سوريا - اقتصاد
مشروع الأمن الغذائي في حماة.. هل يتحول الاستثمار السعودي المرتقب إلى واقع إنتاجي؟
قراءة اقتصادية في تفاصيل المشروع الغذائي الاستثماري بين سوريا والسعودية في حماة: الأهداف، تحديات المياه، وآليات التمويل وسلاسل القيمة.
ر
رهام علي
نشر في: ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦، ٢١:٠٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في خطوة تعكس تنامي مؤشرات التعاون الاقتصادي الإقليمي وتفعيل مسارات الشراكة الاستثمارية، بحثت هيئة الاستثمار السورية مع سفير المملكة العربية السعودية في دمشق، غازي بن رافع العنزي، مقترحاً لإقامة مشروع استراتيجي ضخم للأمن الغذائي في محافظة حماة أو ريفها. هذا الطرح الذي يترجم رغبة جادة في بناء شراكات طويلة الأمد يضع في واجهة المشهد الاقتصادي نموذجاً تنموياً نوعياً يربط الإنتاج الزراعي بالصناعة والتسويق الخارجي ضمن منظومة اقتصادية واحدة، وسط ترقب واسع لتحول هذه المباحثات إلى أطر تعاقدية تنفيذية.
ما هو مشروع حماة؟
وفي قراءته التحليلية يشير الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم لـ "العين السورية" إلى أن القراءة الدقيقة للإعلان الرسمي تضع المشروع في خانة "المباحثات الاستكشافية"، وهي أولى خمس مراحل يمر بها أي استثمار:
ما هو مشروع حماة؟
وفي قراءته التحليلية يشير الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم لـ "العين السورية" إلى أن القراءة الدقيقة للإعلان الرسمي تضع المشروع في خانة "المباحثات الاستكشافية"، وهي أولى خمس مراحل يمر بها أي استثمار:
مباحثات، ثم مذكرة تفاهم غير ملزمة، ثم اتفاقية استثمار ملزمة، ثم إغلاق مالي (أي تأمين التمويل فعلياً وتوقيع عقوده)، وصولاً إلى تشغيل تجاري.
ومن الناحية الصحفية والمهنية الدقيقة، لا يجوز وصف المشروع بأنه "استثمار سعودي" قبل المرحلة الثالثة على الأقل.
ويندرج هذا الحراك ضمن مسار أوسع ومتسارع من التقارب الاقتصادي السوري السعودي، تتوج ملامحه الكبرى بما أُعلن عنه في منتدى الاستثمار في 24 تموز عام 2025 من حزمة ضخمة شملت نحو 47 اتفاقية ومذكرة تغطي قطاعات متعددة بقيمة قاربت 24 مليار ريال سعودي تعادل قرابة 6.4 مليار دولار، تزامناً مع إشارات وزير الاستثمار خالد الفالح حول مزارع نموذجية وصناعات تحويلية.
ويلفت عبد الكريم إلى أنه في 8 تموز 2026 وقّع الصندوق السيادي السوري مذكرة تفاهم مع "المهيدب" السعودية لدراسة استثمارات غذائية تشمل مصانع حليب، يليه في أيلول 2026 حديث وزير الزراعة باسل السويدان عن لقاءات مع صندوق التنمية السعودي لبحث تمويل مشاريع زراعية، إلى جانب دراسة افتتاح مكتب تجاري أو استثماري بالسفارة في دمشق؛ وخلاصة المشهد أن الاهتمام السعودي بقطاع الغذاء حقيقي ومتكرر، غير أن بقاء العقوبات حتى نهاية 2025 حال دون تحول العديد من المذكرات إلى حيز التنفيذ الفعلي وفقاً لمسؤولين سوريين.
أمن غذائي أم اكتفاء؟
يبدأ تحليل الجدوى الاقتصادية بتفكيك الفارق بين الاكتفاء الذاتي (إنتاج ما يستهلكه البلد) والأمن الغذائي الذي تقره الأمم المتحدة على أربعة ركائز:

ويندرج هذا الحراك ضمن مسار أوسع ومتسارع من التقارب الاقتصادي السوري السعودي، تتوج ملامحه الكبرى بما أُعلن عنه في منتدى الاستثمار في 24 تموز عام 2025 من حزمة ضخمة شملت نحو 47 اتفاقية ومذكرة تغطي قطاعات متعددة بقيمة قاربت 24 مليار ريال سعودي تعادل قرابة 6.4 مليار دولار، تزامناً مع إشارات وزير الاستثمار خالد الفالح حول مزارع نموذجية وصناعات تحويلية.
