سوريا - اقتصاد
قانون الضرائب الجديد في سوريا.. بين طموح الشراكة ومخاوف العدالة الضريبية
ما زال مشروع قانون الضرائب والرسوم الجديد في سوريا يثير نقاشاً حول قدرته على فتح صفحة جديدة من الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية، وتحقيق التوازن بين احتياجات الخزينة العامة ومتطلبات النشاط الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
ن
نورا حربا
نشر في: ١١ أكتوبر ٢٠٢٦، ٢١:٤٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تعوّل وزارة المالية على مشروع قانون الضرائب والرسوم الجديد في سوريا، بوصفه خطوة نحو الانتقال من مفهوم الجباية إلى التنمية والبناء والشراكة.
إلى جانب معالجة المشكلات المزمنة التي تعاني منها المنظومة الضريبية، وتأمين الموارد اللازمة لتمكين الدولة من تنفيذ خططها الاقتصادية والاستراتيجية.
لكن هذه الطموحات تطرح تساؤلات حول مدى قدرة المشروع على تحقيق العدالة الضريبية، وتوزيع الأعباء بصورة متوازنة، وتوسيع القاعدة الضريبية من دون إضعاف المنشآت الاقتصادية أو تحميل المستهلكين تكاليف إضافية.
وبينما يرى قانونيون أن المشروع يتضمن تحولات مهمة في طبيعة التكليف الضريبي وضمانات التقاضي، يحذر باحثون اقتصاديون من أن بعض خياراته قد تثير إشكاليات تتعلق بالعدالة الاجتماعية والإعفاءات وحجم الإيرادات المتوقعة.
آثار اقتصادية محتملة
يرى الخبير المتخصص في التخطيط الاقتصادي وتأسيس الشركات القابضة مهند الزنبركجي، في حديثه لـ«العين السورية»، أن التقييم الاقتصادي لأي مشروع قانون لا يتوقف عند الأهداف المعلنة، وإنما يرتبط بمدى ترجمة هذه الأهداف إلى أحكام واضحة وقابلة للتطبيق، وبالنتائج التي ستنعكس على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والصناعيين والتجار وأصحاب المهن والمواطنين.
ويؤكد أن القانون الذي يحقق العدالة الضريبية هو الذي يربط العبء الضريبي بالقدرة الفعلية على الدفع، ويميز بين الأرباح الحقيقية والإيرادات الاسمية، ويراعي اختلاف طبيعة الأنشطة الاقتصادية وهوامش الربح فيها، ولا يفرض التزامات تؤدي إلى إضعاف المؤسسات التي تحاول استعادة نشاطها أو دفعها إلى العمل خارج الاقتصاد المنظم.
وتبرز أهمية هذه المسألة في سوريا بصورة خاصة، وفق الزنبركجي، لأن العديد من المنشآت ما زالت تعمل في ظروف صعبة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية والتمويل، إلى جانب تراجع الطلب المحلي وضعف القدرة الشرائية.
وفي مثل هذه الظروف، فإن فرض أعباء ضريبية لا تتناسب مع الأرباح الفعلية قد يؤدي إلى تقليص الاستثمارات، وتأجيل التوسع، وخفض فرص العمل، أو تحميل المستهلك جزءاً من الكلفة الإضافية عبر رفع الأسعار.
لذلك، فإن إيجابيات المشروع ينبغي أن تُقاس بقدرته على توسيع القاعدة الضريبية وزيادة عدد الملتزمين بصورة طوعية، وليس فقط بزيادة المبالغ التي تحصلها الإدارة المالية من المكلفين الحاليين.
أعباء إدارية ومحاسبية
يشير الزنبركجي إلى أن السلبيات المحتملة تتمثل في احتمال أن تؤدي بعض الأحكام، إذا لم تتم صياغتها بدقة أو لم تُدعم بتعليمات تنفيذية واضحة، إلى خلق أعباء إدارية ومحاسبية جديدة، ولا سيما على أصحاب المنشآت الصغيرة التي لا تمتلك أنظمة محاسبية متطورة أو القدرة على تحمل تكاليف إضافية للمحاسبة والتدقيق.
كما أن التحول إلى الفوترة الإلكترونية والربط الرقمي، على أهميته، يحتاج إلى بنية تقنية موثوقة، وإجراءات مبسطة، وفترة انتقالية كافية، وتدريب للمكلفين والعاملين في الإدارة الضريبية.
