سوريا - سياسة
اجتماع الشيباني ورئيس الموساد.. حين يكون التفاوض جزءاً من سيادة الدولة
خ
خاص - العين السورية
نشر في: ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦، ٢٠:٥٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

ثمة الكثير من الرسائل والدلالات السياسية التي حملها لقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، بوفد إسرائيلي رفيع المستوى.
ولاسيما أنّ لقاءً بهذا المستوى وفي هذا التوقيت، لابد من ربطه بمختلف الظروف والتطورات الجيواستراتيجية التي لا تزال تعصف بالمنطقة والعالم، ناهيك عن حضور الذاكرة المتخمة بهواجس الماضي والحاضر والمستقبل، خصوصاً وأن "إسرائيل" ما تزال تحتل أرضاً سورية، هي الجولان.
مطالب واضحة
ويؤكد الباحث في العلاقات الاستراتيجية الدكتور وائل مرزا لـ"العين السورية"، أن المعلومة الأهم في لقاء الشيباني مع رئيس الموساد الإسرائيلي، جاءت من الإعلام الإسرائيلي نفسه.
مطالب واضحة
ويؤكد الباحث في العلاقات الاستراتيجية الدكتور وائل مرزا لـ"العين السورية"، أن المعلومة الأهم في لقاء الشيباني مع رئيس الموساد الإسرائيلي، جاءت من الإعلام الإسرائيلي نفسه.
الذي قال إنّ دمشق دخلت اللقاء بمطالب واضحة، في مقدمتها وقف الهجمات الإسرائيلية، استئناف التفاوض على اتفاق أمني يقود إلى الانسحاب من الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام، خفض التوتر الإسرائيلي–التركي، والتمسك بحق سوريا في السيادة وبناء قدراتها وعلاقاتها الخارجية.
من هنا، يبدو السؤال الصحيح ليس، لماذا جلس الشيباني مع رئيس الموساد؟ وإنما، ماذا قال له؟ والدول لا تختار دائماً محاوريها وفق معيار المحبة أو الشرعية الأخلاقية، وإنما وفق سؤال واقعي، من يملك القرار الذي أريد التأثير فيه؟، وهنا يتوجب علينا تحرير معنى التفاوض من الشحنة العاطفية التي التصقت به، فالتفاوض مع الخصم ليس انتقالاً إلى معسكره، وإنما كثيراً ما يكون طريقةً أكثر تعقيداً لمقاومته ومنع الضرر الذي يستطيع إيقاعه، فالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وهما يملكان القدرة على إفناء بعضهما، لم ينتظرا أن تنشأ بينهما الثقة كي يتفاوضا على السلاح النووي، لكن تفاوضا لأن الخطر نفسه فرض قناةً لإدارته!.
توضح نظرية التفاوض تمييزاً بالغ الأهمية بين "الموقف" الذي يعلنه الخصم و"المصلحة" الكامنة خلفه، فإذا قالت إسرائيل إنها ترفض انتشاراً عسكرياً تركياً في سوريا، فهذا موقف إسرائيلي لا يلزم دمشق، أما خوفها من تهديد أمني محتمل، فهو مصلحة يمكن مناقشتها والبحث عن ترتيبات تعالجها، من دون منح إسرائيل حق تقرير حجم الجيش السوري أو هوية حلفاء سوريا، وهنا، لا تكون الطاولة مكاناً لتسليم الخصم بما يريد، وإنما ساحة أخرى للصراع على تعريف ما هو مشروع وما هو ممكن.
اتفاق وليس تطبيع
ضمن هذا السياق، يرى الباحث الاستراتيجي أن هناك مسافة شاسعة بين كلمة "تطبيع" من جهة، وبين اتصال أمني، ومفاوضات أمنية، وآلية منع اشتباك، واتفاق خفض تصعيد، وترتيبات حدودية، واتفاق سياسي، من جهة أخرى، واختصار أو اختزال هذه الدرجات كلها بكلمة "التطبيع" يقفز فوق الواقع، لأن ما يجري الآن، بشكلٍ مؤكد، هو تفاوض أمني وسياسي هدفه المباشر وقف التصعيد وحماية المصالح والسيادة السورية، وليس إعلان علاقات طبيعية مع إسرائيل.
في علم التفاوض قاعدة تبدو أكاديمية في اسمها، لكنها شديدة الإنسانية في معناها، "لا تسأل فقط هل يعجبني هذا الاتفاق، وإنما اسأل ماذا ينتظرني إذا لم أصل إليه"، يسمون ذلك "البديل الأفضل في حال فشل التفاوض"، وبالنسبة إلى سوريا، فإن البديل عن التفاوض، ليس عالماً مثالياً تختفي منه "إسرائيل" وتعود فيه الأرض تلقائياً!، وإنما استمرار التصعيد والغارات والتوغلات، واتساع الاحتكاك التركي–الإسرائيلي فوق المدن والقواعد السورية، وإذا استطاع التفاوض أن يخفض هذا الخطر، وأن يعيد الأرض، ويحفظ حق سوريا في جيشها وتحالفاتها، يصبح الدخول فيه ممارسةً للسيادة لا تخلياً عنها، وفي الوقت نفسه تبقى للدولة دائماً حرية أن تقول: لا، إذا كان ثمن الاتفاق أكبر من ثمن غيابه!.