ويلفت عبد الكريم إلى أنه في 8 تموز 2026 وقّع الصندوق السيادي السوري مذكرة تفاهم مع "المهيدب" السعودية لدراسة استثمارات غذائية تشمل مصانع حليب، يليه في أيلول 2026 حديث وزير الزراعة باسل السويدان عن لقاءات مع صندوق التنمية السعودي لبحث تمويل مشاريع زراعية، إلى جانب دراسة افتتاح مكتب تجاري أو استثماري بالسفارة في دمشق؛ وخلاصة المشهد أن الاهتمام السعودي بقطاع الغذاء حقيقي ومتكرر، غير أن بقاء العقوبات حتى نهاية 2025 حال دون تحول العديد من المذكرات إلى حيز التنفيذ الفعلي وفقاً لمسؤولين سوريين.
أمن غذائي أم اكتفاء؟
يبدأ تحليل الجدوى الاقتصادية بتفكيك الفارق بين الاكتفاء الذاتي (إنتاج ما يستهلكه البلد) والأمن الغذائي الذي تقره الأمم المتحدة على أربعة ركائز:
توافر الغذاء، والقدرة المادية على الحصول عليه، واستقرار هذا الوصول، وسلامة الغذاء؛ فحاملو الاكتفاء قد تعجز أسرهم عن الشراء، ومستوردو الغذاء قد يكونون آمنين بفضل النقد الأجنبي والدخل.
وتعاني سوريا ضغوطاً حادة في الأركان الأربعة معاً، إذ انخفض إنتاج الحبوب في موسم 2025 بنحو 60% عن المتوسط ليسجل 1.2 مليون طن جراء أسوأ موجة جفاف منذ نحو 36 عاماً، مقابل استهلاك محلي يبلغ نحو 4 ملايين طن قمح، مما خلق فجوة
عجز تستدعي استيراد ملايين الأطنان.
وعلى صعيد القدرة المعيشية، تشير تقارير البنك الدولي إلى أن أكثر من نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي ويواجه ملايين الجوع الحاد وسط انكماش الناتج المحلي وهبوط دخل الفرد وانتشار الفقر.
عجز تستدعي استيراد ملايين الأطنان. وعلى صعيد القدرة المعيشية، تشير تقارير البنك الدولي إلى أن أكثر من نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي ويواجه ملايين الجوع الحاد وسط انكماش الناتج المحلي وهبوط دخل الفرد وانتشار الفقر.
من هنا، يوضح عبد الكريم أن مشروع تصنيع الخضار والفاكهة لا يعالج مباشرة فجوة القمح الكبرى، غير أنه يستطيع معالجة ركنين حيويين، هما استقرار الإمدادات عبر التخزين والتصنيع الحفظي، والوصول عبر الدخل الذي يوفره للمزارعين والعمال المتعاقدين.
حماة.. سلة الغد الزراعية في اختبار العطش
يستند اختيار محافظة حماة وفقاً لـ عبد الكريم إلى ثلاث مزايا استراتيجية؛ تبدأ بالأولى زراعياً عبر سهل الغاب الذي يقارب 50 ألف هكتار ويمثل السلة الغذائية الثانية للبلاد إلى جانب حوض العاصي بمساحات القمح المروي المرصودة بموسم 2025.
حماة.. سلة الغد الزراعية في اختبار العطش
يستند اختيار محافظة حماة وفقاً لـ عبد الكريم إلى ثلاث مزايا استراتيجية؛ تبدأ بالأولى زراعياً عبر سهل الغاب الذي يقارب 50 ألف هكتار ويمثل السلة الغذائية الثانية للبلاد إلى جانب حوض العاصي بمساحات القمح المروي المرصودة بموسم 2025.
وتتمثل الثانية لوجستياً في موقعها المتوسط الرابط بين الشمال والوسط والجنوب والساحل كعقدة توزيع وبوابة تصدير، وتتكاملان مع قاعدة بشرية واسعة من العمالة المتراكمة الخبرة، وهي المزية الثالثة.
وفي المقابل، يحذر عبد الكريم من قيود مائية وبيئية جدية تتمثل في تراجع السعة المجمعة لسدي قطينة والرستن على العاصي إلى نحو 49 مليون متر مكعب (قرابة 45% من متوسط التدفق)، وتراجع المساحات المروية بفعل تدمير منشآت الري وارتفاع كلفة آبار الديزل، بالتوازي مع جهود مديرية الموارد المائية و"الفاو" لإعادة تأهيل شبكات كسد أفاميا وقناة J2، فضلاً عن تعقيدات ملكية الأراضي وحقوق النازحين بخطوط التماس؛ ورغم ذلك ترجح حماة لجمعها بين الموقع اللوجستي والقاعدة الزراعية لا الوفرة المائية، مما يرجح إقامة المصنع قرب المدينة أو الطريق الدولي بينما يعتمد الإنتاج على شبكة مزارع متعاقدة لا مزرعة واحدة كبرى.
