سوريا - اقتصاد
سباق مسافات طويلة على الجغرافيا السورية.. وعود تراكمية أم خارطة اقتصادية؟
ه
هبة الكل
نشر في: ٤ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٦:٥٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

منذ العام الماضي ونصف العام الجاري، أعلنت الحكومة السورية عن توقيع أكثر من 280 مذكرة تفاهم واتفاقية، بقيمة تجاوزت 65 مليار دولار، في واحدة من أكبر موجات التفاهمات الاقتصادية التي شهدتها البلاد منذ عقود. واعتماداً على رصد بيانات المصادر المفتوحة، يكشف هذا التقرير أن الأولويات الاستثمارية اتجهت بصورة واضحة نحو القطاعات القادرة على تحريك الاقتصاد وتحقيق عوائد مباشرة؛ إذ استحوذت الطاقة والاستثمار والاقتصاد على أكثر من نصف الاتفاقيات المعلنة، وبنسبة 61%، فيما جاءت قطاعات أخرى مثل الحوكمة والتدريب والإغاثة وشؤون النازحين بنسبة 15%، والصحة 14%، والزراعة 6%، والإعمار والبنية التحتية 4%، بنسب أقل، رغم الحاجة الواسعة إليها بعد سنوات الحرب.
لائحة شراكات "إستراتيجية"
وعلى مستوى الجهات الموقِّعة، تصدَّرت المنظمات الدولية والشركات الخاصة القائمة، تلتها السعودية، ثم تركيا، فالأردن، في مشهد يعكس تعدد الفاعلين الإقليميين واللاعبين الدوليين الساعين إلى تثبيت حضورهم في الاقتصاد السوري خلال المرحلة الانتقالية الراهنة. ورغم ضخامة هذه الأرقام والانفتاح على سوريا، إلا أنها لا تقدّم صورة كاملة عن واقع الاستثمار والاقتصاد في البلاد؛ فالخبراء يشيرون إلى أن مذكرات التفاهم، التي تشكل نسبة كبيرة من الوثائق الموقعة، لا تعني بالضرورة بدء تنفيذ المشاريع.
وبينما تُعَدّ مذكرات التفاهم خطوة أولى في مسار الاستثمار، فإن غياب مؤشرات التنفيذ يجعل من الصعب قياس أثرها الاقتصادي، الأمر الذي يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تعكس هذه الاتفاقيات بداية تعافٍ اقتصادي حقيقي، أم أنها ترسم في المقام الأول خريطة للمصالح الاقتصادية والسياسية في سوريا الجديدة؟
اقتصاد المرحلة الانتقالية
لا يبدو العدد الكبير من الاتفاقيات استثنائياً عند مقارنته بتجارب دول خرجت من نزاعات وحروب، أو شهدت انتقالاً سياسياً. وفقاً للخبيرين اللذين تحدثا إلى موقع "العين السورية"، يرى كلاهما أن مذكرات التفاهم غالباً ما تسبق الاستثمارات الفعلية، إلا أنهما يختلفان في قراءة ما تعكسه وفق المرحلة الراهنة.
إذ يوضح الباحث الاقتصادي يونس كريم أن توقيع أكثر من 280 اتفاقية ومذكرة تفاهم خلال فترة قصيرة يُعَدّ رقماً كبيراً مقارنة بحجم الاقتصاد السوري الحالي، وكذلك بحجم المشاريع التي انطلقت على الأرض. مضيفاً أن هذا العدد الضخم ليس أمراً استثنائياً إذا ما قورن بتجارب الدول الخارجة من الحروب، حيث تشهد هذه المراحل عادة سباقاً إقليمياً ودولياً لحجز مواقع اقتصادية وسياسية مبكرة.
وبحسب كريم، فإن مذكرات التفاهم لا تمثل في هذه المرحلة استثمارات منفَّذة، بقدر ما تعكس رغبة الدول والشركات في تحديد المساحات أو القطاعات الجغرافية المهتمة بها، في محاولة للسيطرة والتأثير وبسط النفوذ الاقتصادي داخل سوريا. فضلاً عن كونها رسائل خارجية تفيد بعودة سوريا إلى الخارطة الاقتصادية، كمحاولة لنزع الصفة العسكرية عن البلاد، وطمأنة المستثمرين وجذب ثقتهم، وبالتالي دخول الأموال وتحسُّن القوة الشرائية للعملة.