فالرقمنة يجب أن تكون وسيلة لتسهيل الالتزام وخفض التكاليف، لا سبباً في تعقيد المعاملات أو تعطيل الأعمال.
الجمع بين حق الدولة والمكلف
ويوضح الزنبركجي أن التوازن المطلوب هو الجمع بين حق الدولة في تحصيل الضرائب المستحقة، وحق المكلف في معرفة التزاماته مسبقاً، والحصول على معاملة متساوية، والاعتراض على أي تكليف غير صحيح.
كما ينبغي ألا يُنظر إلى الإيرادات الضريبية بمعزل عن أثرها في النشاط الاقتصادي؛ فكلما توسعت قاعدة الإنتاج، وازدادت المبيعات والأرباح وفرص العمل، اتسعت القاعدة الضريبية بصورة أكثر استدامة.
أما الاعتماد على زيادة العبء على النشاط القائم من دون معالجة أسباب الركود وضعف الإنتاج، فقد يحقق إيرادات قصيرة الأجل، لكنه قد يحد من النمو الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل.
مشاورات أوسع وفترة انتقالية
وعن مدى حصول مشروع القانون على حقه من النقاش والتشاور، يوضح الزنبركجي أنه من المهم أن تشمل المشاورات غرف التجارة والصناعة والزراعة، واتحادات الحرفيين، وجمعيات المحاسبين القانونيين، وخبراء الضرائب والاقتصاد، وممثلي المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى ممثلين عن العمال والمستهلكين والمجتمع المدني.
فلكل جهة زاوية مختلفة في تقييم المشروع، وقد تكشف هذه المناقشات عن آثار جانبية محتملة لبعض المواد، أو عن صعوبات عملية في تنفيذها، أو عن فرص لتحسين الصياغة بما يحقق أهداف الإصلاح من دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي.
ويضيف أنه لا يكفي أن تتم المشاورات بصورة عامة، بل ينبغي أن تكون مبنية على عرض واضح لمواد المشروع، مع شرح طريقة احتساب الضرائب والرسوم، والأعباء التي ستترتب على مختلف القطاعات، والحقوق التي سيحصل عليها المكلفون في المقابل.
ومن الأفضل نشر الملاحظات التي تقدمها الجهات المشاركة، وبيان التعديلات التي أُدخلت على المشروع استجابة لها، حتى يشعر المكلف بأن مشاركته حقيقية وليست مجرد إجراء لاستكمال المسار التشريعي.
كذلك، من الضروري إتاحة فترة انتقالية مناسبة قبل بدء التطبيق الكامل، ولا سيما عندما تتطلب الأحكام الجديدة تعديلات في الأنظمة المحاسبية أو آليات إصدار الفواتير أو إجراءات تقديم الإقرارات.
فالإصلاح الضريبي الناجح لا يعتمد على سرعة إصدار القانون، بل على جودة إعداده ووضوحه وقدرة المؤسسات والمكلفين على تنفيذه.
من التفتيش التقليدي إلى التحليل الإلكتروني
وعن مدى قدرة مشروع القانون على معالجة المشكلات المزمنة التي تعاني منها منظومة الجباية، يرى الزنبركجي أن نجاح القانون في مكافحة التهرب يتطلب الانتقال من أسلوب يعتمد أساساً على التفتيش التقليدي والتقديرات العامة، إلى إدارة ضريبية تعتمد على المعلومات الموثقة والتحليل الإلكتروني للمخاطر، وتوجه الرقابة إلى الحالات التي توجد فيها مؤشرات فعلية على عدم الإفصاح أو التلاعب.
وتساعد الفوترة الإلكترونية، والربط بين بيانات البيع والشراء والاستيراد، وتطوير قواعد المعلومات، على كشف التناقضات في التصريحات الضريبية وتقليص فرص إخفاء الإيرادات.
لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين التهرب المتعمد، وبين الأخطاء المحاسبية أو التأخر في السداد نتيجة صعوبات مالية حقيقية.
فالحالات الأولى تستدعي إجراءات قانونية رادعة ومتناسبة، بينما تحتاج الحالات الأخرى إلى آليات واضحة لتصحيح الأخطاء وتسوية الالتزامات وفق ضوابط محددة. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول مكافحة التهرب إلى عبء إضافي على المنشآت الملتزمة التي تواجه صعوبات في العمل.
في المقابل، يرى الزنبركجي أن الثقة لا تُبنى من جانب واحد، إذ ينبغي أن يلتزم المكلفون أيضاً بتقديم بيانات صحيحة، وإصدار الفواتير، وتوثيق المصروفات والإيرادات، وتسديد الضرائب المستحقة في مواعيدها.
