سوريا - اقتصاد
من يستهدف أنابيب الغاز يستهدف بيت كل سوري
ا
العين السورية
نشر في: ٢ أكتوبر ٢٠٢٦، ٢٠:٣٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية
قد يبدأ الخلل بانفجار في خط غاز، لكنه لا ينتهي عند موقع الانفجار. ففي سوريا، يمكن لعطل واحد في أحد خطوط الإمداد أن يمتد أثره سريعاً إلى محطات الكهرباء، ثم إلى المياه والمستشفيات والاتصالات والمنشآت الحيوية، وصولاً إلى تفاصيل الحياة اليومية لملايين السوريين.
لهذا، فإن حماية خطوط الغاز لم تعد قضية تخص قطاع الطاقة وحده، بل أصبحت مسألة تمس الأمن الخدمي والمعيشي في بلد ما تزال موارده من الطاقة محدودة، وأي انقطاع مفاجئ فيها يمكن أن ينعكس سريعًا على قطاعات أساسية.
وخلال أقل من ستة أسابيع، شهدت منظومة نقل الغاز المغذية لمحطات توليد الكهرباء ثلاث حوادث لافتة. ففي 18 آب، تعرض خط غاز الجبسة لحادث أعلنت الجهات الرسمية أنه ناتج عن عمل تخريبي. وفي 28 أيلول، تعرض خط الشولا–دير الزور لحريق وصفه وزير الطاقة بأنه عمل تخريبي باستخدام مواد متفجرة استهدفت صمامًا مقطعيًا.
وفي 30 أيلول، وقع انفجار في خط الغاز المغذي لمحطة تشرين، أدى إلى خروج محطات تشرين ودير علي والناصرية من الخدمة، وانعكس على التغذية الكهربائية في مناطق واسعة من دمشق وريفها. أما سبب الحادث، فبقي قيد التحقيق الفني، ولم تعلن الجهات الرسمية حتى الآن نتيجة نهائية تحدد طبيعته.
هذه الحوادث تكشف أن أي ضرر يصيب خط الغاز يمكن أن يتحول خلال وقت قصير إلى مشكلة كهرباء ومياه وخدمات وحياة يومية.
انفجار واحد.. وأثر يتجاوز موقعه
في حادث الجبسة، أدى توقف الضخ إلى التأثير في تغذية عدد من عنفات التوليد، فيما قالت الشركة السورية للبترول إن التحقيقات الأولية خلصت إلى وجود عمل تخريبي متعمد.
وبعد نحو ستة أسابيع، أدى الحريق الذي طال خط الشولا–دير الزور إلى توقف تدفق الغاز من معمل الجبسة باتجاه محطات التوليد، قبل أن تصفه وزارة الطاقة بأنه استهداف تخريبي باستخدام مواد متفجرة.
أما حادث خط تشرين، فقد أظهر بصورة مباشرة مدى الترابط بين منظومة الغاز وشبكة الكهرباء. فخروج محطات تشرين وديرعلي والناصرية عن الخدمة لم يبقَ محصوراً في موقع الحادث، بل انعكس على التغذية الكهربائية في مناطق واسعة من دمشق وريفها.
فالغاز الذي يصل إلى محطات التوليد يتحول إلى كهرباء تعتمد عليها شبكة واسعة من الخدمات، من ضخ المياه وتشغيل المستشفيات والمنشآت الحيوية إلى استمرار الإنتاج والعمل في المصانع والمخابز، وصولاً إلى احتياجات الأسر اليومية. لذلك، فإن توقف الإمدادات في نقطة واحدة قد يترك أثراً يتجاوز بكثير موقع العطل نفسه.
الغاز المحدود لا يحتمل شرياناً معطّلاً
تعمل منظومة الطاقة السورية أصلًا بهامش محدود، وبحسب المعطيات الواردة في ملف الرصد، يبلغ إنتاج الغاز نحو 8.5 ملايين متر مكعب يوميًا، مقابل طلب يتراوح بين 22 و25 مليون متر مكعب يومياً.