من ساحة تنافس إلى إدارة توازن
وهنا يشير الدكتور مرزا إلى أنه من الضرورة بمكان التأكيد على أن القضية لم تعد "سوريا وإسرائيل" فقط، فهناك مثلث يتشكل عملياً: سوريا – تركيا – إسرائيل، وفوقه الولايات المتحدة التي تحاول منع اصطدام قوتين ترتبط بهما بعلاقات استراتيجية، تركيا وإسرائيل، فوق الأرض السورية، وهنا توجد فرصة سورية شديدة الأهمية تتمثل في الانتقال من "ساحة تنافس" تتبادل القوى فوقها الرسائل والضربات إلى "طرف مركزي في إدارة التوازن"، فإذا أصبح المرور عبر دمشق ضرورياً لتنظيم العلاقة الأمنية بين هذه القوى، فإن سوريا لا تستعيد جغرافيتها فقط، ولكن تستعيد مركزيتها الجيوسياسية أيضاً، لذلك تصبح قناة الاتصال وآليات منع الاشتباك محاولةً لمنع تحول سوريا مرة أخرى إلى المكان الذي يدفع ثمن سوء حسابات الآخرين، أما الطموح الأبعد هو أن تنتقل دمشق من الأرض التي تُدار فوقها المعضلة إلى الدولة التي تشارك في إدارتها.
على عكس ما كان يحصل في عهد النظام البائد، تختبر سوريا الجديدة فرضية مختلفة تتمثل في أن تكون الوطنية في النتيجة أيضاً، وليس فقط في التنديد والاستنكار والشجب ونبرة الصوت وحدها، وأن يكون ممكناً أن تواجه خصمك عسكرياً حين تملك شروط المواجهة، وأن تفاوضه حين تستطيع بالطاولة أن تمنعه من قصف أرضك أو تدفعه إلى الانسحاب منها.
وفي هذا الإطار، يلفت مرزا الانتباه إلى أن اتفاقات الحد من السلاح بين واشنطن وموسكو، وتفاهمات وترتيبات فك الاشتباك في الشرق الأوسط، لم يكن فيها التفاوض شهادة صداقة، وإنما كان وسيلة لتحويل صراع غير منضبط إلى صراع ذي حدود وقواعد، ثم اختبار إمكان الانتقال إلى مرحلة أخرى.
يذكر أن اجتماع الوفدين السوري والإسرائيلي أمس الأحد، والذي تم بوساطة أمريكية واستضافة أردنية، جاء في أعقاب القصف الإسرائيلي الأخير للأراضي السورية وتصاعد التوترات في جنوب البلاد، وتركزت المناقشات على وضع آليات عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، وإحياء مسار التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل أساساً لاتفاق مستقبلي أكثر شمولاً.
من هنا، يبدو السؤال الصحيح ليس، لماذا جلس الشيباني مع رئيس الموساد؟ وإنما، ماذا قال له؟ والدول لا تختار دائماً محاوريها وفق معيار المحبة أو الشرعية الأخلاقية، وإنما وفق سؤال واقعي، من يملك القرار الذي أريد التأثير فيه؟، وهنا يتوجب علينا تحرير معنى التفاوض من الشحنة العاطفية التي التصقت به، فالتفاوض مع الخصم ليس انتقالاً إلى معسكره، وإنما كثيراً ما يكون طريقةً أكثر تعقيداً لمقاومته ومنع الضرر الذي يستطيع إيقاعه، فالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وهما يملكان القدرة على إفناء بعضهما، لم ينتظرا أن تنشأ بينهما الثقة كي يتفاوضا على السلاح النووي، لكن تفاوضا لأن الخطر نفسه فرض قناةً لإدارته!.
توضح نظرية التفاوض تمييزاً بالغ الأهمية بين "الموقف" الذي يعلنه الخصم و"المصلحة" الكامنة خلفه، فإذا قالت إسرائيل إنها ترفض انتشاراً عسكرياً تركياً في سوريا، فهذا موقف إسرائيلي لا يلزم دمشق، أما خوفها من تهديد أمني محتمل، فهو مصلحة يمكن مناقشتها والبحث عن ترتيبات تعالجها، من دون منح إسرائيل حق تقرير حجم الجيش السوري أو هوية حلفاء سوريا، وهنا، لا تكون الطاولة مكاناً لتسليم الخصم بما يريد، وإنما ساحة أخرى للصراع على تعريف ما هو مشروع وما هو ممكن.
