سوريا - محليات
أزمة مياه صاخبة في " أخصب" أرض.. 20 ألف بئر مخالف والمعالجات " دواء مرّ"
ا
العين السورية - درعا - ليلى حسين
نشر في: ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٠:٠٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في درعا، لا تبدأ أزمة المياه من صنبور جاف، ولا تنتهي عند ساعات انقطاع الضخ. فخلف شكاوى المواطنين المتكررة من نقص المياه وتراجع كميات الضخ في عدد من مناطق المحافظة، تتشكل أزمة أكثر تعقيداً تتعلق بمصادر مائية تتراجع غزارتها، ومناسيب جوفية تنخفض، وآبار حُفرت خارج القانون لتسحب من مخزون مائي بات يتعرض لضغط متزايد، في وقت تحتاج فيه الزراعة إلى كميات أكبر من المياه في مواجهة ظروف مناخية أكثر صعوبة.
هطولات لم تشفع
المفارقة أن هذه الأزمة مستمرة رغم أن هذا العام شهد هطولات مطرية جيدة، إذ كان من المفترض أن تساعد الأمطار في دعم المصادر وتعويض جزء من النقص، لكن المشكلة بقيت حاضرة في عدد من مناطق المحافظة. وهذا ما يجعل السؤال يتجاوز كمية الأمطار التي هطلت هذا الموسم، إلى حجم الاستنزاف الذي تعرض له المخزون الجوفي خلال السنوات الماضية، ومدى قدرته على التعافي في ظل استمرار الضخ والاستهلاك.
مخالفات صارخة
وتقدر مديرية الموارد المائية في درعا عدد الآبار المخالفة في المحافظة بنحو 20 ألف بئر، بينها قرابة 14 ألف بئر في الريف الغربي، وفق مدير الموارد المائية في درعا هاني عبدالله في حديثه لـ " العين السورية". إلا أن عبدالله يوضح أن هذه الأرقام تقديرية، إذ لم يُجر خلال الفترة الأخيرة إحصاء حديث وشامل للآبار المخالفة.
ولا يعني وجود هذه الآبار أنها جميعاً تعمل حالياً، بحسب عبدالله، إذ توجد آبار حُفرت بهدف استثمارها في وقت لاحق، إلى جانب آبار يُجرى تشغيلها فعلياً، ما يجعل تحديد حجم الاستنزاف الحقيقي بحاجة إلى معرفة عدد الآبار العاملة فعلياً وكميات المياه التي تضخها.
ويقول عبدالله إن المحافظة شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً واضحاً في مناسيب المياه الجوفية، مرجعاً ذلك إلى عدة أسباب، بينها ضعف الهطولات المطرية الغزيرة في سنوات سابقة، والتغيرات المناخية، والحفر العشوائي للآبار، مشيراً إلى أن الانخفاض يختلف من منطقة إلى أخرى، لكنه كان أكثر وضوحاً في المنطقة الغربية التي تتأثر بسرعة نتيجة كثافة عمليات الحفر.
انحسار متسارع
هذه الصورة الرسمية تتقاطع مع ما يلمسه الأهالي في مناطق مختلفة من درعا. ففي نوى، يقول صافي المذيب إن السكان يلاحظون تراجعاً في توفر المياه مقارنة بالسنوات السابقة، وإن الأسر باتت تركز على تأمين احتياجاتها الأساسية. ويشير إلى أن الأهالي كانوا في السابق يزرعون بعض أنواع الخضروات في حدائق منازلهم، إلا أن ذلك تراجع مع صعوبة تأمين المياه.
ولا يرى المذيب أن المشكلة منفصلة عن واقع الآبار المنتشرة في المنطقة، إذ إن الأهالي يتحدثون باستمرار عن كثرة الآبار والضخ من المياه الجوفية، ويخشون أن يكون الاستنزاف المتواصل قد ساهم في تراجع المصادر التي يعتمدون عليها.
ومن نوى أيضاً، يصف المواطن إسماعيل العبود جانباً آخر من الأزمة يتعلق بالقلق من استمرارها. فالمشكلة بالنسبة إلى السكان لم تعد مرتبطة بصيف واحد أو بفترة انقطاع محددة، وإنما بتغير يلاحظونه عاماً بعد آخر في كميات المياه المتاحة.
ويقول إن الأهالي يخشون أن يؤدي استمرار استنزاف المياه الجوفية إلى وضع أصعب خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا بقيت الحاجة إلى المياه في الزراعة والاستخدامات المنزلية مرتفعة.
وتتصل نوى مباشرة بمنطقة الأشعري التي تشكل أحد مصادر تغذيتها بالمياه. ويقول عبدالله إن غزارة الينابيع في المنطقة تناقصت نتيجة تعرضها لحفر آبار مخالفة، بالتزامن مع التوسع في الزراعات التي تتطلب استهلاكاً زائداً للمياه.