وفي مثل هذه الظروف، لا يكون فقدان خط نقل أو محطة ضخ مجرد عطل فني يمكن عزله عن بقية المنظومة؛ إذ يمكن أن يؤدي نقص كمية من الغاز إلى تقليص قدرة محطات التوليد، وبالتالي زيادة الضغط على شبكة الكهرباء.
وتتسع دائرة الأثر بعد ذلك، فالكهرباء ليست خدمة منفصلة عن بقية القطاعات.
لهذا، فإن حماية خطوط الغاز لا تعني فقط حماية بنية تحتية، بل حماية موارد محدودة لا تملك سوريا رفاهية خسارتها.
حماية الخطوط تبدأ بالوعي.. لا بالمخاطرة
لكن التعامل مع هذه القضية يتطلب رفع مستوى الوعي وتحويل المجتمع إلى خط إنذار مبكر يساعد الجهات المختصة على اكتشاف المخاطر قبل تحولها إلى أضرار.
فالخطوط تمتد لمسافات طويلة، وبعضها يمر في مناطق نائية، ما يجعل مراقبة كل نقطة فيها تحدياً كبيراً. وهنا يمكن أن يكون للمواطن دور مهم من خلال الإبلاغ عن أي حركة أو أعمال حفر أو أجسام أو نشاط غير معتاد بالقرب من خطوط الغاز والمنشآت المرتبطة بها.
لكن هذه المسؤولية لها حدود واضحة، المواطن يراقب ويبلغ، ولا يقترب ولا يتدخل.
فأي موقع مشتبه به قد يشكل خطراً على الحياة، والتعامل معه يجب أن يترك للجهات المختصة.
منع الضرر قبل وقوعه.. مسؤولية مشتركة
تواصل كوادر قطاع الطاقة العمل على إصلاح الأضرار وإعادة الضخ وتشغيل المنشآت المتضررة، فيما تتولى الجهات المختصة التحقيق في الحوادث وتعزيز حماية البنية التحتية.
لكن مواجهة المخاطر لا تبدأ بعد وقوع الحادث فقط. تقليل زمن الاستجابة، وتعزيز المراقبة، ورفع جاهزية فرق الصيانة، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، ورفع وعي السكان في المناطق التي تمر بها خطوط الطاقة، كلها عوامل تقلل من كلفة أي حادث محتمل.
وهنا تتكامل مسؤولية الدولة مع دور المجتمع، فالدولة مسؤولة عن حماية البنية التحتية وتأمينها، والمواطن يستطيع أن يساهم في ذلك عبر الانتباه والإبلاغ والابتعاد عن المواقع الخطرة والاعتماد على المعلومات الرسمية.
قد يبدو خط الغاز بعيدًا عن دمشق أو حلب أو أي مدينة أخرى، لكن الكهرباء التي تنتجها المحطات المرتبطة به ليست بعيدة عن أي منزل.
أنبوب الغاز الذي يمر في الصحراء قد يكون جزءاً من الطريق الذي تصل عبره المياه إلى بيتك، والكهرباء إلى منزلك، والخدمة إلى مستشفى يحتاجه أحد أفراد أسرتك.
لذلك، فإن حماية خطوط الغاز ليست حماية لأنبوب أو منشأة حكومية فحسب؛ إنها حماية لسلسلة كاملة من الخدمات التي تقوم عليها الحياة اليومية، وحماية لموارد وطنية محدودة، ولجهد العاملين الذين يواصلون تشغيل وإصلاح هذه المنظومة في ظروف صعبة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الجهات المختصة التحقيق في الحوادث الأخيرة وملاحقة المسؤولين عن الأعمال التخريبية التي ثبتت رسمياً، يبقى للمجتمع دور واضح: الانتباه، والإبلاغ عبر القنوات الرسمية، وعدم الاقتراب من المواقع المشبوهة، فقد يبدأ الخطر بعيداً عن المدن، لكنه لا يبقى هناك، ومن يحمي شريان الغاز، يحمي الكهرباء والمياه والخدمات، ويحمي في النهاية جزءاً من حياة كل سوري.
