للركاب، بدلاً من الاكتفاء بإدخالها إلى الخدمة من دون معالجة الاختناقات القائمة.
وفي موازاة ذلك، يدعو عياش إلى تفعيل الشراكة والاستثمار في السكك الحديدية، لما يمتلكه النقل السككي من قدرة استيعابية كبيرة وكلفة تشغيلية يمكن أن تكون أقل على المسارات ذات الكثافة المرتفعة.
ونظراً إلى أن أكثر من نصف شبكة السكك الحديدية خارج الخدمة حالياً، يرى أن طرح مشاريع إعادة تأهيلها للاستثمار والتعاقد مع الشركات الخاصة يمكن أن يشكل رافعة لمعالجة جانب من أزمة النقل الإقليمي والمحلي.
غير أن هذا الخيار يحتاج بدوره إلى تحديد أولويات إعادة التأهيل، وتقييم الجدوى الاقتصادية لكل خط، وربط محطات السكك الحديدية بوسائل النقل داخل المدن، حتى تصبح جزءاً من منظومة متكاملة لا خدمة منفصلة عن بقية وسائل التنقل.
تحديث سيارات الأجرة.. من يتحمل كلفة التحول؟
وفيما يتعلق بمبادرات استبدال سيارات الأجرة القديمة، يؤكد عياش أن مقترح استبدال مركبات النقل العام دخل مرحلة التنفيذ التجريبي من خلال مبادرات مدعومة من القطاع الخاص، مثل نموذج شركة GS Taxi في دمشق وريفها، لتوريد سيارات جديدة تعمل بالطاقة الكهربائية بالكامل أو بنظام هجين «هايبرد»، من طرازات عام 2026.
وتقوم الآلية على تسليم السائق سيارته القديمة واحتساب قيمتها دفعة أولى، على أن يسدد المبلغ المتبقي على أقساط شهرية ممتدة.
وتتمثل أبرز إيجابيات هذه المبادرات في تحديث المركبات وتحسين مستوى الخدمة والأمان، إلى جانب إمكانية خفض استهلاك البنزين في السيارات الكهربائية والهجينة، وفق طبيعة استخدامها وآلية تشغيلها.
في المقابل، يشير عياش إلى أن هذه المبادرات تفرض أعباء تمويلية رأسمالية وضغوطاً ائتمانية على السائقين ذوي الدخل المحدود، في ظل غياب صيغة تمويل مناسبة وشاملة من وزارة النقل.
كما تواجه هذه المركبات تحدياً يتمثل في محدودية البنية التحتية لمحطات الشحن السريع، فضلاً عن مشكلات توليد الكهرباء والتغذية بها.
وتبرز هنا أهمية الدور الحكومي في توفير آليات تمويل ميسرة، وضمان وضوح شروط التقسيط، ودراسة قدرة السائقين على الالتزام بالأقساط من دون تحميلهم مخاطر مالية تفوق عائداتهم المتوقعة.
فاستبدال المركبات القديمة لا يحقق أهدافه بمجرد توفير سيارات جديدة، بل يتطلب التأكد من أن كلفة امتلاكها وتشغيلها وصيانتها تتناسب مع دخل السائق، وأن التحول إلى الطاقة النظيفة مدعوم ببنية تحتية قادرة على استيعابه.
السرافيس.. إحلال تدريجي بدلاً من الإلغاء
وفيما يتعلق بمعضلة الميكروباصات، أو ما يعرف بالسرافيس، والبدائل المتاحة، يرى عياش أنها تمثل «شراً لا بد منه» في الواقع الحالي، باعتبارها العمود الفقري لنقل شريحة واسعة من العاملين، رغم تهالكها الفني وتجاوزها عمرها الافتراضي بعقود.
وبناءً على ذلك، فإن البديل الفوري ليس الإلغاء المفاجئ الذي قد يعطل حركة أعداد كبيرة من المواطنين، بل الإحلال التدريجي الذي يضمن استمرار الخدمة بالتوازي مع تحديث الأسطول.

ويقترح عياش تنظيم عمل السرافيس القديمة ضمن خطوط جماعية محددة المسارات، ثم سحبها تدريجياً من مراكز المدن الرئيسية، بالتزامن مع تجميع سائقيها في تكتلات أو شركات مساهمة صغيرة، ومنحهم قروضاً مدعومة لاستبدال ميكروباصاتهم بحافلات نقل جماعي متوسطة، أو «ميني باص»، تعمل بالطاقة النظيفة وتستوعب عدداً أكبر من الركاب.
