سوريا - اقتصاد
«الماكف».. سوق ريفي يختصر الطريق إلى الحسكة عن عشرات القرى
لا تقتصر أهمية السوق على البيع والشراء، بل تتجاوزهما إلى تخفيف أعباء التنقل عن السكان
أ
أحمد العجور
نشر في: ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦، ٢٢:٠٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

مع ساعات الصباح الأولى، تبدأ الحركة في سوق الحدادية بريف الحسكة الجنوبي، المعروف محلياً باسم «الماكف»، حيث يتوافد الأهالي من القرى المحيطة لشراء احتياجاتهم اليومية، فيما يعرض المزارعون منتجاتهم، ويجتمع مربّو المواشي والباعة في مساحة تحولت إلى نقطة تجارية تخدم عشرات القرى.
لا تقتصر أهمية السوق على البيع والشراء، بل تتجاوزهما إلى تخفيف أعباء التنقل عن السكان، وتوفير منفذ قريب لتسويق المنتجات الزراعية والمواشي، في منطقة تتباعد فيها القرى وتشكّل المسافة إلى مدينة الحسكة عبئاً إضافياً على كثير من العائلات.
وبحسب الأهالي الذين تحدثوا إلى «العين السورية»، يخدم السوق نحو 40 إلى 50 قرية من ريف الشدادي والحسكة والمناطق المحيطة، ما يجعله وجهة يومية لتأمين احتياجات يصعب على بعض السكان الحصول عليها من مراكز المدن بصورة منتظمة.
سوق قريب يوفّر تكاليف التنقل
بالنسبة إلى محمد السلمان، الذي يقطن على مسافة تتراوح بين أربعة وخمسة كيلومترات من السوق، يشكّل «الماكف» خياراً عملياً لشراء احتياجات المنزل، إذ يتوجه إليه بدراجته النارية المزوّدة بصندوق لنقل المشتريات.
يقول السلمان إن السوق يوفّر الخضار واللحوم والمواد الأساسية بأسعار يراها مناسبة، مشيراً إلى أن قربه من القرى المحيطة يجنّب الأهالي قطع مسافات أطول للوصول إلى مدينة الحسكة، وما يرافق ذلك من تكاليف نقل إضافية.
ويضيف أن نشاط السوق تعزز في فترات سابقة، عندما كانت الظروف الأمنية تصعّب وصول السكان إلى المدينة، فبدأ الباعة بتوفير السكر والشاي والخضار واللحوم وغيرها من السلع، ليستمر السوق لاحقاً في أداء دوره بسبب حاجة السكان إليه وقربه منهم.
المواشي.. بيع قريب يخفف أعباء المربين
في قسم المواشي، يقضي أبو غازي ساعات عمله وسيطاً في عمليات بيع وشراء الأغنام والأبقار، وهي مهنة يقول إنه يمارسها منذ السنوات الأولى لتأسيس السوق.
وتقوم مهمته على التوفيق بين البائع والمشتري مقابل أجر، في سوق يتيح للمربين عرض مواشيهم أمام المشترين من القرى القريبة، بدلاً من نقلها إلى أسواق أبعد.
ويوضح أبو غازي أن نقل المواشي إلى أسواق في الحسكة أو الرقة أو دير الزور يضيف تكاليف قد تتراوح، بحسب الوجهة، بين 50 ألفاً و200 أو 300 ألف ليرة سورية، وفق تقديره، ما يجعل البيع في السوق المحلي خياراً أقل كلفة لبعض المربين.
ويرى أن السوق يشكّل منفذاً مهماً لأصحاب المواشي والأهالي على حد سواء، إذ يختصر المسافة ويتيح تداول الثروة الحيوانية داخل المنطقة، إلى جانب توفير منتجات وسلع أخرى يحتاج إليها السكان.
منى العلاوي.. من زراعة الأرض إلى بسطة في السوق
على طرف السوق، تفترش منى العلاوي بسطة صغيرة تعرض عليها حزم البقدونس والنعناع والبصل وغيرها من المنتجات التي تزرعها قرب منزلها، على مساحة تقارب دونماً واحداً.
