سوريا - اقتصاد
مفاجآت لم تكن في الحسبان..هل تصنع عودة المغتربين اقتصاداً جديداً في سوريا..؟
ا
العين السورية ـ ليلى حسين
نشر في: ٢٥ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:٤٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

على الورق تبدو المعادلة بسيطة: يعود المغترب بمدخراته وخبراته، يفتتح مشروعاً، يخلق فرص عمل، فتدور عجلة الاقتصاد من جديد.
لكن على أرض الواقع تبدو الصورة أكثر تعقيداً .. وقد اخترنا درعا نموذجاً لاستطلاع وتحليل مشهد كان يفترض أن يكون مختلفاً.
فبين ارتفاع تكاليف الاستثمار وتعقيدات التراخيص وضعف القدرة الشرائية، اصطدمت آمال كثير من العائدين بواقع لم يكن في الحسبان.
وبين من يرى في عودة المغتربين فرصة حقيقية لإنعاش الاقتصاد المحلي، ومن يعتبر أن أثرها اقتصر على رفع أسعار الإيجارات دون تحريك السوق بالشكل المطلوب، يبرز سؤال يفرض نفسه: هل تصنع عودة المغتربين اقتصاداً جديداً في درعا؟.
نيات طيبة وجدية في العمل
ففي الأشهر الأخيرة شهدت درعا عودة عدد من رجال الأعمال والمغتربين، الذين بدأوا بإعادة تأهيل منشآت كانت متوقفة منذ سنوات أو أعلنوا نيتهم إطلاق مشاريع جديدة.
ومن بين هذه المشاريع إعادة تأهيل معامل الألبان والأجبان والعمل على إعادة تشغيل بعض معامل البلوك والرخام وورش الصناعات المعدنية والألمنيوم، إضافة إلى مشاريع في القطاع الزراعي ومستودعات المواد الغذائية، فضلاً عن افتتاح مطاعم ومحال تجارية ومنشآت خدمية. إلا أن كثيراً من هذه المبادرات ما تزال تواجه تحديات تتعلق بالتراخيص وارتفاع تكاليف التشغيل وضعف القدرة الشرائية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على إحداث تحول اقتصادي حقيقي.
خطط وآمال
رضوان الخطيب متعهد بناء قال لـ"العين السورية ": إن معظم المغتربين الذين عادوا إلى درعا لم يعودوا بدافع الحنين فقط، بل عادوا وهم يحملون خططاً استثمارية ورغبة في المساهمة بإعادة تنشيط الاقتصاد المحلي، إلا أن الصورة التي وجدوها كانت مختلفة عما رسموه في أذهانهم خلال سنوات الغربة.
تعقيدات لم تتغير
ويؤكد أن كثيراً منهم فوجئوا بضعف السوق المحلية مقارنة بالأسواق التي عملوا فيها في دول الخليج أو أوروبا، كما اصطدموا باستمرار بعض الإجراءات التي تعيق تأسيس المشاريع، موضحاً أن عدداً من المستثمرين حاولوا إنشاء معامل ومنشآت إنتاجية لكنهم واجهوا صعوبات في الحصول على التراخيص، فيما اضطر آخرون إلى التفكير بنقل مشاريعهم إلى محافظات أخرى بسبب غياب مدينة صناعية متكاملة في درعا.
انعكاسات سلبية
ويضيف، أن بعض المغتربين دخلوا السوق معتقدين أن الحركة التجارية ستشهد انتعاشاً سريعاً بعد التحرير فدفعوا مبالغ كبيرة لاستئجار المحال، فأسهموا من حيث لا يقصدون في رفع أسعار إيجارات المحال التجارية، إذ ارتفعت في بعض المواقع من نحو 100 أو 200 دولار إلى ما يقارب 750 دولاراً شهرياً، إلا أن كثيراً منهم عادوا ليكتشفوا لاحقاً أن السوق المحلية لا تحقق الأرباح التي توقعوها، وأن حجم المبيعات لا يتناسب مع حجم الإنفاق على الإيجارات والديكورات والتجهيزات.