تعظيم القيمة المضافة وآليات التمويل المرتقبة
يتجسد العمق الحقيقي للمشروع في بناء سلسلة قيمة مضافة متكاملة تبدأ بالإنتاج الزراعي، مروراً بالفرز والتدريج لرفع القيمة وتوجيه الدرجات الأدنى للتصنيع بدل إهدارها، ثم التبريد لإطالة عمر المحاصيل، وصولاً للتصنيع والتعليب والتغليف وفق المعايير العالمية للتصدير.
تعظيم القيمة المضافة وآليات التمويل المرتقبة
يتجسد العمق الحقيقي للمشروع في بناء سلسلة قيمة مضافة متكاملة تبدأ بالإنتاج الزراعي، مروراً بالفرز والتدريج لرفع القيمة وتوجيه الدرجات الأدنى للتصنيع بدل إهدارها، ثم التبريد لإطالة عمر المحاصيل، وصولاً للتصنيع والتعليب والتغليف وفق المعايير العالمية للتصدير.
حيث يمثل تحويل الطماطم إلى معجون مركز نموذجاً لتعظيم القيمة وحفظ الفوائض لعامين، شرط ضبط المدخلات الوسيطة كطاقة التبخير ومواد التعبئة لضمان هوامش ربح حقيقية. 
وفي جانب التمويل، يشير الخبير الاقتصادي إلى احتمال تدخل صندوق الاستثمارات العامة عبر ذراعه الغذائية المتخصصة "سالك" ذات السجل الدولي الواسع، متعدداً بين صيغ هيكلية تشمل الاستثمار المباشر، والشراكة مع القطاع الخاص أو الصندوق السيادي المحلي، أو التمويل التنموي الميسر، أو الاكتفاء بعقد إشراف وإدارة فنية، مع بقاء الاتفاقية الملزمة الفيصل في تحديد الالتزامات وتقاسم المخاطر وتحويل الأرباح.
بين دعم السوق المحلية وعائدات النقد الأجنبي
على صعيد الناتج المحلي الإجمالي، يوضح عبد الكريم أن الإضافة الاقتصادية الحقيقية لا تُقاس بإجمالي المبيعات بل بصافي القيمة المضافة بعد خصم المدخلات الوسيطة.

وفي جانب التمويل، يشير الخبير الاقتصادي إلى احتمال تدخل صندوق الاستثمارات العامة عبر ذراعه الغذائية المتخصصة "سالك" ذات السجل الدولي الواسع، متعدداً بين صيغ هيكلية تشمل الاستثمار المباشر، والشراكة مع القطاع الخاص أو الصندوق السيادي المحلي، أو التمويل التنموي الميسر، أو الاكتفاء بعقد إشراف وإدارة فنية، مع بقاء الاتفاقية الملزمة الفيصل في تحديد الالتزامات وتقاسم المخاطر وتحويل الأرباح.
بين دعم السوق المحلية وعائدات النقد الأجنبي
على صعيد الناتج المحلي الإجمالي، يوضح عبد الكريم أن الإضافة الاقتصادية الحقيقية لا تُقاس بإجمالي المبيعات بل بصافي القيمة المضافة بعد خصم المدخلات الوسيطة.
ورغم أن الأثر الرقمي للمشروع يقتصر على كسور محدودة من الاقتصاد الكلي، إلا أن قيمته النوعية تبرز في نقل التقنيات الحديثة ومعايير السلامة وإرساء قواعد الإنتاج العنقودي المتكامل.
كما تتطلب الموازنة بين الأمن الغذائي المحلي والتصدير تخصيصاً دقيقاً يوجه السلع الأساسية مديدة الاستهلاك نحو السوق الداخلية بأسعار مدعومة، بينما يخصص الفائض النوعي الرفيع للأسواق الخارجية لجلب النقد الأجنبي اللازم لاستيراد السلع الاستراتيجية كالقمح.
نماذج الشراكة ودروس دولية لإنقاذ المشروع
في نماذج الشراكة، تتأرجح الخيارات بين "السلسلة المغلقة" (الاستحواذ المباشر على آلاف الهكتارات وما تثيره من حساسيات اجتماعية) و" المركز المحوري Hub " القائم على التعاقد مع آلاف المزارعين وتوفير البذور والإرشاد، ليبقى الخيار الأفضل هو النموذج المختلط المتمثل بمزرعة نموذجية صغرى إلى جانب شبكة تعاقدية واسعة.