ومن شأن هذا التوجه، في حال تطبيقه وفق خطة مدروسة، أن يحد من عدد المركبات في الشوارع، ويخفف الازدحام واستهلاك الوقود، مع الحفاظ على فرص عمل السائقين وضمان استمرار الخدمة للمواطنين.
لكن نجاحه يتطلب تحديد خطوط واضحة، وتنظيم أوقات الانطلاق، وتوفير بدائل كافية قبل سحب المركبات القديمة، إلى جانب وضع آليات تمويل تراعي أوضاع أصحاب السرافيس وقدرتهم على تسديد القروض.
النقل التشاركي والدفع الإلكتروني
ويدعو عياش إلى اعتماد أفكار إضافية لتطوير المنظومة خارج الأطر التقليدية، من بينها تنظيم منصات النقل التشاركي الذكي، عبر تشريع تطبيقات للنقل الجماعي باستخدام الحافلات، بدلاً من الاقتصار على السيارات الفردية.
ويمكن لهذا النموذج أن يتيح للموظفين والطلاب حجز مقاعدهم مسبقاً وفق مسارات مرنة تتناسب مع وجهاتهم وأوقات تنقلهم، بما يساعد على خفض كلفة الرحلات والحد من هدر الوقود.
كما يقترح التحول إلى نظام البطاقة الموحدة والمسبقة الدفع، من خلال تقليص التداول النقدي في الحافلات والسرافيس وتطبيق نظام دفع إلكتروني موحد.
ويرى أن هذا الإجراء يمكن أن يسهم في معالجة مشكلة الفئات النقدية الصغيرة، ويوفر بيانات أدق عن حركة الركاب وعدد الرحلات والكيلومترات المقطوعة، بما يساعد على إدارة الدعم المالي الموجه للمشغلين وفق معايير أكثر وضوحاً.
إلا أن تطبيق الدفع الإلكتروني يحتاج إلى بنية تقنية موثوقة، وتوافر وسائل لشحن البطاقة واستخدامها بسهولة، وضمان عدم استبعاد المواطنين الذين لا يمتلكون هواتف ذكية أو حسابات مصرفية.
الدعم الحكومي شرط لنجاح الإصلاح
تكشف أزمة النقل العام في سورية عن ترابط مجموعة من المشكلات التي لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة؛ فارتفاع أسعار المحروقات يزيد تكاليف التشغيل، وتهالك المركبات يضعف انتظام الخدمة، وتراجع القدرة الشرائية يجعل أي زيادة في التعرفة عبئاً إضافياً على المواطنين.
وفي المقابل، فإن تحديث الأسطول والتحول إلى الطاقة النظيفة وإعادة تأهيل السكك الحديدية تتطلب استثمارات كبيرة لا يمكن تحميلها بالكامل للسائقين أو الركاب، خصوصاً في ظل محدودية الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.
وعليه، فإن نجاح أي خطة لتطوير النقل العام يرتبط بوجود برنامج حكومي واضح يحدد أولويات التحديث، ويوفر أدوات تمويل ميسرة، ويدعم البنية التحتية اللازمة للنقل الكهربائي، ويشجع الاستثمار في السكك الحديدية والنقل الجماعي المنظم.
كما ينبغي أن يقترن تحديث المركبات بتحسين جودة الخدمة وتحديد معايير للانتظام والسلامة والتعرفة، مع مراقبة أثر الإجراءات المتخذة على كلفة تنقل المواطنين.
فالمعيار الحقيقي لنجاح التحول في قطاع النقل ليس عدد المركبات الجديدة التي تدخل الخدمة فحسب، بل مدى انعكاس ذلك على حياة الناس، من خلال تقليل الوقت الضائع في الانتظار، وخفض كلفة الوصول إلى العمل، وتوفير وسائل نقل موثوقة يمكن تحمل أجورها.
وبين الحاجة إلى تحديث الأسطول والقيود التمويلية وضعف البنية التحتية، يبقى التحدي الأساسي هو بناء منظومة نقل متكاملة توازن بين استدامة التشغيل والقدرة الشرائية للمواطنين، بحيث لا يتحول الانتقال إلى وسائل أكثر حداثة إلى عبء جديد على من يفترض أن يستفيدوا منها.