تجربة وشاهد
ولا تختلف قصة أحد المغتربين العائدين لإعادة تشغيل معمل للألبان والأجبان في منطقة مساكن جلين، الذي كانت عائلته تديره قبل الثورة عن هذه الصورة.
فيقول نضال حسين: عدت لأنني كنت أؤمن أن إعادة تشغيل المعمل ستكون بداية جديدة لنا وللعشرات ممن سيعملون فيه، لكن الواقع كان أصعب بكثير مما توقعت.
ويضيف: أنا وإخوتي المغتربون أنفقنا كل ما ادخرناه خلال ثلاثة عشر عاماً في الغربة على شراء الآليات وقطع التبديل وإعادة تأهيل المعمل، وحتى اليوم لم ننته من المشروع بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المواد والتجهيزات ورسوم التراخيص، فكل مرحلة تحتاج إلى نفقات جديدة لم تكن بالحسبان.
ويؤكد أن الاستثمار في المحافظة يحتاج اليوم إلى بيئة أكثر تشجيعاً، لأن كثيراً من أصحاب رؤوس الأموال قد يتراجعون عن تنفيذ مشاريعهم إذا بقيت التكاليف بالوتيرة الحالية.
الإنتاج لا المضاربة
وفي المقابل يطرح عدي الصلخدي وهو صاحب محل تجاري في سوق الشهداء بدرعا، رؤية مختلفة فيقول: درعا لا تحتاج اليوم إلى استثمارات سريعة تبحث عن الربح خلال أشهر، بل إلى رؤوس أموال تصبر على السوق وتستثمر في الإنتاج، فأي مشروع يخلق عشرات فرص العمل ويزيد الإنتاج المحلي هو استثمار حقيقي، أما المشاريع التي تكتفي بالبيع والشراء أو المضاربة فلن تصنع فرقاً في الاقتصاد مهما بلغ حجم رأس مالها.
ويؤكد أن عودة بعض أصحاب رؤوس الأموال لم تنعكس حتى الآن بصورة إيجابية على الاقتصاد المحلي كما كان مأمولاً.
ذهنية استثمار
وأضاف أن السوق المحلية لا تزال تعاني ضعفاً في القوة الشرائية لذلك فإن رفع بدلات الإيجار لا يعني بالضرورة زيادة الأرباح بل قد يؤدي إلى خروج أصحاب المحال القدامى من السوق.
ويرى أن الاستثمار الحقيقي هو الذي يوسع النشاط الاقتصادي لا الذي يرفع تكلفة ممارسة الأعمال، مبيناً أنه إذا بقي رأس المال يدور حول المحال نفسها فلن يتغير شيء، أما إذا اتجه نحو الصناعة والزراعة والخدمات فسنرى أثراً حقيقياً على البطالة والدخل.
بين أوروبا والخليج
أما أحمد الحشيش، وهو مغترب عائد من المانيا، فيرى أن الحديث عن قدرة المغتربين على إنعاش الاقتصاد يجب أن يكون أكثر دقة لأن المغتربين ليسوا فئة واحدة.
ويقول: إن معظم المهجرين في الدول الأوروبية يعتمدون على أنظمة دخل تكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية فقط، ولذلك فإن قدرتهم على نقل استثمارات كبيرة إلى سوريا تبقى محدودة باستثناء من تمكن منهم من تأسيس أعمال خاصة أو تكوين مدخرات إضافية.
في المقابل يؤكد أن المغتربين القدامى في دول الخليج يمثلون القوة الاستثمارية الأكبر، لأن كثيراً منهم تحولوا إلى رجال أعمال يمتلكون شركات ورؤوس أموال كبيرة ولو قرر جزء منهم نقل استثماراته إلى الداخل السوري، فإن ذلك يمكن أن يخلق آلاف فرص العمل ويسهم في تحريك الاقتصاد بصورة حقيقية.
نجاح مشروط
ويشير إلى أن سوريا تمتلك رجال أعمال نجحوا في بناء شركات كبرى في الخارج، وإذا توفرت بيئة استثمارية مستقرة ومحفزة فإن استقطاب هذه الرساميل سيكون أكثر جدوى من الاعتماد على التحويلات المالية الفردية، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن عدداً متزايداً من المغتربين في أوروبا بدأ يعود تدريجياً بعد ارتفاع تكاليف المعيشة هناك وتراجع جدوى البقاء بالنسبة لبعض الأسر.