تقول العلاوي إنها تبيع يومياً نحو 50 إلى 60 حزمة، بسعر يبلغ 1500 ليرة سورية للحزمة، وفق ما ذكرته لـ«العين السورية». ومن هذا العمل تحاول تأمين احتياجات أسرتها، بعد وفاة زوجها، مع تحمّل مسؤولية إعالة أطفالها.
ولا تنتهي علاقتها بالسوق عند بيع ما زرعته؛ فبعد أن تجمع حصيلة يومها، تشتري منه الخبز واللحوم وبعض احتياجات المنزل، لتصبح حركتها بين البسطة والباعة الآخرين جزءاً من دورة اقتصادية صغيرة تؤمّن من خلالها دخلها وتدبّر شؤون أسرتها.
وتعكس تجربة العلاوي جانباً من الدور الذي يؤديه السوق للأسر التي تعتمد على الإنتاج الزراعي المحدود، إذ يوفّر لها مكاناً قريباً لبيع منتجاتها والوصول إلى المشترين من دون الحاجة إلى تحمّل تكاليف نقلها إلى المدينة.
منتجات محلية تبقى في متناول السكان
لا يقتصر نشاط «الماكف» على الخضار والمواشي، بل يشمل مواد تموينية وسلعاً أخرى يحتاج إليها سكان القرى المحيطة. ويتيح تنوع البضائع للأهالي شراء أكثر من حاجة في زيارة واحدة، فيما يجد المنتجون المحليون منفذاً لعرض ما يزرعونه أو يربّونه.
ويرى محمد النوري، الخبير الاقتصادي في حركة الأسواق بمدينة الحسكة، أن الأسواق الريفية، ومنها سوق الحدادية، تؤدي دوراً مهماً في ربط المنتجين بالمستهلكين، وتخفيف تكاليف النقل على المزارعين ومربي المواشي، فضلاً عن تقليل الأعباء التي يتحملها السكان عند التوجه إلى مراكز المدن لتأمين احتياجاتهم.
ويقول النوري إن تداول المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية محلياً يمكن أن يعزز توافرها في المنطقة، ويخفف الحاجة إلى جلب كميات من خارج المحافظة، موضحاً أن خروج المنتجات المحلية بكميات كبيرة، مقابل الاعتماد على شراء منتجات من محافظات أخرى، قد يؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار، بما يزيد الأعباء المعيشية على السكان.
ويضيف أن وجود سوق قريب من المنتجين يسهّل وصول منتجاتهم إلى المستهلكين ويخفّض تكاليف نقلها، معتبراً أن الحفاظ على هذه الأسواق وتوسيعها يمكن أن يدعم النشاط الاقتصادي المحلي، ولا سيما إذا ترافق مع استمرار الإنتاج وتلبية احتياجات السكان.
ويدعو النوري إلى إنشاء أسواق مشابهة في مناطق أخرى، وتنظيم السوق القائم وتقسيمه إلى أقسام مخصصة للخضار والمواد التموينية والمواشي، بما يحسّن حركة البيع والشراء ويساعد على استمرارية النشاط التجاري.
سوق يخدم شبكة من القرى
في الحدادية، لا تبدو أهمية «الماكف» مرتبطة بحجم البضائع التي تدخل إليه فقط، بل أيضاً بما يختصره من مسافات وتكاليف، وبما يوفره من منفذ للبيع والشراء لسكان القرى المحيطة.
فبالنسبة إلى محمد السلمان، هو مكان قريب لتأمين احتياجات المنزل، وبالنسبة إلى أبي غازي، مساحة لتسويق المواشي وتسهيل عمليات البيع، أما منى العلاوي، فيمثل فرصة لبيع إنتاجها الزراعي وتأمين دخل يساعدها على إعالة أسرتها.
وبين هذه التجارب، يبرز السوق بوصفه حلقة اقتصادية محلية تربط المنتج بالمستهلك، وتمنح سكان عشرات القرى فرصة لتلبية جزء من احتياجاتهم بالقرب من أماكن سكنهم.