مركبات تجاوز بعضها عمره الافتراضي، وركاب ينتظرون طويلاً للوصول إلى وجهاتهم، وتعرفة تتغير مع ارتفاع تكاليف التشغيل.. مشهد يلخص واقع النقل العام في سورية، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على قِدم وسائل النقل أو تراجع عددها، بل امتدت إلى كلفة استخدامها ومدى قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين اليومية. ومع تصاعد الضغوط على قطاع النقل، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في آليات تشغيله وتحديث أسطوله، وسط مقترحات تتجه نحو الحافلات الكهربائية والسكك الحديدية والنقل الجماعي المنظم، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال التمويل ودور الحكومة في جعل هذه الخيارات قابلة للتطبيق دون تحميل السائقين والركاب أعباء إضافية.
شريان اقتصادي واجتماعي
لا تقتصر أهمية النقل العام على تأمين انتقال المواطنين بين أماكن السكن والعمل، بل تمتد إلى تأثيره في الإنتاجية وكلفة المعيشة وحركة الأسواق. فكلما توافرت وسائل نقل منتظمة وبأسعار مقبولة، تراجعت الأعباء التي تتحملها الأسر، وتحسنت قدرة العاملين على الوصول إلى وظائفهم، وانخفض الهدر الناتج عن الازدحام واستهلاك الوقود.

كما يسهم النقل الجماعي الفعّال في تخفيف الضغط على الطرقات، وتقليل الحاجة إلى استخدام السيارات الخاصة، وربط الضواحي بمراكز المدن، بما يتيح وصولاً أوسع إلى فرص العمل والتعليم والخدمات.
وفي المقابل، يؤدي ضعف هذه المنظومة إلى تحميل المواطنين تكاليف إضافية، ويحد من قدرة المؤسسات على استقطاب العاملين والاحتفاظ بهم، فضلاً عن انعكاساته على الإنتاجية والإنفاق الأسري.
ومن هنا، فإن تطوير النقل العام لا يرتبط بتحديث المركبات وحده، بل يتطلب معالجة متكاملة تشمل كلفة التشغيل، وانتظام الخطوط، وآليات التمويل، وتوزيع وسائل النقل وفقاً للاحتياجات الفعلية للمناطق السكنية ومراكز العمل.
شهادات تعكس حجم المعاناة
تعكس الشهادات الحية تعقيدات واقع منظومة النقل الجماعي؛ إذ يؤكد يامن بركات، وهو موظف في إحدى الجهات العامة، أنه يعتمد بشكل كامل على المبيت الذي تؤمنه الجهة التي يعمل فيها للذهاب إلى عمله والعودة منه، لافتاً إلى أن استخدام وسائل النقل العامة يستهلك أكثر من راتبه الشهري، خاصة بعد الرفع الأخير لأسعار المحروقات.
ويؤكد كلامه الموظف مهند محمد، الذي يعيش في ريف دمشق، إذ إن الجهة التي يعمل بها لا تؤمن مبيتاً إلى مكان سكنه، مما يضطره إلى استخدام وسائل النقل العامة، وبالتالي فإنه لا يستفيد من راتبه في شيء، الأمر الذي يجعله يفكر في ترك العمل أو طلب الانتقال إلى جهة أخرى أقرب إلى مكان سكنه.

أما مستخدمو سيارات الأجرة، فحالهم ليست أفضل، بحسب ما يؤكد باسل الشافعي، ولا سيما بعد رفع أسعار المحروقات، إذ أصبحت الأجرة مرتفعة جداً ولا تتناسب مع الدخل، واليوم لا يستخدم خدمة التكسي إلا المضطر.
وتكشف هذه الشهادات عن جانب يتجاوز مسألة ارتفاع التعرفة، إذ باتت كلفة التنقل تؤثر في الخيارات المهنية والسكنية للمواطنين، وتحد من جدوى العمل بالنسبة إلى بعض أصحاب الدخول المحدودة، خصوصاً أولئك الذين يضطرون إلى التنقل يومياً بين الريف ومراكز المدن.
أزمة بنيوية تتجاوز ارتفاع الأسعار
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في حديثه لـ«العين السورية»، أن مقاربة ملف النقل الداخلي في سورية تحتاج إلى رؤية اقتصادية شاملة، فهذا القطاع لا يمثل مجرد خدمة، بل هو شريان رئيسي للعملية الإنتاجية ومحدد أساسي لمستوى معيشة المواطنين ومعدلات التضخم.