فرصة
من جهتها ترى الباحثة الاقتصادية ونائب عميد كلية الاقتصاد الثانية في درعا الدكتورة منال الشياح، أن محافظة درعا بدأت تشهد عودة تدريجية لعدد من المغتربين بعد سنوات دفعت فيها الظروف الاقتصادية والأمنية آلاف أبنائها إلى الهجرة والعمل في الخارج، موضحة أن بعضهم عاد للاستقرار النهائي، فيما عاد آخرون لاستكشاف فرص الاستثمار أو إعادة إحياء أعمالهم.
وهو ما يطرح تساؤلاً حول قدرة رؤوس الأموال والخبرات التي يحملها العائدون على تحريك الاقتصاد المحلي.
وأضافت أن تحويلات المغتربين شكلت خلال السنوات الماضية شرياناً اقتصادياً مهماً لآلاف الأسر إذ أسهمت في تغطية تكاليف المعيشة والتعليم والعلاج والحفاظ على الحد الأدنى من النشاط التجاري ، إلا أن عودة المغترب تختلف عن التحويل المالي لأنها تحمل معها رأس مال بشريًا وماليًا يمكن أن ينتقل من دعم الاستهلاك إلى الإنتاج والاستثمار.
مدخرات واعدة
وأوضحت أن كثيراً من العائدين يمتلكون مدخرات وخبرات في التجارة والصناعة والزراعة والخدمات والإدارة، وعند استثمارها داخل المحافظة فإنها لا تحسن دخل أصحابها فقط، بل تخلق فرص عمل، وتنشط الأسواق وتحرك الدورة الاقتصادية.
وأكدت أن إقامة مشروع زراعي أو صناعي أو تجاري لا تعني مجرد ضخ رأس مال جديد بل تنشط سلسلة من الأنشطة المرتبطة به مثل العمالة والمواد الأولية والنقل والصيانة والتسويق بما ينعكس إيجاباً على قطاعات متعددة وأصحاب المهن الصغيرة.
وأشارت إلى أن مساهمة المغتربين لا تقتصر على التمويل بل تشمل نقل الخبرات وأساليب الإدارة والتسويق والتقنيات الحديثة بما يسهم في تطوير بيئة الأعمال ورفع كفاءة المشاريع، كما يمكنهم إدخال تقنيات حديثة في القطاع الزراعي والاستثمار في الصناعات الغذائية بما يرفع الإنتاجية ويضيف قيمة للمحاصيل.
ولفتت د. الشياح، إلى أن هذه الفرصة تواجه تحديات تتمثل في الحاجة إلى بيئة مستقرة وبنية تحتية وخدمات مناسبة إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلب الأسعار، وضعف القدرة الشرائية، وصعوبة الوصول إلى التمويل وهي عوامل قد تدفع بعض المغتربين إلى تأجيل الاستثمار أو الاكتفاء بإنفاق مدخراتهم على احتياجاتهم.
خيارات وإدارة احترافية
وبيّنت أن أثر عودة المغتربين يعتمد على كيفية توظيف أموالهم فإذا اتجهت للاستهلاك فقط كان أثرها مؤقتًا، أما إذا تحولت إلى استثمارات إنتاجية فإنها تخلق وظائف وتزيد الإنتاج والدخل وتعزز النشاط الاقتصادي على المدى الطويل.
وختمت الشياح بالقول إن عودة المغتربين تحمل أيضًا آثاراً اجتماعية مهمة من خلال استعادة جزء من رأس المال البشري الذي فقدته المحافظة وقد تشجع نجاحات العائدين مغتربين آخرين على العودة والاستثمار.
وأكدت أن تحويل هذه الفرصة إلى واقع اقتصادي ملموس يتطلب بيئة تشجع الاستثمار وتدعم المشاريع الإنتاجية وتوفر مقومات الاستقرار، بما يمنح درعا فرصة لاستعادة جزء من قدرتها على النمو والتنمية.