ويرى النوري أن تطوير هذه الأسواق وتنظيمها يمكن أن يعزز دورها في دعم الإنتاج المحلي، فيما تبقى معرفة حجم مساهمتها الفعلية في تلبية احتياجات المنطقة مرتبطة ببيانات دقيقة عن حجم الإنتاج والمبيعات والكميات التي تدخل إلى المحافظة أو تخرج منها.
لا تقتصر أهمية السوق على البيع والشراء، بل تتجاوزهما إلى تخفيف أعباء التنقل عن السكان، وتوفير منفذ قريب لتسويق المنتجات الزراعية والمواشي، في منطقة تتباعد فيها القرى وتشكّل المسافة إلى مدينة الحسكة عبئاً إضافياً على كثير من العائلات.
وبحسب الأهالي الذين تحدثوا إلى «العين السورية»، يخدم السوق نحو 40 إلى 50 قرية من ريف الشدادي والحسكة والمناطق المحيطة، ما يجعله وجهة يومية لتأمين احتياجات يصعب على بعض السكان الحصول عليها من مراكز المدن بصورة منتظمة.
سوق قريب يوفّر تكاليف التنقل
بالنسبة إلى محمد السلمان، الذي يقطن على مسافة تتراوح بين أربعة وخمسة كيلومترات من السوق، يشكّل «الماكف» خياراً عملياً لشراء احتياجات المنزل، إذ يتوجه إليه بدراجته النارية المزوّدة بصندوق لنقل المشتريات.

يقول السلمان إن السوق يوفّر الخضار واللحوم والمواد الأساسية بأسعار يراها مناسبة، مشيراً إلى أن قربه من القرى المحيطة يجنّب الأهالي قطع مسافات أطول للوصول إلى مدينة الحسكة، وما يرافق ذلك من تكاليف نقل إضافية.
ويضيف أن نشاط السوق تعزز في فترات سابقة، عندما كانت الظروف الأمنية تصعّب وصول السكان إلى المدينة، فبدأ الباعة بتوفير السكر والشاي والخضار واللحوم وغيرها من السلع، ليستمر السوق لاحقاً في أداء دوره بسبب حاجة السكان إليه وقربه منهم.
المواشي.. بيع قريب يخفف أعباء المربين
في قسم المواشي، يقضي أبو غازي ساعات عمله وسيطاً في عمليات بيع وشراء الأغنام والأبقار، وهي مهنة يقول إنه يمارسها منذ السنوات الأولى لتأسيس السوق.
وتقوم مهمته على التوفيق بين البائع والمشتري مقابل أجر، في سوق يتيح للمربين عرض مواشيهم أمام المشترين من القرى القريبة، بدلاً من نقلها إلى أسواق أبعد.
ويوضح أبو غازي أن نقل المواشي إلى أسواق في الحسكة أو الرقة أو دير الزور يضيف تكاليف قد تتراوح، بحسب الوجهة، بين 50 ألفاً و200 أو 300 ألف ليرة سورية، وفق تقديره، ما يجعل البيع في السوق المحلي خياراً أقل كلفة لبعض المربين.
ويرى أن السوق يشكّل منفذاً مهماً لأصحاب المواشي والأهالي على حد سواء، إذ يختصر المسافة ويتيح تداول الثروة الحيوانية داخل المنطقة، إلى جانب توفير منتجات وسلع أخرى يحتاج إليها السكان.
منى العلاوي.. من زراعة الأرض إلى بسطة في السوق
على طرف السوق، تفترش منى العلاوي بسطة صغيرة تعرض عليها حزم البقدونس والنعناع والبصل وغيرها من المنتجات التي تزرعها قرب منزلها، على مساحة تقارب دونماً واحداً.
تقول العلاوي إنها تبيع يومياً نحو 50 إلى 60 حزمة، بسعر يبلغ 1500 ليرة سورية للحزمة، وفق ما ذكرته لـ«العين السورية». ومن هذا العمل تحاول تأمين احتياجات أسرتها، بعد وفاة زوجها، مع تحمّل مسؤولية إعالة أطفالها.