ويضيف أن منظومة النقل العام في سورية تواجه أزمة بنيوية حادة تفاقمت عقب صدمة رفع أسعار المحروقات الأخيرة بنسب تتراوح بين 25% و40%، حيث ارتفع سعر ليتر المازوت المخصص للنقل إلى 150 ليرة سورية جديدة، فيما وصل سعر ليتر البنزين إلى مستويات قياسية.

وتنعكس زيادة أسعار الوقود على تكاليف تشغيل المركبات، بدءاً من أجور الصيانة وقطع الغيار، وصولاً إلى كلفة الرحلة اليومية، وهو ما يضع العاملين في قطاع النقل أمام خيارات صعبة بين رفع التعرفة أو تحمل جزء من الزيادة على حساب عائداتهم.
لكن تأثير هذه الزيادة لا يتوقف عند السائقين، بل يمتد إلى الركاب الذين يواجهون تراجعاً في قدرتهم على تحمل نفقات التنقل، في وقت لا تتناسب فيه الدخول بالضرورة مع الارتفاعات المتلاحقة في تكاليف المعيشة.
أسطول متهالك وخدمات غير منتظمة
وعلى مستوى الخدمة، يؤكد عياش أن المنظومة تعاني فجوة حادة بين العرض والطلب، نتيجة تهالك الأسطول وتراجع عدد الحافلات العاملة فعلياً، بسبب تكرار أعمال الصيانة واختناقات التوريد، الأمر الذي أدى إلى غياب الانتظام الزمني وتكدس الركاب.
ولا تتعلق المشكلة بعمر المركبات فقط، بل بقدرتها على العمل بصورة مستمرة، وتوافر قطع الغيار، وكلفة الإصلاح، ومدى كفاية عددها لتلبية الطلب على الخطوط الرئيسية والفرعية.
ومن حيث الأجور، يضيف عياش أن ارتفاع أسعار المحروقات أدى إلى موجة إضافية من التضخم، مشيراً إلى ارتفاع تعرفة النقل على بعض الخطوط، ومنها خط قدسيا ـ دمشق، من 65 إلى 75 ليرة سورية جديدة، ما تسبب في تآكل إضافي لدخل الأسرة.

وتزامن ذلك مع أزمة لوجستية تمثلت في شح الفئات النقدية الصغيرة، أو ما يعرف بـ«الفكة»، الأمر الذي خلق احتكاكات يومية مستمرة وضاعف الكلفة الفعلية على الراكب.
وتشير هذه المعطيات إلى أن معالجة أزمة النقل لا يمكن أن تقتصر على تحديد التعرفة، بل تستدعي تحسين مستوى الخدمة وزيادة عدد المركبات العاملة وضبط تكاليف التشغيل، بما يحقق توازناً بين استمرارية عمل الناقلين وقدرة المواطنين على الدفع.
النقل الكهربائي والسكك الحديدية.. بدائل تحتاج إلى بنية تحتية
يتحدث عياش عن الحلول والبدائل الاستراتيجية القابلة للتطبيق، مؤكداً ضرورة الانتقال من الحلول الإسعافية إلى هندسة بدائل مرنة تقوم على تطوير النقل النظيف والكهربائي، إلى جانب إعادة تفعيل النقل السككي.
وفي هذا السياق، يشير إلى خطة محافظة دمشق لإدخال نحو 150 حافلة كهربائية، معتبراً أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تقليل الارتهان لتقلبات سوق الوقود التقليدي ومشكلات التوريد المحلي.
ويستند هذا التوجه، بحسب عياش، إلى الفجوة بين الإنتاج المحلي من النفط والطلب عليه، إذ يبلغ الإنتاج نحو 102 ألف برميل يومياً، مقابل طلب محلي يتجاوز 325 ألف برميل.
لكن نجاح الانتقال إلى الحافلات الكهربائية يرتبط بتوافر محطات الشحن، واستقرار التغذية الكهربائية، وتأمين التمويل اللازم لشراء المركبات وصيانتها. كما يتطلب وضع خطط تشغيل تضمن توزيعها على المسارات التي تحقق أكبر فائدة ممكنة للركاب، بدلاً من الاكتفاء بإدخالها إلى الخدمة من دون معالجة الاختناقات القائمة.
