سوريا - محليات
الغياب الصامت.. أطفال عادوا ولم يجدوا مدارسهم وآخرون لم تجدهم المدارس!
ا
العين السورية - ليلى حسين
نشر في: ٣١ يوليو ٢٠٢٦، ٠٨:٣٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في كل عام ومع اقتراب نهاية العطلة الصيفية تمتلئ أسواق درعا بالأطفال، وهم يختارون حقائبهم الجديدة ويقلبون دفاترهم البيضاء بفرح، استعداداً لعام دراسي جديد.
غير أن مشهداً آخر يسير بالتوازي بعيداً عن بوابات المدارس ... أطفال يحملون المعاول بدل الأقلام، وآخرون يقفون في ورش الحدادة والنجارة وتصليح السيارات، وبعضهم يسوق قطعان الأغنام منذ ساعات الفجر بينما يقضي آخرون يومهم في بيع المناديل أو السلع البسيطة في الشوارع.. هؤلاء لا ينتظرون جرس المدرسة لأن المدرسة بالنسبة إليهم انتهت قبل أن تبدأ أو لم تبدأ أصلًا.
الغياب الصّامت
في محافظة درعا التي طالما عرفت بأنها من أكثر المحافظات السورية اهتماماً بالعلم، لم تعد قضية التسرب المدرسي مجرد أرقام تسجل في دفاتر مديريات التربية، بل أصبحت جرحاً اجتماعياً يتسع عاماً بعد عام.
فالمشهد اليوم لا يقتصر على طفل ترك مقعده الدراسي، بل يمتد إلى أطفال لم تطأ أقدامهم المدرسة يوماً، رغم بلوغهم سن التعليم الإلزامي. ليبدأ ما يسميه تربويون (الغياب الصامت) ذلك الغياب الذي لا يلفت الانتباه لأن الطفل لا يُعد متسرباً في السجلات إذ لم يُسجل أصلًا، لكنه في الواقع غائب عن التعليم وعن الإحصاءات وعن خطط الإنقاذ وعن مستقبل كان من المفترض أن يبدأ من الصف الأول.
ظروف
وراء كل طفل غاب بصمت حكاية مختلفة لكنها تنتهي بالنتيجة نفسها. هناك من حمله الفقر إلى سوق العمل، قبل أن يتعلم كتابة اسمه وهناك من أوقفه والده عند باب المدرسة معتقداً أن العمل أنفع من التعليم، وهناك من أجبرته الظروف على ترك الدراسة لمساندة أسرته وآخرون دفعتهم الحرب والنزوح وفقدان الاستقرار إلى الابتعاد عن التعليم.
بين هذه القصص جميعها يبقى السؤال: كيف وصلت محافظة كانت يوماً مضرب المثل في نسب التعليم، إلى واقع يغيب فيه الأطفال عن مدارسهم بهذه السهولة؟
صعوبات الاندماج
مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في درعا المهندسة دانية مفعلاني أوضحت في تصريح لـ"العين السورية" أن بعض الأطفال ولا سيما العائدين إلى المحافظة، واجهوا صعوبات في الالتحاق بالمدارس نتيجة تضرر عدد من الأبنية المدرسية أو فقدان الوثائق الشخصية اللازمة.

مبينة أن مديرية التربية نجحت في تجاوز جزء كبير من العقبات التي فرضتها سنوات الحرب، عبر ترميم معظم المدارس في قرى وبلدات المحافظة وتسهيل تسجيل الأطفال العائدين، واعتماد نظام الدوامين لاستيعاب الطلاب فإن ذلك لم يكن كافياً لإنهاء الظاهرة، فاستمرار وجود أطفال خارج أسوار المدرسة وبعضهم لم يُسجل فيها أصلًا يكشف أن الأزمة لم تعد أزمة أبنية مدرسية أو إجراءات تسجيل، بل أزمة مجتمع تتشابك فيها ظروف الفقر وعمالة الأطفال وتراجع الوعي وضعف تطبيق القوانين، لتبقي مئات الأطفال بعيدين عن حقهم الطبيعي في التعليم.