وتكمن المعادلة المطلوبة في أن تقدم الدولة نظاماً عادلاً وشفافاً، مقابل التزام طوعي أوسع من القطاع الخاص. وكلما اتسعت دائرة الالتزام، أمكن تخفيف الضغط عن المكلفين الملتزمين وتوزيع العبء بصورة أكثر عدالة.
ولهذا السبب، يجب أن تراعي أساليب الجباية دورة النشاط الاقتصادي، وألا تؤدي إلى استنزاف السيولة اللازمة لتشغيل المصانع والمحلات التجارية، ودفع الأجور، وشراء المواد.
فالهدف ليس تحصيل الضريبة بأسرع وقت ممكن فقط، وإنما ضمان تحصيلها بطريقة مستدامة لا تضعف قدرة المنشأة على الاستمرار والإنتاج.
ضرائب الأقل على مستوى المنطقة
بدوره، يؤكد القانوني والمحامي عارف الشعال، خلال حديثه لـ«العين السورية»، أن مشروع القانون ثوري بامتياز لجهة مقدار الضريبة والمرونة في تحصيلها والثقة التي افترضها المشروع للمكلف.
ويضيف: «وأنا كرجل قانون سُعدت بإعادة مرجع الطعن وتوسيعه للقضاء العادي مثل محاكم البداية والاستئناف المدنية الخاصة بدلاً من مجلس الدولة، كما لفتتني الأحكام الممتازة وغير المسبوقة الواردة بالمشروع الخاصة بالشطب وقطع الخصومة لقطع دابر المماطلة والتسويف على المتقاضين».
وبين الشعال أن قانون الضرائب المعمول به حالياً كان يحد من صلاحيات القضاء عبر تشكيل لجان يتم اعتبار أحكامها مبرمة، وكانت سياسة مجلس الدولة سيئة جداً.
ويوضح أن مشروع القانون الجديد سيفرض ضرائب دخل هي الأقل على مستوى دول المنطقة كلها، وهو مبني على مبدأ الثقة بالمكلف، بحيث يتم اعتماد الضريبة بناءً على ما يصرح به من أرباح، لكن التهرب وعدم الإفصاح الحقيقي عن الأرباح سيترك تبعات سيئة للغاية على صاحبها، وخصوصاً أن الدولة تسير في اتجاه أتمتة كل شيء.
من جانبه، يؤكد الباحث الاقتصادي محمد علبي، خلال حديثه لـ«العين السورية»، أن مسودة قانون الضريبة على الدخل تظهر وجود رغبة لتجاوز النصوص المبعثرة التي حكمت السياسة الضريبية لعقود طويلة، لكن مبدأ العدالة الاجتماعية، وهو جوهر أي قانون ضريبي، ما زال غائباً جزئياً.
ويعزو ذلك إلى أن المسودة تبنّت تصاعدية طفيفة في ضريبة الرواتب من 6 إلى 8 في المئة، وأبقت على معدلات متفاوتة للأنشطة الاقتصادية عند 10 في المئة لقطاعات الصحة والتعليم والتكنولوجيا، و15 في المئة لبقية القطاعات.
ويرى أن هذه التصاعدية تبدو أقرب إلى الشكلية منها إلى الأداة الفعلية لإعادة توزيع الدخل، لأن الفارق بين من يكسب ملايين إضافية ومن يقف عند حدود الكفاف لا يترجم في الواقع إلى عبء ضريبي متمايز بوضوح.
حد الإعفاء الشخصي
ويبين علبي أن حد الإعفاء الشخصي، الذي حُدد بستين مليون ليرة سورية سنوياً، أي بما يعادل 500 دولار شهرياً وفق تقديره، هو رقم مرتفع بالقياس إلى مستويات الأجور السائدة، التي تقل عن 150 دولاراً شهرياً.
ويضيف أن هذا الحد قد يبدو إنصافاً للفئات محدودة الدخل، لكنه يخرج معظم العاملين من التكليف، ويحرم الخزينة من قاعدة ضريبية واسعة، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى كل مورد متاح لتمويل إعادة الإعمار وبناء شبكات الحماية .
الإعفاءات وفجوة التطبيق
وعن الإعفاءات الضريبية الواردة في مسودة القانون وأثرها على العجلة الاقتصادية في سوريا، يوضح علبي أن المسودة ذهبت بعيداً في الاستثناءات.