كما يوضح أن انخفاض كميات المياه التي يتم ضخها إلى مدينة نوى من وادي الأشعري يعود إلى زيادة التعديات على الخط المغذي واستخدام المياه في الزراعات، إضافة إلى الانخفاض الحاصل نتيجة الآبار المخالفة.
جولة تكشف حجم الخلل
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه شكاوى الأهالي، أوضح رئيس وحدة مياه نوى أحمد أبو السل وعضو المكتب التنفيذي أحمد خطاب، خلال جولة للمحافظة هدفت إلى البحث عن حل إسعافي لأزمة مياه الشرب، حجم التراجع الحاصل في المصادر وانعكاسه المباشر على سكان المدينة.
وأوضح خطاب أن مدينة نوى التي يزيد عدد سكانها على 100 ألف نسمة تعاني نقصاً حاداً في مياه الشرب نتيجة انخفاض مناسيب المياه الجوفية خلال أشهر الصيف، الأمر الذي انعكس على منسوب مياه الأشعري وأدى إلى تراجع كميات الضخ والمياه الواصلة إلى المدينة.
وأشار إلى أن مشروع مياه نوى يعمل حالياً وفق فترات ضخ متقطعة، ما زاد من معاناة السكان وحمّلهم أعباء مادية إضافية نتيجة اضطرارهم إلى شراء صهاريج المياه لتأمين احتياجاتهم.
وأضاف أبو السل أن انخفاض مناسيب المياه خلال أشهر الحر كان كبيراً وواسعاً، ما دفع إلى البحث عن إجراءات إسعافية، موضحاً أن المحافظة تعمل استناداً إلى تعميم محافظ درعا على ربط الآبار القريبة من محطات الإرواء ضمن مسافة تصل إلى كيلومتر واحد بالمحطات، بهدف رفدها بالمياه وتحسين وصول مياه الشرب وتعويض جزء من النقص الحاصل في مناطق المحافظة.
استنزاف
ولا تقف المشكلة عند نوى، إذ تمثل منطقة الأشعري نموذجاً واضحاً للعلاقة بين تراجع المياه الجوفية والضغط على مصادر مياه الشرب. ويقول عبدالله إن غزارة الينابيع في المنطقة تراجعت نتيجة حفر آبار مخالفة والتوسع في الزراعات التي تتطلب استهلاكاً زائداً للمياه.
كما يوضح أن انخفاض كميات المياه التي يتم ضخها إلى مدينة نوى من وادي الأشعري يعود إلى زيادة التعديات على الخط المغذي واستخدام المياه في الزراعات، إضافة إلى الانخفاض الناتج عن الآبار المخالفة.
ويؤكد عبدالله أن ينابيع المزيريب وتل شهاب كانت من أكبر الشواهد على الانخفاض الكبير في الغزارات، والذي أدى إلى جفافها، فيما لا يزال نبع الهرير موجوداً لكنه سجل بدوره انخفاضاً واضحاً في غزارته.
أما هادي الصبيحي فيتحدث عن انعكاس نقص المياه على حياة السكان اليومية، مشيراً إلى أن تأمين المياه أصبح يحتاج إلى جهد أكبر من السابق، فيما تتضاعف الحاجة إليها خلال فصل الصيف.
الصهاريج ليست حلاً
ويقول أحد المواطنين من المزيريب إن المشكلة لا تتوقف عند البحث عن مصدر للمياه، بل تمتد حتى إلى الصهاريج التي يعتمد عليها الأهالي عند الحاجة، ويوضح أن أغلب أهالي درعا اليوم عندما يطلبون صهريج مياه لا يستطيع صاحبه تأمينه في الوقت نفسه، وقد لا يصل إلا في اليوم التالي بسبب الضغط الكبير وكثرة الطلبات على صهاريج المياه.
ويضيف أن هذا الواقع يعكس حجم الطلب المتزايد على المياه في وقت أصبحت فيه المصادر المتاحة أقل قدرة على تلبية الاحتياجات.
الدواء المرّ
وفي الزراعة، تتخذ المشكلة بعداً أكثر تعقيداً، فالمزارع لا ينظر إلى المياه باعتبارها مورداً منزلياً فقط، وإنما شرطاً أساسياً لاستمرار محصوله.
أحد المواطنين الذين جرى ردم بئره بعد ضبطه كمخالفة، رفض التعريف بنفسه، يقول لـ"العين السورية" إنه حفر البئر العام الماضي لتأمين المياه اللازمة لزراعة القمح، موضحاً أنه لو لم يحفر البئر لكان محصوله سيئاً، لأن القمح يحتاج إلى كميات من المياه، وكان البئر بالنسبة إليه وسيلة للحفاظ على محصوله ومصدر رزقه.