قد يبدأ الخلل بانفجار في خط غاز، لكنه لا ينتهي عند موقع الانفجار. ففي سوريا، يمكن لعطل واحد في أحد خطوط الإمداد أن يمتد أثره سريعاً إلى محطات الكهرباء، ثم إلى المياه والمستشفيات والاتصالات والمنشآت الحيوية، وصولاً إلى تفاصيل الحياة اليومية لملايين السوريين.
لهذا، فإن حماية خطوط الغاز لم تعد قضية تخص قطاع الطاقة وحده، بل أصبحت مسألة تمس الأمن الخدمي والمعيشي في بلد ما تزال موارده من الطاقة محدودة، وأي انقطاع مفاجئ فيها يمكن أن ينعكس سريعًا على قطاعات أساسية.
وخلال أقل من ستة أسابيع، شهدت منظومة نقل الغاز المغذية لمحطات توليد الكهرباء ثلاث حوادث لافتة. ففي 18 آب، تعرض خط غاز الجبسة لحادث أعلنت الجهات الرسمية أنه ناتج عن عمل تخريبي. وفي 28 أيلول، تعرض خط الشولا–دير الزور لحريق وصفه وزير الطاقة بأنه عمل تخريبي باستخدام مواد متفجرة استهدفت صمامًا مقطعيًا.
وفي 30 أيلول، وقع انفجار في خط الغاز المغذي لمحطة تشرين، أدى إلى خروج محطات تشرين ودير علي والناصرية من الخدمة، وانعكس على التغذية الكهربائية في مناطق واسعة من دمشق وريفها. أما سبب الحادث، فبقي قيد التحقيق الفني، ولم تعلن الجهات الرسمية حتى الآن نتيجة نهائية تحدد طبيعته.
هذه الحوادث تكشف أن أي ضرر يصيب خط الغاز يمكن أن يتحول خلال وقت قصير إلى مشكلة كهرباء ومياه وخدمات وحياة يومية.
انفجار واحد.. وأثر يتجاوز موقعه
في حادث الجبسة، أدى توقف الضخ إلى التأثير في تغذية عدد من عنفات التوليد، فيما قالت الشركة السورية للبترول إن التحقيقات الأولية خلصت إلى وجود عمل تخريبي متعمد.
وبعد نحو ستة أسابيع، أدى الحريق الذي طال خط الشولا–دير الزور إلى توقف تدفق الغاز من معمل الجبسة باتجاه محطات التوليد، قبل أن تصفه وزارة الطاقة بأنه استهداف تخريبي باستخدام مواد متفجرة.
أما حادث خط تشرين، فقد أظهر بصورة مباشرة مدى الترابط بين منظومة الغاز وشبكة الكهرباء. فخروج محطات تشرين وديرعلي والناصرية عن الخدمة لم يبقَ محصوراً في موقع الحادث، بل انعكس على التغذية الكهربائية في مناطق واسعة من دمشق وريفها.
فالغاز الذي يصل إلى محطات التوليد يتحول إلى كهرباء تعتمد عليها شبكة واسعة من الخدمات، من ضخ المياه وتشغيل المستشفيات والمنشآت الحيوية إلى استمرار الإنتاج والعمل في المصانع والمخابز، وصولاً إلى احتياجات الأسر اليومية. لذلك، فإن توقف الإمدادات في نقطة واحدة قد يترك أثراً يتجاوز بكثير موقع العطل نفسه.
الغاز المحدود لا يحتمل شرياناً معطّلاً
تعمل منظومة الطاقة السورية أصلًا بهامش محدود، وبحسب المعطيات الواردة في ملف الرصد، يبلغ إنتاج الغاز نحو 8.5 ملايين متر مكعب يوميًا، مقابل طلب يتراوح بين 22 و25 مليون متر مكعب يومياً.
وفي مثل هذه الظروف، لا يكون فقدان خط نقل أو محطة ضخ مجرد عطل فني يمكن عزله عن بقية المنظومة؛ إذ يمكن أن يؤدي نقص كمية من الغاز إلى تقليص قدرة محطات التوليد، وبالتالي زيادة الضغط على شبكة الكهرباء.