ويشير إلى أن الأحكام قد تبدو منسجمة مع منطق تشجيع الإنتاج أو دعم الفئات الاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه تفتح أبواباً واسعة للتهرب وإعادة توصيف الأنشطة الاقتصادية، إذ يرى أنه من السهل أن تتحول شركات تجارية إلى واجهات زراعية أو جمعيات شكلية بغرض تقليص الضريبة، بينما يستفيد كبار المساهمين من حصانة ضريبية كاملة على أرباحهم الرأسمالية، وهو ما يخل بمبدأ العدالة الأفقية بين العمل ورأس المال.
ويلفت إلى أن النقابات المهنية التي تمثل عشرات الآلاف من المكلفين من أصحاب المهن الحرة لم يكن لها حضور في صياغة المسودة، واقتصر التشاور على غرف التجارة والصناعة، معتبراً أن مشروع القانون كُتب على مقاس رأس المال المنظم، بينما بقيت الفئات المهنية والعمالية على الهامش.
ويشدد علبي على أن أخطر ما يواجه المسودة هو الفجوة بين الطموح المعلن والواقع العملي؛ فبينما تعد النصوص بإنشاء نظام ضريبي متوازن، تبقى نسب الضرائب منخفضة للغاية بالمعايير العالمية، فلا تتجاوز 15 في المئة في معظم الحالات، والإعفاءات واسعة، والإدارة الضريبية مثقلة بالبيروقراطية وضعف الشفافية.
ويرى أن الناتج المتوقع قد يكون حصيلة مالية محدودة، مع انطباع شعبي بأن القانون لا يوزع الأعباء بعدالة، بل يحمي الرساميل الكبيرة أكثر مما يحمي الفئات الوسطى المهددة بالانقراض، ما يطرح إشكاليات اجتماعية تتعلق بإعادة توزيع الثروة.
لكن هذه الطموحات تطرح تساؤلات حول مدى قدرة المشروع على تحقيق العدالة الضريبية، وتوزيع الأعباء بصورة متوازنة، وتوسيع القاعدة الضريبية من دون إضعاف المنشآت الاقتصادية أو تحميل المستهلكين تكاليف إضافية.
وبينما يرى قانونيون أن المشروع يتضمن تحولات مهمة في طبيعة التكليف الضريبي وضمانات التقاضي، يحذر باحثون اقتصاديون من أن بعض خياراته قد تثير إشكاليات تتعلق بالعدالة الاجتماعية والإعفاءات وحجم الإيرادات المتوقعة.
❝مهند الزنبركجي: حق الدولة في تحصيل الضرائب المستحقة، وحق المكلف في معرفة التزاماته مسبقاً، والحصول على معاملة متساوية، والاعتراض على أي تكليف غير صحيح❞
آثار اقتصادية محتملة
يرى الخبير المتخصص في التخطيط الاقتصادي وتأسيس الشركات القابضة مهند الزنبركجي، في حديثه لـ«العين السورية»، أن التقييم الاقتصادي لأي مشروع قانون لا يتوقف عند الأهداف المعلنة، وإنما يرتبط بمدى ترجمة هذه الأهداف إلى أحكام واضحة وقابلة للتطبيق، وبالنتائج التي ستنعكس على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والصناعيين والتجار وأصحاب المهن والمواطنين.

ويؤكد أن القانون الذي يحقق العدالة الضريبية هو الذي يربط العبء الضريبي بالقدرة الفعلية على الدفع، ويميز بين الأرباح الحقيقية والإيرادات الاسمية، ويراعي اختلاف طبيعة الأنشطة الاقتصادية وهوامش الربح فيها، ولا يفرض التزامات تؤدي إلى إضعاف المؤسسات التي تحاول استعادة نشاطها أو دفعها إلى العمل خارج الاقتصاد المنظم.
وتبرز أهمية هذه المسألة في سوريا بصورة خاصة، وفق الزنبركجي، لأن العديد من المنشآت ما زالت تعمل في ظروف صعبة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية والتمويل، إلى جانب تراجع الطلب المحلي وضعف القدرة الشرائية.
وفي مثل هذه الظروف، فإن فرض أعباء ضريبية لا تتناسب مع الأرباح الفعلية قد يؤدي إلى تقليص الاستثمارات، وتأجيل التوسع، وخفض فرص العمل، أو تحميل المستهلك جزءاً من الكلفة الإضافية عبر رفع الأسعار.