اتفاق وليس تطبيع
ضمن هذا السياق، يرى الباحث الاستراتيجي أن هناك مسافة شاسعة بين كلمة "تطبيع" من جهة، وبين اتصال أمني، ومفاوضات أمنية، وآلية منع اشتباك، واتفاق خفض تصعيد، وترتيبات حدودية، واتفاق سياسي، من جهة أخرى، واختصار أو اختزال هذه الدرجات كلها بكلمة "التطبيع" يقفز فوق الواقع، لأن ما يجري الآن، بشكلٍ مؤكد، هو تفاوض أمني وسياسي هدفه المباشر وقف التصعيد وحماية المصالح والسيادة السورية، وليس إعلان علاقات طبيعية مع إسرائيل.
في علم التفاوض قاعدة تبدو أكاديمية في اسمها، لكنها شديدة الإنسانية في معناها، "لا تسأل فقط هل يعجبني هذا الاتفاق، وإنما اسأل ماذا ينتظرني إذا لم أصل إليه"، يسمون ذلك "البديل الأفضل في حال فشل التفاوض"، وبالنسبة إلى سوريا، فإن البديل عن التفاوض، ليس عالماً مثالياً تختفي منه "إسرائيل" وتعود فيه الأرض تلقائياً!، وإنما استمرار التصعيد والغارات والتوغلات، واتساع الاحتكاك التركي–الإسرائيلي فوق المدن والقواعد السورية، وإذا استطاع التفاوض أن يخفض هذا الخطر، وأن يعيد الأرض، ويحفظ حق سوريا في جيشها وتحالفاتها، يصبح الدخول فيه ممارسةً للسيادة لا تخلياً عنها، وفي الوقت نفسه تبقى للدولة دائماً حرية أن تقول: لا، إذا كان ثمن الاتفاق أكبر من ثمن غيابه!.
من ساحة تنافس إلى إدارة توازن
وهنا يشير الدكتور مرزا إلى أنه من الضرورة بمكان التأكيد على أن القضية لم تعد "سوريا وإسرائيل" فقط، فهناك مثلث يتشكل عملياً: سوريا – تركيا – إسرائيل، وفوقه الولايات المتحدة التي تحاول منع اصطدام قوتين ترتبط بهما بعلاقات استراتيجية، تركيا وإسرائيل، فوق الأرض السورية، وهنا توجد فرصة سورية شديدة الأهمية تتمثل في الانتقال من "ساحة تنافس" تتبادل القوى فوقها الرسائل والضربات إلى "طرف مركزي في إدارة التوازن"، فإذا أصبح المرور عبر دمشق ضرورياً لتنظيم العلاقة الأمنية بين هذه القوى، فإن سوريا لا تستعيد جغرافيتها فقط، ولكن تستعيد مركزيتها الجيوسياسية أيضاً، لذلك تصبح قناة الاتصال وآليات منع الاشتباك محاولةً لمنع تحول سوريا مرة أخرى إلى المكان الذي يدفع ثمن سوء حسابات الآخرين، أما الطموح الأبعد هو أن تنتقل دمشق من الأرض التي تُدار فوقها المعضلة إلى الدولة التي تشارك في إدارتها.
على عكس ما كان يحصل في عهد النظام البائد، تختبر سوريا الجديدة فرضية مختلفة تتمثل في أن تكون الوطنية في النتيجة أيضاً، وليس فقط في التنديد والاستنكار والشجب ونبرة الصوت وحدها، وأن يكون ممكناً أن تواجه خصمك عسكرياً حين تملك شروط المواجهة، وأن تفاوضه حين تستطيع بالطاولة أن تمنعه من قصف أرضك أو تدفعه إلى الانسحاب منها.
وفي هذا الإطار، يلفت مرزا الانتباه إلى أن اتفاقات الحد من السلاح بين واشنطن وموسكو، وتفاهمات وترتيبات فك الاشتباك في الشرق الأوسط، لم يكن فيها التفاوض شهادة صداقة، وإنما كان وسيلة لتحويل صراع غير منضبط إلى صراع ذي حدود وقواعد، ثم اختبار إمكان الانتقال إلى مرحلة أخرى.
يذكر أن اجتماع الوفدين السوري والإسرائيلي أمس الأحد، والذي تم بوساطة أمريكية واستضافة أردنية، جاء في أعقاب القصف الإسرائيلي الأخير للأراضي السورية وتصاعد التوترات في جنوب البلاد، وتركزت المناقشات على وضع آليات عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، وإحياء مسار التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل أساساً لاتفاق مستقبلي أكثر شمولاً.