ذوي الاحتياجات الخاصة
وفيما يتعلق بالأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، أشارت مفعلاني إلى أن انخفاض نسب الالتحاق بالمعاهد والمراكز المتخصصة، يعود بدرجة كبيرة إلى ارتفاع تكاليف النقل وغلاء المعيشة، الأمر الذي يحول دون قدرة كثير من الأسر على إيصال أبنائها إلى تلك المراكز ويحرمهم من حقهم في التعليم والتأهيل، رغم حاجتهم الملحة إلى الخدمات التعليمية والتأهيلية التي توفرها.
كما أن الواقع الذي رصده التحقيق يكشف أن المدرسة المدمرة أو الوثيقة المفقودة ليستا السبب الوحيد، ولا يرتبط ذلك دائماً بالعجز المادي، فبعض الأسر ترى أن الطفل الذي يعود إلى المنزل بأجر يومي أكثر فائدة من طفل يحمل دفترًا مدرسياً.
هذه النظرة التي يحذر منها اخصائيون تربويون تجعل التعليم استثماراً مؤجلاً، بينما يبدو العمل دخلاً مضموناً ولو كان على حساب الطفولة.
وعي وقانون
ترى الخبيرة الاجتماعية الدكتورة رشا شعبان، أن الأزمة تتجاوز الجانب الاقتصادي، وتقوم على محورين رئيسيين.. الأول تراجع الوعي المجتمعي بأهمية التعليم.. والثاني ضعف تطبيق القوانين التي تلزم الأسر بإرسال أبنائها إلى المدارس.
وتقول لـ " العين السورية": إن درعا كانت لعقود محافظة تُعرف بتفوق أبنائها علمياً، وكانت الشهادة الجامعية مصدر فخر للأسرة، إلا أن هذا المشهد بدأ يتغير مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف فرص العمل وتدني رواتب أصحاب الشهادات ما دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتقاد بأن التعليم لم يعد يحقق مستقبلاً أفضل.
وتحذر شعبان، من أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط خروج الطفل من المدرسة، بل تغير الثقافة المجتمعية تجاه التعليم ، فعندما يكبر طفل وهو يسمع باستمرار أن المدرسة لا تنفع وأن العمل أهم من العلم، فإن فكرة ترك الدراسة تصبح طبيعية بل قد يقرر بعض الآباء عدم تسجيل أبنائهم في المدرسة أصلًا.
وتضيف شعبان، أن القوانين التي تلزم بالتعليم الإلزامي موجودة منذ سنوات طويلة، لكنها بقيت في كثير من الأحيان شكلية ومع ضعف المتابعة والمحاسبة، الأمر الذي سمح باستمرار الظاهرة واتساعها.
آلية الانقطاع
تؤكد المعلمة نبال الدوس، أن التسرب لا يبدأ بقرار مفاجئ وإنما يبدأ بغيابات متكررة ثم انقطاع طويل، قبل أن يختفي الطفل نهائياً من المدرسة.
وتوضح لـ " العين السورية"، أن كثيراً من الطلاب يتركون التعليم بسبب الحاجة إلى العمل أو لعجز أسرهم عن تحمل تكاليف النقل والقرطاسية، بينما تمنع بعض الأسر بناتها من متابعة الدراسة لأسباب اجتماعية، في حين يحاول المعلمون مراراً إعادة هؤلاء الأطفال إلى الصفوف، لكن جهودهم غالباً ما تصطدم بظروف اقتصادية أو بقناعات أسرية يصعب تغييرها.
مشاهد
يروي أحد أولياء الأمور في بلدة العجمي، رافضاً الكشف عن اسمه، أنه أخرج ابنه من المدرسة بعد تعرضه للضرب من أحد المعلمين، قائلاً: لن أسمح لأحد أن يضرب ابني، أخذته معي إلى ورشة العمل وأهون علي أن يتعلم مهنة على أن يعود إلى مكان يهان فيه.. وبينما كان الأب يعتقد أنه يحمي ابنه وجد الطفل نفسه خارج المدرسة ليصبح العمل بديلاً عن التعليم.