لذلك، فإن إيجابيات المشروع ينبغي أن تُقاس بقدرته على توسيع القاعدة الضريبية وزيادة عدد الملتزمين بصورة طوعية، وليس فقط بزيادة المبالغ التي تحصلها الإدارة المالية من المكلفين الحاليين.
أعباء إدارية ومحاسبية
يشير الزنبركجي إلى أن السلبيات المحتملة تتمثل في احتمال أن تؤدي بعض الأحكام، إذا لم تتم صياغتها بدقة أو لم تُدعم بتعليمات تنفيذية واضحة، إلى خلق أعباء إدارية ومحاسبية جديدة، ولا سيما على أصحاب المنشآت الصغيرة التي لا تمتلك أنظمة محاسبية متطورة أو القدرة على تحمل تكاليف إضافية للمحاسبة والتدقيق.
كما أن التحول إلى الفوترة الإلكترونية والربط الرقمي، على أهميته، يحتاج إلى بنية تقنية موثوقة، وإجراءات مبسطة، وفترة انتقالية كافية، وتدريب للمكلفين والعاملين في الإدارة الضريبية.
فالرقمنة يجب أن تكون وسيلة لتسهيل الالتزام وخفض التكاليف، لا سبباً في تعقيد المعاملات أو تعطيل الأعمال.
الجمع بين حق الدولة والمكلف
ويوضح الزنبركجي أن التوازن المطلوب هو الجمع بين حق الدولة في تحصيل الضرائب المستحقة، وحق المكلف في معرفة التزاماته مسبقاً، والحصول على معاملة متساوية، والاعتراض على أي تكليف غير صحيح.
كما ينبغي ألا يُنظر إلى الإيرادات الضريبية بمعزل عن أثرها في النشاط الاقتصادي؛ فكلما توسعت قاعدة الإنتاج، وازدادت المبيعات والأرباح وفرص العمل، اتسعت القاعدة الضريبية بصورة أكثر استدامة.
أما الاعتماد على زيادة العبء على النشاط القائم من دون معالجة أسباب الركود وضعف الإنتاج، فقد يحقق إيرادات قصيرة الأجل، لكنه قد يحد من النمو الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل.
مشاورات أوسع وفترة انتقالية
وعن مدى حصول مشروع القانون على حقه من النقاش والتشاور، يوضح الزنبركجي أنه من المهم أن تشمل المشاورات غرف التجارة والصناعة والزراعة، واتحادات الحرفيين، وجمعيات المحاسبين القانونيين، وخبراء الضرائب والاقتصاد، وممثلي المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى ممثلين عن العمال والمستهلكين والمجتمع المدني.
فلكل جهة زاوية مختلفة في تقييم المشروع، وقد تكشف هذه المناقشات عن آثار جانبية محتملة لبعض المواد، أو عن صعوبات عملية في تنفيذها، أو عن فرص لتحسين الصياغة بما يحقق أهداف الإصلاح من دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي.

ويضيف أنه لا يكفي أن تتم المشاورات بصورة عامة، بل ينبغي أن تكون مبنية على عرض واضح لمواد المشروع، مع شرح طريقة احتساب الضرائب والرسوم، والأعباء التي ستترتب على مختلف القطاعات، والحقوق التي سيحصل عليها المكلفون في المقابل.
ومن الأفضل نشر الملاحظات التي تقدمها الجهات المشاركة، وبيان التعديلات التي أُدخلت على المشروع استجابة لها، حتى يشعر المكلف بأن مشاركته حقيقية وليست مجرد إجراء لاستكمال المسار التشريعي.
كذلك، من الضروري إتاحة فترة انتقالية مناسبة قبل بدء التطبيق الكامل، ولا سيما عندما تتطلب الأحكام الجديدة تعديلات في الأنظمة المحاسبية أو آليات إصدار الفواتير أو إجراءات تقديم الإقرارات.
فالإصلاح الضريبي الناجح لا يعتمد على سرعة إصدار القانون، بل على جودة إعداده ووضوحه وقدرة المؤسسات والمكلفين على تنفيذه.
من التفتيش التقليدي إلى التحليل الإلكتروني
وعن مدى قدرة مشروع القانون على معالجة المشكلات المزمنة التي تعاني منها منظومة الجباية، يرى الزنبركجي أن نجاح القانون في مكافحة التهرب يتطلب الانتقال من أسلوب يعتمد أساساً على التفتيش التقليدي والتقديرات العامة، إلى إدارة ضريبية تعتمد على المعلومات الموثقة والتحليل الإلكتروني للمخاطر، وتوجه الرقابة إلى الحالات التي توجد فيها مؤشرات فعلية على عدم الإفصاح أو التلاعب.