وتوضح هذه الشهادة جانباً من المعضلة التي تواجهها المحافظة: فالمزارع يحتاج إلى المياه لإنجاح محصوله، لكن حفر بئر مخالف يضيف ضغطاً على مورد جوفي تعتمد عليه قطاعات أخرى. وبين الحاجة الزراعية ومتطلبات حماية المخزون الجوفي، تقف الجهات المعنية أمام ملف شديد التعقيد.
وبحسب عبدالله، لا توجد لدى المديرية إحصائية دقيقة لعدد الآبار التي تم ردمها، لكن الآبار التي يتم حفرها حديثاً وتضبطها عناصر الضابطة يُجرى ردمها بالتنسيق مع المفارز الأمنية.
أما الحفارات، فقد بلغ عدد ما تمت مصادرته 76 حفارة موجودة في مرآب الحفارات التابع للمديرية، ضمن الإجراءات المتخذة للحد من عمليات الحفر المخالف.
إجراءات قادمة
ويؤكد عبدالله أن المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات لضبط الاستجرار من الآبار المخالفة، مشدداً على أن المديرية ستتعامل مع المخالفات بحزم، وستطبق القانون وتفرض العقوبات بحق المخالفين للحد من زيادة الضخ الجائر والعشوائي.
لكن ضخامة الرقم التقديري للآبار المخالفة تطرح سؤالاً يتجاوز مسألة ضبط المخالفات: كم من هذه الآبار يعمل فعلياً، وكمية المياه التي يسحبها يومياً؟
فوجود نحو 20 ألف بئر مخالف لا يعني بالضرورة أن جميعها تستنزف المياه بالمعدل نفسه، كما أن ردم عدد من الآبار لا يقدم وحده صورة عن حجم المياه التي تم سحبها خلال السنوات الماضية. ولهذا، فإن غياب إحصاء حديث وشامل يجعل تحديد حجم الاستنزاف الحقيقي أكثر صعوبة.
آثار جفاف سابق
وفي الوقت نفسه، لا تحمل الآبار المخالفة وحدها مسؤولية تراجع الموارد وفق المعطيات التي قدمتها المديرية. فضعف الهطولات خلال سنوات سابقة، والتغيرات المناخية، والتوسع الزراعي، وزيادة الاستهلاك، والتعديات على خطوط المياه، كلها عوامل تتداخل في الأزمة، إلا أن الضخ الجائر والعشوائي يضيف ضغطاً مباشراً إلى مخزون جوفي يعاني أصلاً من التراجع.
وتزداد أهمية هذه النقطة في ظل أن الهطولات المطرية كانت جيدة هذا العام، ومع ذلك بقيت المشكلة قائمة. وهذا يعني أن موسم الأمطار الجيد، رغم أهميته في تغذية المصادر، لم يكن كافياً وحده لإعادة التوازن إلى منظومة تعرضت للاستنزاف لسنوات.
فالمياه الجوفية لا تعود إلى مستوياتها السابقة بمجرد تحسن موسم مطري واحد، خصوصاً إذا استمر السحب من الآبار بمعدلات مرتفعة، وبقيت الزراعة والاستهلاك والتعديات عوامل تضغط على المورد نفسه.
وفي درعا، تتجاور هذه العوامل مع نتائج بدأت تظهر على الأرض: جفاف ينابيع المزيريب وتل شهاب، وانخفاض غزارة نبع الهرير، وتراجع كميات المياه القادمة من وادي الأشعري إلى نوى، إلى جانب شكاوى السكان من تراجع توفر المياه في مناطق مختلفة من المحافظة.
ملف متكامل
وهكذا، فإن قضية الآبار المخالفة لا يمكن التعامل معها كملف منفصل عن مياه الشرب أو الزراعة أو الينابيع. فالبئر يسحب من مخزون واحد، والمخزون نفسه يغذي مصادر متعددة، وأي استنزاف يتجاوز قدرة الطبيعة على التعويض ينعكس في النهاية على الجميع.
لذلك، فإن مواجهة الأزمة تبدأ من معرفة الحقيقة كاملة: كم بئراً يعمل فعلياً؟ كم يضخ من المياه؟ أين يتركز؟ وما الذي بقي من المخزون الجوفي؟
فردم بئر مخالف أو مصادرة حفارة قد يوقف مخالفة، لكنه لا يعيد وحده منسوباً انخفض، ولا يعيد نبعاً جفّ، ولا يعوض سنوات من الضخ.
والمعالجة الحقيقية تبدأ عندما يتحول ملف الآبار من أرقام تقديرية إلى خريطة مائية دقيقة تحدد مصادر الاستنزاف، وحجم المياه المسحوبة، وقدرة كل حوض على التعافي.
وفي درعا، المعركة ليست بين المواطن والمزارع، ولا بين البئر المخالف والجهة الرقابية... المعركة الحقيقية هي على مخزون مائي واحد، إذا استُنزف أكثر مما يتجدد، فلن يكون الخاسر فيه طرفاً واحداً، بل المحافظة بأكملها.