هذه القصص كثيرة، وهي ليست سوى جزء من صورة أكبر تتداخل فيها أسباب عديدة، من بينها الفقر وتشغيل الأطفال وارتفاع تكاليف المعيشة والزواج المبكر، وبُعد المدارس عن بعض المناطق وآثار الحرب والنزوح، وضعف الرقابة على إلزامية التعليم وتراجع قيمة الشهادة في نظر بعض الأسر، فضلاً عن وجود أطفال لم يُسجلوا في المدارس أصلاً، وهو ما يجعلهم خارج أي إحصاء رسمي.
من المسؤول؟
هل المسؤول هو الأب الذي دفعه الفقر إلى تشغيل ابنه؟ أم الأب الذي فقد ثقته بالتعليم؟ أم المدرسة التي لم تستطع احتواء جميع الأطفال؟ أم الدولة التي لم تصل خدماتها إلى كل طفل؟ أم المجتمع الذي بدأ يتخلى عن قناعته بأن العلم هو الطريق لبناء المستقبل؟
فتحميل طرف واحد المسؤولية لا يعكس حقيقة المشكلة فالمسؤولية مشتركة لكن الضحية واحدة... الطفل.
فالأسرة مسؤولة عن تسجيل أبنائها وإرسالهم إلى المدرسة ومتابعة تعليمهم، والدولة مسؤولة عن توفير تعليم مجاني وآمن، ومديرية التربية مسؤولة عن حصر المتسربين وإعادتهم إلى الصفوف، والشؤون الاجتماعية مسؤولة عن حماية الأطفال المعرضين للعمل والاستغلال، فيما يتحمل المجتمع والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية مسؤولية إعادة ترسيخ قيمة التعليم بوصفه حقاً لا يمكن التنازل عنه.
ضياع كوادر مؤجّل
ترى الخبيرة الاجتماعية الدكتورة رشا شعبان، أن الأزمة تتجاوز الجانب الاقتصادي، وتقوم على محورين رئيسيين.. الأول تراجع الوعي المجتمعي بأهمية التعليم.. والثاني ضعف تطبيق القوانين التي تلزم الأسر بإرسال أبنائها إلى المدارس.
وتقول لـ " العين السورية": إن درعا كانت لعقود محافظة تُعرف بتفوق أبنائها علمياً، وكانت الشهادة الجامعية مصدر فخر للأسرة، إلا أن هذا المشهد بدأ يتغير مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف فرص العمل وتدني رواتب أصحاب الشهادات ما دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتقاد بأن التعليم لم يعد يحقق مستقبلاً أفضل.
وتحذر شعبان، من أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط خروج الطفل من المدرسة، بل تغير الثقافة المجتمعية تجاه التعليم ، فعندما يكبر طفل وهو يسمع باستمرار أن المدرسة لا تنفع وأن العمل أهم من العلم، فإن فكرة ترك الدراسة تصبح طبيعية بل قد يقرر بعض الآباء عدم تسجيل أبنائهم في المدرسة أصلًا.
وتضيف شعبان، أن القوانين التي تلزم بالتعليم الإلزامي موجودة منذ سنوات طويلة، لكنها بقيت في كثير من الأحيان شكلية ومع ضعف المتابعة والمحاسبة، الأمر الذي سمح باستمرار الظاهرة واتساعها.
آلية الانقطاع
تؤكد المعلمة نبال الدوس، أن التسرب لا يبدأ بقرار مفاجئ وإنما يبدأ بغيابات متكررة ثم انقطاع طويل، قبل أن يختفي الطفل نهائياً من المدرسة.
وتوضح لـ " العين السورية"، أن كثيراً من الطلاب يتركون التعليم بسبب الحاجة إلى العمل أو لعجز أسرهم عن تحمل تكاليف النقل والقرطاسية، بينما تمنع بعض الأسر بناتها من متابعة الدراسة لأسباب اجتماعية، في حين يحاول المعلمون مراراً إعادة هؤلاء الأطفال إلى الصفوف، لكن جهودهم غالباً ما تصطدم بظروف اقتصادية أو بقناعات أسرية يصعب تغييرها.