وتساعد الفوترة الإلكترونية، والربط بين بيانات البيع والشراء والاستيراد، وتطوير قواعد المعلومات، على كشف التناقضات في التصريحات الضريبية وتقليص فرص إخفاء الإيرادات.
لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين التهرب المتعمد، وبين الأخطاء المحاسبية أو التأخر في السداد نتيجة صعوبات مالية حقيقية.
فالحالات الأولى تستدعي إجراءات قانونية رادعة ومتناسبة، بينما تحتاج الحالات الأخرى إلى آليات واضحة لتصحيح الأخطاء وتسوية الالتزامات وفق ضوابط محددة. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول مكافحة التهرب إلى عبء إضافي على المنشآت الملتزمة التي تواجه صعوبات في العمل.
❝عارف الشعال: كرجل قانون سُعدت بإعادة مرجع الطعن وتوسيعه للقضاء العادي مثل محاكم البداية والاستئناف المدنية الخاصة بدلاً من مجلس الدولة❞الثقة لا تُبنى من جانب واحد
في المقابل، يرى الزنبركجي أن الثقة لا تُبنى من جانب واحد، إذ ينبغي أن يلتزم المكلفون أيضاً بتقديم بيانات صحيحة، وإصدار الفواتير، وتوثيق المصروفات والإيرادات، وتسديد الضرائب المستحقة في مواعيدها.
وتكمن المعادلة المطلوبة في أن تقدم الدولة نظاماً عادلاً وشفافاً، مقابل التزام طوعي أوسع من القطاع الخاص. وكلما اتسعت دائرة الالتزام، أمكن تخفيف الضغط عن المكلفين الملتزمين وتوزيع العبء بصورة أكثر عدالة.
ولهذا السبب، يجب أن تراعي أساليب الجباية دورة النشاط الاقتصادي، وألا تؤدي إلى استنزاف السيولة اللازمة لتشغيل المصانع والمحلات التجارية، ودفع الأجور، وشراء المواد.
فالهدف ليس تحصيل الضريبة بأسرع وقت ممكن فقط، وإنما ضمان تحصيلها بطريقة مستدامة لا تضعف قدرة المنشأة على الاستمرار والإنتاج.
ضرائب الأقل على مستوى المنطقة
بدوره، يؤكد القانوني والمحامي عارف الشعال، خلال حديثه لـ«العين السورية»، أن مشروع القانون ثوري بامتياز لجهة مقدار الضريبة والمرونة في تحصيلها والثقة التي افترضها المشروع للمكلف.
ويضيف: «وأنا كرجل قانون سُعدت بإعادة مرجع الطعن وتوسيعه للقضاء العادي مثل محاكم البداية والاستئناف المدنية الخاصة بدلاً من مجلس الدولة، كما لفتتني الأحكام الممتازة وغير المسبوقة الواردة بالمشروع الخاصة بالشطب وقطع الخصومة لقطع دابر المماطلة والتسويف على المتقاضين».
وبين الشعال أن قانون الضرائب المعمول به حالياً كان يحد من صلاحيات القضاء عبر تشكيل لجان يتم اعتبار أحكامها مبرمة، وكانت سياسة مجلس الدولة سيئة جداً.
ويوضح أن مشروع القانون الجديد سيفرض ضرائب دخل هي الأقل على مستوى دول المنطقة كلها، وهو مبني على مبدأ الثقة بالمكلف، بحيث يتم اعتماد الضريبة بناءً على ما يصرح به من أرباح، لكن التهرب وعدم الإفصاح الحقيقي عن الأرباح سيترك تبعات سيئة للغاية على صاحبها، وخصوصاً أن الدولة تسير في اتجاه أتمتة كل شيء.
❝محمد علبي: من السهل أن تتحول شركات تجارية إلى واجهات زراعية أو جمعيات شكلية بغرض تقليص الضريبة، بينما يستفيد كبار المساهمين من حصانة ضريبية كاملة على أرباحهم الرأسمالية، وهو ما يخل بمبدأ العدالة الأفقية بين العمل ورأس المال❞العدالة الاجتماعية موضع نقاش
من جانبه، يؤكد الباحث الاقتصادي محمد علبي، خلال حديثه لـ«العين السورية»، أن مسودة قانون الضريبة على الدخل تظهر وجود رغبة لتجاوز النصوص المبعثرة التي حكمت السياسة الضريبية لعقود طويلة، لكن مبدأ العدالة الاجتماعية، وهو جوهر أي قانون ضريبي، ما زال غائباً جزئياً.