وفي موازاة ذلك، يدعو عياش إلى تفعيل الشراكة والاستثمار في السكك الحديدية، لما يمتلكه النقل السككي من قدرة استيعابية كبيرة وكلفة تشغيلية يمكن أن تكون أقل على المسارات ذات الكثافة المرتفعة.
ونظراً إلى أن أكثر من نصف شبكة السكك الحديدية خارج الخدمة حالياً، يرى أن طرح مشاريع إعادة تأهيلها للاستثمار والتعاقد مع الشركات الخاصة يمكن أن يشكل رافعة لمعالجة جانب من أزمة النقل الإقليمي والمحلي.
غير أن هذا الخيار يحتاج بدوره إلى تحديد أولويات إعادة التأهيل، وتقييم الجدوى الاقتصادية لكل خط، وربط محطات السكك الحديدية بوسائل النقل داخل المدن، حتى تصبح جزءاً من منظومة متكاملة لا خدمة منفصلة عن بقية وسائل التنقل.
تحديث سيارات الأجرة.. من يتحمل كلفة التحول؟
وفيما يتعلق بمبادرات استبدال سيارات الأجرة القديمة، يؤكد عياش أن مقترح استبدال مركبات النقل العام دخل مرحلة التنفيذ التجريبي من خلال مبادرات مدعومة من القطاع الخاص، مثل نموذج شركة GS Taxi في دمشق وريفها، لتوريد سيارات جديدة تعمل بالطاقة الكهربائية بالكامل أو بنظام هجين «هايبرد»، من طرازات عام 2026.
وتقوم الآلية على تسليم السائق سيارته القديمة واحتساب قيمتها دفعة أولى، على أن يسدد المبلغ المتبقي على أقساط شهرية ممتدة.
وتتمثل أبرز إيجابيات هذه المبادرات في تحديث المركبات وتحسين مستوى الخدمة والأمان، إلى جانب إمكانية خفض استهلاك البنزين في السيارات الكهربائية والهجينة، وفق طبيعة استخدامها وآلية تشغيلها.
في المقابل، يشير عياش إلى أن هذه المبادرات تفرض أعباء تمويلية رأسمالية وضغوطاً ائتمانية على السائقين ذوي الدخل المحدود، في ظل غياب صيغة تمويل مناسبة وشاملة من وزارة النقل.
كما تواجه هذه المركبات تحدياً يتمثل في محدودية البنية التحتية لمحطات الشحن السريع، فضلاً عن مشكلات توليد الكهرباء والتغذية بها.
وتبرز هنا أهمية الدور الحكومي في توفير آليات تمويل ميسرة، وضمان وضوح شروط التقسيط، ودراسة قدرة السائقين على الالتزام بالأقساط من دون تحميلهم مخاطر مالية تفوق عائداتهم المتوقعة.
فاستبدال المركبات القديمة لا يحقق أهدافه بمجرد توفير سيارات جديدة، بل يتطلب التأكد من أن كلفة امتلاكها وتشغيلها وصيانتها تتناسب مع دخل السائق، وأن التحول إلى الطاقة النظيفة مدعوم ببنية تحتية قادرة على استيعابه.
السرافيس.. إحلال تدريجي بدلاً من الإلغاء
وفيما يتعلق بمعضلة الميكروباصات، أو ما يعرف بالسرافيس، والبدائل المتاحة، يرى عياش أنها تمثل «شراً لا بد منه» في الواقع الحالي، باعتبارها العمود الفقري لنقل شريحة واسعة من العاملين، رغم تهالكها الفني وتجاوزها عمرها الافتراضي بعقود.
وبناءً على ذلك، فإن البديل الفوري ليس الإلغاء المفاجئ الذي قد يعطل حركة أعداد كبيرة من المواطنين، بل الإحلال التدريجي الذي يضمن استمرار الخدمة بالتوازي مع تحديث الأسطول.

ويقترح عياش تنظيم عمل السرافيس القديمة ضمن خطوط جماعية محددة المسارات، ثم سحبها تدريجياً من مراكز المدن الرئيسية، بالتزامن مع تجميع سائقيها في تكتلات أو شركات مساهمة صغيرة، ومنحهم قروضاً مدعومة لاستبدال ميكروباصاتهم بحافلات نقل جماعي متوسطة، أو «ميني باص»، تعمل بالطاقة النظيفة وتستوعب عدداً أكبر من الركاب.