مشاهد
يروي أحد أولياء الأمور في بلدة العجمي، رافضاً الكشف عن اسمه، أنه أخرج ابنه من المدرسة بعد تعرضه للضرب من أحد المعلمين، قائلاً: لن أسمح لأحد أن يضرب ابني، أخذته معي إلى ورشة العمل وأهون علي أن يتعلم مهنة على أن يعود إلى مكان يهان فيه.. وبينما كان الأب يعتقد أنه يحمي ابنه وجد الطفل نفسه خارج المدرسة ليصبح العمل بديلاً عن التعليم.
هذه القصص كثيرة، وهي ليست سوى جزء من صورة أكبر تتداخل فيها أسباب عديدة، من بينها الفقر وتشغيل الأطفال وارتفاع تكاليف المعيشة والزواج المبكر، وبُعد المدارس عن بعض المناطق وآثار الحرب والنزوح، وضعف الرقابة على إلزامية التعليم وتراجع قيمة الشهادة في نظر بعض الأسر، فضلاً عن وجود أطفال لم يُسجلوا في المدارس أصلاً، وهو ما يجعلهم خارج أي إحصاء رسمي.
من المسؤول؟
هل المسؤول هو الأب الذي دفعه الفقر إلى تشغيل ابنه؟ أم الأب الذي فقد ثقته بالتعليم؟ أم المدرسة التي لم تستطع احتواء جميع الأطفال؟ أم الدولة التي لم تصل خدماتها إلى كل طفل؟ أم المجتمع الذي بدأ يتخلى عن قناعته بأن العلم هو الطريق لبناء المستقبل؟
فتحميل طرف واحد المسؤولية لا يعكس حقيقة المشكلة فالمسؤولية مشتركة لكن الضحية واحدة... الطفل.
فالأسرة مسؤولة عن تسجيل أبنائها وإرسالهم إلى المدرسة ومتابعة تعليمهم، والدولة مسؤولة عن توفير تعليم مجاني وآمن، ومديرية التربية مسؤولة عن حصر المتسربين وإعادتهم إلى الصفوف، والشؤون الاجتماعية مسؤولة عن حماية الأطفال المعرضين للعمل والاستغلال، فيما يتحمل المجتمع والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية مسؤولية إعادة ترسيخ قيمة التعليم بوصفه حقاً لا يمكن التنازل عنه.
ضياع كوادر مؤجّل
إن استمرار هذا النزيف، لا يعني فقط ازدياد أعداد المتسربين، بل يعني أن المجتمع يخسر كل يوم طبيباً لم يكمل طريقه، ومهندساً لم تتح له الفرصة، ومعلماً لم يدخل صفه، وباحثاً لم يجد من يرعى موهبته. فالطفل الذي يغادر المدرسة اليوم قد يصبح عاملاً صغيراً لكنه قد يصبح غداً شاباً يواجه البطالة والفقر والأمية والاستغلال، وتضيق أمامه فرص الحياة الكريمة فالقضية ليست أزمة تعليم فقط بل أزمة تنمية وعدالة اجتماعية ومستقبل وطن.
لمن " تُقرع الأجراس" ؟
وبعد أسابيع قليلة سيقرع الجرس معلناً بداية عام دراسي جديد، وسيفتح المعلمون دفاتر الحضور، وستمتلئ الصفوف بوجوه تحمل أحلاماً صغيرة لمستقبل كبير، لكن السؤال الحقيقي ليس: كم طالباً حضر؟ بل: كم طفلاً في درعا لن يسمع هذا الجرس أصلاً؟ وكم طفلاً حُرم من حقه في التعليم، قبل أن يعرف معنى الصف أو يكتب اسمه على أول دفتر؟ فأن أخطر أنواع التسرب ليس الطفل الذي ترك المدرسة بل الطفل الذي لم يدخلها أبداً، لأنه لا يغيب عن الصفوف فقط، بل يغيب عن الإحصاءات وعن خطط المعالجة وعن اهتمام الجميع بينما يضيع مستقبله بصمت.