ولا تنتهي علاقتها بالسوق عند بيع ما زرعته؛ فبعد أن تجمع حصيلة يومها، تشتري منه الخبز واللحوم وبعض احتياجات المنزل، لتصبح حركتها بين البسطة والباعة الآخرين جزءاً من دورة اقتصادية صغيرة تؤمّن من خلالها دخلها وتدبّر شؤون أسرتها.
وتعكس تجربة العلاوي جانباً من الدور الذي يؤديه السوق للأسر التي تعتمد على الإنتاج الزراعي المحدود، إذ يوفّر لها مكاناً قريباً لبيع منتجاتها والوصول إلى المشترين من دون الحاجة إلى تحمّل تكاليف نقلها إلى المدينة.
منتجات محلية تبقى في متناول السكان
لا يقتصر نشاط «الماكف» على الخضار والمواشي، بل يشمل مواد تموينية وسلعاً أخرى يحتاج إليها سكان القرى المحيطة. ويتيح تنوع البضائع للأهالي شراء أكثر من حاجة في زيارة واحدة، فيما يجد المنتجون المحليون منفذاً لعرض ما يزرعونه أو يربّونه.
ويرى محمد النوري، الخبير الاقتصادي في حركة الأسواق بمدينة الحسكة، أن الأسواق الريفية، ومنها سوق الحدادية، تؤدي دوراً مهماً في ربط المنتجين بالمستهلكين، وتخفيف تكاليف النقل على المزارعين ومربي المواشي، فضلاً عن تقليل الأعباء التي يتحملها السكان عند التوجه إلى مراكز المدن لتأمين احتياجاتهم.

ويقول النوري إن تداول المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية محلياً يمكن أن يعزز توافرها في المنطقة، ويخفف الحاجة إلى جلب كميات من خارج المحافظة، موضحاً أن خروج المنتجات المحلية بكميات كبيرة، مقابل الاعتماد على شراء منتجات من محافظات أخرى، قد يؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار، بما يزيد الأعباء المعيشية على السكان.
ويضيف أن وجود سوق قريب من المنتجين يسهّل وصول منتجاتهم إلى المستهلكين ويخفّض تكاليف نقلها، معتبراً أن الحفاظ على هذه الأسواق وتوسيعها يمكن أن يدعم النشاط الاقتصادي المحلي، ولا سيما إذا ترافق مع استمرار الإنتاج وتلبية احتياجات السكان.
ويدعو النوري إلى إنشاء أسواق مشابهة في مناطق أخرى، وتنظيم السوق القائم وتقسيمه إلى أقسام مخصصة للخضار والمواد التموينية والمواشي، بما يحسّن حركة البيع والشراء ويساعد على استمرارية النشاط التجاري.
سوق يخدم شبكة من القرى
في الحدادية، لا تبدو أهمية «الماكف» مرتبطة بحجم البضائع التي تدخل إليه فقط، بل أيضاً بما يختصره من مسافات وتكاليف، وبما يوفره من منفذ للبيع والشراء لسكان القرى المحيطة.
فبالنسبة إلى محمد السلمان، هو مكان قريب لتأمين احتياجات المنزل، وبالنسبة إلى أبي غازي، مساحة لتسويق المواشي وتسهيل عمليات البيع، أما منى العلاوي، فيمثل فرصة لبيع إنتاجها الزراعي وتأمين دخل يساعدها على إعالة أسرتها.
وبين هذه التجارب، يبرز السوق بوصفه حلقة اقتصادية محلية تربط المنتج بالمستهلك، وتمنح سكان عشرات القرى فرصة لتلبية جزء من احتياجاتهم بالقرب من أماكن سكنهم.
ويرى النوري أن تطوير هذه الأسواق وتنظيمها يمكن أن يعزز دورها في دعم الإنتاج المحلي، فيما تبقى معرفة حجم مساهمتها الفعلية في تلبية احتياجات المنطقة مرتبطة ببيانات دقيقة عن حجم الإنتاج والمبيعات والكميات التي تدخل إلى المحافظة أو تخرج منها.