وتتسع دائرة الأثر بعد ذلك، فالكهرباء ليست خدمة منفصلة عن بقية القطاعات.
انخفاض التغذية الكهربائية يؤثر في ضخ المياه، وتشغيل المنشآت الصحية والإنتاجية والخدمية، ويزيد الضغوط على الأسر، خصوصًا مع دخول الشتاء وارتفاع الحاجة إلى الطاقة والتدفئة.
لهذا، فإن حماية خطوط الغاز لا تعني فقط حماية بنية تحتية، بل حماية موارد محدودة لا تملك سوريا رفاهية خسارتها.
حماية الخطوط تبدأ بالوعي.. لا بالمخاطرة
لكن التعامل مع هذه القضية يتطلب رفع مستوى الوعي وتحويل المجتمع إلى خط إنذار مبكر يساعد الجهات المختصة على اكتشاف المخاطر قبل تحولها إلى أضرار.
فالخطوط تمتد لمسافات طويلة، وبعضها يمر في مناطق نائية، ما يجعل مراقبة كل نقطة فيها تحدياً كبيراً. وهنا يمكن أن يكون للمواطن دور مهم من خلال الإبلاغ عن أي حركة أو أعمال حفر أو أجسام أو نشاط غير معتاد بالقرب من خطوط الغاز والمنشآت المرتبطة بها.
لكن هذه المسؤولية لها حدود واضحة، المواطن يراقب ويبلغ، ولا يقترب ولا يتدخل.
فأي موقع مشتبه به قد يشكل خطراً على الحياة، والتعامل معه يجب أن يترك للجهات المختصة.
منع الضرر قبل وقوعه.. مسؤولية مشتركة
تواصل كوادر قطاع الطاقة العمل على إصلاح الأضرار وإعادة الضخ وتشغيل المنشآت المتضررة، فيما تتولى الجهات المختصة التحقيق في الحوادث وتعزيز حماية البنية التحتية.
لكن مواجهة المخاطر لا تبدأ بعد وقوع الحادث فقط. تقليل زمن الاستجابة، وتعزيز المراقبة، ورفع جاهزية فرق الصيانة، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، ورفع وعي السكان في المناطق التي تمر بها خطوط الطاقة، كلها عوامل تقلل من كلفة أي حادث محتمل.
وهنا تتكامل مسؤولية الدولة مع دور المجتمع، فالدولة مسؤولة عن حماية البنية التحتية وتأمينها، والمواطن يستطيع أن يساهم في ذلك عبر الانتباه والإبلاغ والابتعاد عن المواقع الخطرة والاعتماد على المعلومات الرسمية.
قد يبدو خط الغاز بعيدًا عن دمشق أو حلب أو أي مدينة أخرى، لكن الكهرباء التي تنتجها المحطات المرتبطة به ليست بعيدة عن أي منزل.
أنبوب الغاز الذي يمر في الصحراء قد يكون جزءاً من الطريق الذي تصل عبره المياه إلى بيتك، والكهرباء إلى منزلك، والخدمة إلى مستشفى يحتاجه أحد أفراد أسرتك.
لذلك، فإن حماية خطوط الغاز ليست حماية لأنبوب أو منشأة حكومية فحسب؛ إنها حماية لسلسلة كاملة من الخدمات التي تقوم عليها الحياة اليومية، وحماية لموارد وطنية محدودة، ولجهد العاملين الذين يواصلون تشغيل وإصلاح هذه المنظومة في ظروف صعبة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الجهات المختصة التحقيق في الحوادث الأخيرة وملاحقة المسؤولين عن الأعمال التخريبية التي ثبتت رسمياً، يبقى للمجتمع دور واضح: الانتباه، والإبلاغ عبر القنوات الرسمية، وعدم الاقتراب من المواقع المشبوهة، فقد يبدأ الخطر بعيداً عن المدن، لكنه لا يبقى هناك، ومن يحمي شريان الغاز، يحمي الكهرباء والمياه والخدمات، ويحمي في النهاية جزءاً من حياة كل سوري.