نماذج الشراكة ودروس دولية لإنقاذ المشروع
في نماذج الشراكة، تتأرجح الخيارات بين "السلسلة المغلقة" (الاستحواذ المباشر على آلاف الهكتارات وما تثيره من حساسيات اجتماعية) و" المركز المحوري Hub " القائم على التعاقد مع آلاف المزارعين وتوفير البذور والإرشاد، ليبقى الخيار الأفضل هو النموذج المختلط المتمثل بمزرعة نموذجية صغرى إلى جانب شبكة تعاقدية واسعة.
وخارجياً، وفي ظل غياب التزام سعودي مسبق بالشراء رغم دور "سالك" في فتح شبكات التوزيع، تتطلب أسواق الخليج شهادات صارمة كالأيزو 22000، مع الاستفادة من إعفاءات منطقة التجارة الحرة وقربي الأردن والعراق وسط منافسة محتدمة من مصر وتركيا
ويستند عبد الكريم إلى ثلاث تجارب دولية كدروس مستفادة لسوريا:
1. نموذج المغرب الأخضر (2008 - 2020): ربط المستثمرين بصغار المزارعين عبر عقود وحوافز حكومية، ونجح في الحمضيات والزيتون مع تحديات بالضغط على الجوفية.
2. المجمعات الزراعية في إثيوبيا: عانت من ضعف التشغيل لانقطاع الكهرباء وضعف الربط مع المزارعين، مؤكدة أن البنية الصناعية وحدها لا تكفي.
3. هيئة تطوير الشاي في كينيا: يملك صغار المزارعين المصانع عبر شركات مساهمة ويحصلون على جزء من عوائد التصدير.
ويستند عبد الكريم إلى ثلاث تجارب دولية كدروس مستفادة لسوريا:
1. نموذج المغرب الأخضر (2008 - 2020): ربط المستثمرين بصغار المزارعين عبر عقود وحوافز حكومية، ونجح في الحمضيات والزيتون مع تحديات بالضغط على الجوفية.
2. المجمعات الزراعية في إثيوبيا: عانت من ضعف التشغيل لانقطاع الكهرباء وضعف الربط مع المزارعين، مؤكدة أن البنية الصناعية وحدها لا تكفي.
3. هيئة تطوير الشاي في كينيا: يملك صغار المزارعين المصانع عبر شركات مساهمة ويحصلون على جزء من عوائد التصدير.
لتتلخص الدروس المستفادة في إشراك المزارع بالقيمة لا التوريد فقط، تأمين الطاقة والمياه أولاً، وحماية المياه الجوفية.
خارطة طريق السنوات الخمس القادمة
تتوزع السيناريوهات المستقبلية وفقاً لـ عبد الكريم خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة بين:
خارطة طريق السنوات الخمس القادمة
تتوزع السيناريوهات المستقبلية وفقاً لـ عبد الكريم خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة بين:
سيناريو إيجابي يقضي بتوقيع اتفاقية ملزمة خلال عام 2027 والإغلاق المالي والتشغيل بنسبة 75 بالمئة مع بدء التصدير للخليج، وسيناريو أساسي يقوم على تأخر التوقيع والتنفيذ على مراحل أصغر بتشغيل يتراوح بين 50 إلى 60 بالمئة نتيجة تحديات الكهرباء والتركيز على السوق المحلية، وصولاً إلى سيناريو سلبي يتمثل ببقاء المشروع في مرحلة المذكرات أو تعثره بسبب نزاعات الأراضي والمياه ليتحول إلى أصول معطلة.
في حين تتمثل مؤشرات النجاح خلال الأشهر الستة الأولى في صدور الاتفاقية الملزمة وتحديد الكيان وتخصيص الأراضي، لتمتد في السنة الأولى نحو إنجاز البنية التحتية وعقود الزراعة، وتتوج في السنوات الثلاث الأولى بمستويات التشغيل وإنتاجية المياه وخفض الفاقد وتوليد الوظائف وعائدات التصدير بما يعكس أثراً نوعياً يختبر قدرة البلاد على تحويل مذكرات التفاهم إلى واقع إنتاجي ملموس.
في حين تتمثل مؤشرات النجاح خلال الأشهر الستة الأولى في صدور الاتفاقية الملزمة وتحديد الكيان وتخصيص الأراضي، لتمتد في السنة الأولى نحو إنجاز البنية التحتية وعقود الزراعة، وتتوج في السنوات الثلاث الأولى بمستويات التشغيل وإنتاجية المياه وخفض الفاقد وتوليد الوظائف وعائدات التصدير بما يعكس أثراً نوعياً يختبر قدرة البلاد على تحويل مذكرات التفاهم إلى واقع إنتاجي ملموس.