ويعزو ذلك إلى أن المسودة تبنّت تصاعدية طفيفة في ضريبة الرواتب من 6 إلى 8 في المئة، وأبقت على معدلات متفاوتة للأنشطة الاقتصادية عند 10 في المئة لقطاعات الصحة والتعليم والتكنولوجيا، و15 في المئة لبقية القطاعات.
ويرى أن هذه التصاعدية تبدو أقرب إلى الشكلية منها إلى الأداة الفعلية لإعادة توزيع الدخل، لأن الفارق بين من يكسب ملايين إضافية ومن يقف عند حدود الكفاف لا يترجم في الواقع إلى عبء ضريبي متمايز بوضوح.
حد الإعفاء الشخصي
ويبين علبي أن حد الإعفاء الشخصي، الذي حُدد بستين مليون ليرة سورية سنوياً، أي بما يعادل 500 دولار شهرياً وفق تقديره، هو رقم مرتفع بالقياس إلى مستويات الأجور السائدة، التي تقل عن 150 دولاراً شهرياً.
ويضيف أن هذا الحد قد يبدو إنصافاً للفئات محدودة الدخل، لكنه يخرج معظم العاملين من التكليف، ويحرم الخزينة من قاعدة ضريبية واسعة، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى كل مورد متاح لتمويل إعادة الإعمار وبناء شبكات الحماية .
الإعفاءات وفجوة التطبيق
وعن الإعفاءات الضريبية الواردة في مسودة القانون وأثرها على العجلة الاقتصادية في سوريا، يوضح علبي أن المسودة ذهبت بعيداً في الاستثناءات.
ويشير إلى أن الأحكام قد تبدو منسجمة مع منطق تشجيع الإنتاج أو دعم الفئات الاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه تفتح أبواباً واسعة للتهرب وإعادة توصيف الأنشطة الاقتصادية، إذ يرى أنه من السهل أن تتحول شركات تجارية إلى واجهات زراعية أو جمعيات شكلية بغرض تقليص الضريبة، بينما يستفيد كبار المساهمين من حصانة ضريبية كاملة على أرباحهم الرأسمالية، وهو ما يخل بمبدأ العدالة الأفقية بين العمل ورأس المال.
ويلفت إلى أن النقابات المهنية التي تمثل عشرات الآلاف من المكلفين من أصحاب المهن الحرة لم يكن لها حضور في صياغة المسودة، واقتصر التشاور على غرف التجارة والصناعة، معتبراً أن مشروع القانون كُتب على مقاس رأس المال المنظم، بينما بقيت الفئات المهنية والعمالية على الهامش.
ويشدد علبي على أن أخطر ما يواجه المسودة هو الفجوة بين الطموح المعلن والواقع العملي؛ فبينما تعد النصوص بإنشاء نظام ضريبي متوازن، تبقى نسب الضرائب منخفضة للغاية بالمعايير العالمية، فلا تتجاوز 15 في المئة في معظم الحالات، والإعفاءات واسعة، والإدارة الضريبية مثقلة بالبيروقراطية وضعف الشفافية.
ويرى أن الناتج المتوقع قد يكون حصيلة مالية محدودة، مع انطباع شعبي بأن القانون لا يوزع الأعباء بعدالة، بل يحمي الرساميل الكبيرة أكثر مما يحمي الفئات الوسطى المهددة بالانقراض، ما يطرح إشكاليات اجتماعية تتعلق بإعادة توزيع الثروة.
رسوم تراخيص إدارية بالدولار.. غير صحيح
وفي سياق النقاش حول مشروع الإصلاح الضريبي، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي معلومات تتحدث عن فرض رسوم تراخيص إدارية سنوية بالدولار الأميركي على مجموعة من المنشآت التجارية والخدمية، تشمل محلات الصاغة ومكاتب تأجير السيارات والفنادق ومعارض السيارات وصالات الأفراح والمدارس الخاصة.
لكن وزير المالية محمد يسر برنية نفى صحة هذه المعلومات، مؤكداً أن ما جرى تداوله بشأن فرض رسوم تراخيص إدارية بالدولار على المنشآت التجارية والخدمية غير صحيح.
وبذلك، لا يصح التعامل مع المبالغ المتداولة باعتبارها أحكاماً معتمدة في مشروع القانون أو رسوماً نافذة، ما لم يصدر نص رسمي يثبت خلاف ذلك.