ومن شأن هذا التوجه، في حال تطبيقه وفق خطة مدروسة، أن يحد من عدد المركبات في الشوارع، ويخفف الازدحام واستهلاك الوقود، مع الحفاظ على فرص عمل السائقين وضمان استمرار الخدمة للمواطنين.
لكن نجاحه يتطلب تحديد خطوط واضحة، وتنظيم أوقات الانطلاق، وتوفير بدائل كافية قبل سحب المركبات القديمة، إلى جانب وضع آليات تمويل تراعي أوضاع أصحاب السرافيس وقدرتهم على تسديد القروض.
النقل التشاركي والدفع الإلكتروني
ويدعو عياش إلى اعتماد أفكار إضافية لتطوير المنظومة خارج الأطر التقليدية، من بينها تنظيم منصات النقل التشاركي الذكي، عبر تشريع تطبيقات للنقل الجماعي باستخدام الحافلات، بدلاً من الاقتصار على السيارات الفردية.
ويمكن لهذا النموذج أن يتيح للموظفين والطلاب حجز مقاعدهم مسبقاً وفق مسارات مرنة تتناسب مع وجهاتهم وأوقات تنقلهم، بما يساعد على خفض كلفة الرحلات والحد من هدر الوقود.
كما يقترح التحول إلى نظام البطاقة الموحدة والمسبقة الدفع، من خلال تقليص التداول النقدي في الحافلات والسرافيس وتطبيق نظام دفع إلكتروني موحد.
ويرى أن هذا الإجراء يمكن أن يسهم في معالجة مشكلة الفئات النقدية الصغيرة، ويوفر بيانات أدق عن حركة الركاب وعدد الرحلات والكيلومترات المقطوعة، بما يساعد على إدارة الدعم المالي الموجه للمشغلين وفق معايير أكثر وضوحاً.
إلا أن تطبيق الدفع الإلكتروني يحتاج إلى بنية تقنية موثوقة، وتوافر وسائل لشحن البطاقة واستخدامها بسهولة، وضمان عدم استبعاد المواطنين الذين لا يمتلكون هواتف ذكية أو حسابات مصرفية.
الدعم الحكومي شرط لنجاح الإصلاح
تكشف أزمة النقل العام في سورية عن ترابط مجموعة من المشكلات التي لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة؛ فارتفاع أسعار المحروقات يزيد تكاليف التشغيل، وتهالك المركبات يضعف انتظام الخدمة، وتراجع القدرة الشرائية يجعل أي زيادة في التعرفة عبئاً إضافياً على المواطنين.
وفي المقابل، فإن تحديث الأسطول والتحول إلى الطاقة النظيفة وإعادة تأهيل السكك الحديدية تتطلب استثمارات كبيرة لا يمكن تحميلها بالكامل للسائقين أو الركاب، خصوصاً في ظل محدودية الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.
وعليه، فإن نجاح أي خطة لتطوير النقل العام يرتبط بوجود برنامج حكومي واضح يحدد أولويات التحديث، ويوفر أدوات تمويل ميسرة، ويدعم البنية التحتية اللازمة للنقل الكهربائي، ويشجع الاستثمار في السكك الحديدية والنقل الجماعي المنظم.
كما ينبغي أن يقترن تحديث المركبات بتحسين جودة الخدمة وتحديد معايير للانتظام والسلامة والتعرفة، مع مراقبة أثر الإجراءات المتخذة على كلفة تنقل المواطنين.
فالمعيار الحقيقي لنجاح التحول في قطاع النقل ليس عدد المركبات الجديدة التي تدخل الخدمة فحسب، بل مدى انعكاس ذلك على حياة الناس، من خلال تقليل الوقت الضائع في الانتظار، وخفض كلفة الوصول إلى العمل، وتوفير وسائل نقل موثوقة يمكن تحمل أجورها.
وبين الحاجة إلى تحديث الأسطول والقيود التمويلية وضعف البنية التحتية، يبقى التحدي الأساسي هو بناء منظومة نقل متكاملة توازن بين استدامة التشغيل والقدرة الشرائية للمواطنين، بحيث لا يتحول الانتقال إلى وسائل أكثر حداثة إلى عبء جديد على من يفترض أن يستفيدوا منها.