كما يشير الكريم إلى أنها تمثل إعلاناً غير مباشر عن اتجاهات التحالفات الاقتصادية الجديدة، فضلاً عن أنها تمنح الشركات التي تدخل مبكراً فرصاً للحصول على امتيازات قد لا تكون متاحة بعد استقرار السوق الاقتصادية.
تنازع أولويات
في المقابل، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم العكلة أن تقييم عدد الاتفاقيات ينبغي أن يتم في ضوء المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، لا وفق حجم الاقتصاد السوري الحالي فقط، معتبراً أن كثرة مذكرات التفاهم هي مؤشر على عودة سوريا تدريجياً إلى خارطة الاهتمام الاقتصادي الإقليمي، كما تعكس استعداد العديد من الدول والشركات لاستكشاف فرص التعاون والاستثمار.
ويشير العكلة إلى أن الاقتصادات الخارجة من أزمات غالباً ما تبدأ بإبرام تفاهمات أولية تسبق مرحلة الاستثمارات الفعلية، كونها توفر الإطار القانوني والفني اللازمين للانتقال إلى العقود التنفيذية للمشاريع المستقبلية.
ويضيف أن مذكرات التفاهم ليست عقوداً نهائية، وإنما مرحلة تأسيسية تتيح إجراء الدراسات الفنية، والتقييم المالي، واستكمال المفاوضات القانونية، وهو ما يجعل بقاء عدد منها في هذه المرحلة أمراً طبيعياً، خاصة في المشاريع الاستراتيجية الكبرى.
من النوايا إلى التنفيذ
وبالرغم من الإعلان عن مئات الاتفاقيات والمذكرات، إلا أن نسبة كبيرة منها تنتظر مرحلة التنفيذ الفعلي، ولعل أهمها تلك التي تتعلق بالربط الطرقي، ومشاريع الطاقة الشمسية، ونقل وتحويل الكهرباء، مما يجعل التحدي الأبرز في قدرتها على التحول إلى مشاريع منفَّذة فعلياً.
يربط كريم ذلك التحدي بجملة من العوامل، في مقدمتها الحاجة إلى استقرار سياسي وقانوني، وتحسُّن القوة الشرائية، إضافة إلى توافر ضمانات تتيح للمستثمرين تحقيق عوائد استثمارية. مؤكداً أن غياب هذه الشروط يجعل تنفيذ عدد كبير من الاتفاقيات مؤجلاً، باستثناء المشاريع التي تحظى بدعم مباشر من حكومات أو منظمات دولية ترى في استمرارها ضرورة لتعزيز استقرار الحكومة الجديدة ومنعها من الانهيار، حتى وإن لم تتحقق الربحية خلال السنوات الأولى.
أما الدكتور العكلة، فيبيّن أن تأخُّر التنفيذ يتعلق بالمقام الأول بتحديات تبرز في استكمال الدراسات الفنية، وتأمين التمويل، وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية، إضافة إلى المتغيرات الاقتصادية والإقليمية التي تؤثر في قرارات المستثمرين. موضحاً أن زمن التحول من مذكرة تفاهم إلى عقد تنفيذي يختلف بحسب طبيعة المشروع، فقد يستغرق بضعة أشهر في المشاريع التجارية، بينما قد يمتد إلى عام أو أكثر في مشاريع البنية التحتية والطاقة، وهي مدد يصفها بالطبيعية في الاستثمارات الكبرى على المستوى الدولي.
دوافع دولية
تشير خارطة الرصد إلى تنوع الجهات الدولية الموقِّعة مع سوريا، كإيطاليا وألمانيا والصين والبحرين وأذربيجان والإمارات وقطر والعراق ولبنان وفرنسا والولايات المتحدة وغيرهم، إلا أن أكثرها توقيعاً كانت السعودية، ثم تركيا، فالأردن. غير أن هذا الترتيب لا يعكس اعتبارات اقتصادية فقط، فوفق الخبير كريم يرتبط بحسابات جيوسياسية أيضاً. فانخراط هذه الدول الثلاث في توقيع الاتفاقيات يرتبط بقراءتها لموقع سوريا في التوازنات الإقليمية، إلى جانب الفرص الاقتصادية التي تتيحها مرحلة إعادة الإعمار. معتبراً أن الاقتصادات الخارجة من النزاعات غالباً ما تتحول إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية، حيث تسعى كل دولة إلى ترسيخ حضورها في القطاعات التي تراها ذات أهمية استراتيجية.