وتعيد هذه الواقعة التأكيد على أهمية نشر النصوص الرسمية الكاملة للمشروعات التشريعية، وتوضيح الفروق بين الضرائب والرسوم الإدارية، منعاً لانتشار معلومات قد تثير مخاوف غير مبررة لدى أصحاب المنشآت والمواطنين.
مراجعة تفصيلية قبل الحكم على المشروع
إن الحكم على مدى نجاح مشروع قانون الضرائب الجديد يحتاج إلى مراجعة نصوصه التفصيلية، ولا سيما ما يتعلق بتعدد الرسوم، وآليات احتساب الضريبة، والضرائب على المدخلات والمعاملات، والإعفاءات، ومعاملة المنشآت الصغيرة، وآليات التسوية والطعن.
ولا يكفي إعلان هدف العدالة الضريبية ما لم يترافق مع دراسة واضحة لكيفية توزيع العبء بين الدولة والمنتج والتاجر والمستهلك، وبيان أثر الأحكام المقترحة على الإيرادات العامة والاستثمار وفرص العمل.
وبين التفاؤل بإمكانية بناء علاقة جديدة بين الإدارة الضريبية والمكلفين، والتحفظات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وحجم الإيرادات المتوقعة، يبقى الاختبار الأساسي للمشروع في مدى قدرته على إقامة نظام واضح وشفاف، يضمن للدولة موارد مستدامة، ويمنح المكلفين في الوقت نفسه قواعد مستقرة وإجراءات عادلة.
فنجاح الإصلاح الضريبي لا يُقاس فقط بما يمكن تحصيله من الأموال، بل أيضاً بقدرته على توسيع قاعدة الالتزام، وتعزيز الثقة، وحماية النشاط الإنتاجي، وتوزيع الأعباء بصورة تحقق المصلحة العامة.
وفي سياق النقاش حول مشروع الإصلاح الضريبي، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي معلومات تتحدث عن فرض رسوم تراخيص إدارية سنوية بالدولار الأميركي على مجموعة من المنشآت التجارية والخدمية، تشمل محلات الصاغة ومكاتب تأجير السيارات والفنادق ومعارض السيارات وصالات الأفراح والمدارس الخاصة.

لكن وزير المالية محمد يسر برنية نفى صحة هذه المعلومات، مؤكداً أن ما جرى تداوله بشأن فرض رسوم تراخيص إدارية بالدولار على المنشآت التجارية والخدمية غير صحيح.
وبذلك، لا يصح التعامل مع المبالغ المتداولة باعتبارها أحكاماً معتمدة في مشروع القانون أو رسوماً نافذة، ما لم يصدر نص رسمي يثبت خلاف ذلك.
وتعيد هذه الواقعة التأكيد على أهمية نشر النصوص الرسمية الكاملة للمشروعات التشريعية، وتوضيح الفروق بين الضرائب والرسوم الإدارية، منعاً لانتشار معلومات قد تثير مخاوف غير مبررة لدى أصحاب المنشآت والمواطنين.
مراجعة تفصيلية قبل الحكم على المشروع
إن الحكم على مدى نجاح مشروع قانون الضرائب الجديد يحتاج إلى مراجعة نصوصه التفصيلية، ولا سيما ما يتعلق بتعدد الرسوم، وآليات احتساب الضريبة، والضرائب على المدخلات والمعاملات، والإعفاءات، ومعاملة المنشآت الصغيرة، وآليات التسوية والطعن.
ولا يكفي إعلان هدف العدالة الضريبية ما لم يترافق مع دراسة واضحة لكيفية توزيع العبء بين الدولة والمنتج والتاجر والمستهلك، وبيان أثر الأحكام المقترحة على الإيرادات العامة والاستثمار وفرص العمل.
وبين التفاؤل بإمكانية بناء علاقة جديدة بين الإدارة الضريبية والمكلفين، والتحفظات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وحجم الإيرادات المتوقعة، يبقى الاختبار الأساسي للمشروع في مدى قدرته على إقامة نظام واضح وشفاف، يضمن للدولة موارد مستدامة، ويمنح المكلفين في الوقت نفسه قواعد مستقرة وإجراءات عادلة.
فنجاح الإصلاح الضريبي لا يُقاس فقط بما يمكن تحصيله من الأموال، بل أيضاً بقدرته على توسيع قاعدة الالتزام، وتعزيز الثقة، وحماية النشاط الإنتاجي، وتوزيع الأعباء بصورة تحقق المصلحة العامة.