ويشير كريم إلى أن السعودية تنظر إلى المشاركة في إعادة الإعمار والطاقة باعتبارها وسيلة لتعزيز حضورها الإقليمي مقابل وقف المد الإيراني، ما يمنع تمدُّد إسرائيل، وبالتالي يُخفِّف الضغط الأمريكي على السعودية لتوقيع اتفاقية أبراهام. فيما تجد تركيا عبر تلك الاتفاقيات أن استقرار سوريا يعني استقراراً لها ولأمنها الحدودي من النفوذ الإيراني أو الجماعات الإرهابية، كما يتيح في الوقت نفسه سوقاً إضافية وعمالة رخيصة للاقتصاد التركي، وخاصة جنوب تركيا، ما يُنعش تلك المنطقة التي تأثرت بالحرب السورية.
وبالنسبة للأردن، يعتقد الخبير الكريم أنه يربط مصالحه بإعادة تنشيط حركة التجارة البرية، وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي، والحد من التهريب، إضافة إلى توفير ظروف أكثر استقراراً قد تشجع على عودة اللاجئين. لافتاً إلى أن دخول الشركات الخاصة في هذه المرحلة لا ينفصل دائماً عن سياسات الدول التي تنتمي إليها، إذ إن جانباً من الاستثمارات الأولى في البيئات الخارجة من النزاعات يكون مدفوعاً باعتبارات استراتيجية إلى جانب الحسابات التجارية.
في المقابل، يقدم الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم العكلة قراءة تركز على البعد الاقتصادي أكثر من الجيوسياسي، ويرى أن تصدُّر السعودية وتركيا والأردن قائمة الدول الموقِّعة يعكس منطق الجغرافيا الاقتصادية، فهذه الدول ترتبط مع سوريا بشبكات تجارة ونقل واستثمار تجعل استقرار الاقتصاد السوري مصلحة مباشرة لها.
ويضيف أن المنظمات الدولية تؤدي دوراً محورياً في تمويل برامج التعافي وإعادة التأهيل، بينما ينظر القطاع الخاص إلى السوق السورية باعتبارها واحدة من الأسواق التي تمتلك احتياجات واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات، وهو ما يخلق فرصاً استثمارية على المدى المتوسط والطويل.
الطاقة في الصدارة
يكشف توزيع الاتفاقيات والمذكرات عن أولوية واضحة لقطاعي الطاقة والاستثمار، مقابل حضور محدود نسبياً لقطاعات مثل الصحة والزراعة والإعمار. وعليه، يوضح كريم أن هذه النتيجة تعكس طبيعة الاقتصادات الخارجة من الحروب، حيث تتجه الاستثمارات أولاً إلى القطاعات القادرة على تحقيق عوائد مباشرة وتوفير البنية الأساسية اللازمة لإعادة تشغيل الاقتصاد. فمشاريع الطاقة، بحسب وصفه، أقل ارتباطاً بالتحولات الاجتماعية والمؤسسية، وأكثر قدرة على جذب التمويل وتحقيق إيرادات تساعد في تنشيط الدورة الاقتصادية.
ويضيف أن القطاعات الاجتماعية، مثل التعليم والصحة والثقافة، تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل ترتبط بتحسُّن مستوى الدخل واستقرار السياسات العامة، وهو ما يجعلها أقل جاذبية للمستثمرين في المراحل الأولى من التعافي.
أما العكلة، فيعتبر أن التركيز على الطاقة والاستثمار ليس مؤشراً على تراجع الاهتمام بالقطاعات الخدمية، بل يعكس ترتيباً للأولويات؛ فإعادة تأهيل البنية التحتية وقطاع الطاقة، من وجهة نظره، تشكل الأساس الذي يسمح بإعادة تنشيط الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتوفير الموارد المالية اللازمة لتطوير الخدمات العامة لاحقاً. مشيراً إلى أن نجاح مشاريع الطاقة والبنية الأساسية قد يفتح المجال أمام توسُّع الاستثمارات في قطاعات أخرى، مع تحسُّن البيئة الاقتصادية وارتفاع مستويات الثقة لدى المستثمرين.
الحلقة المفقودة
ورغم الإعلان عن مئات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، لم نعثر حتى الآن على بيانات دورية ونشرات رسمية توضح عدد المشاريع التي انتقلت إلى مرحلة التنفيذ، أو حجم الاستثمارات التي دخلت السوق فعلياً، أو نسب الإنجاز في كل قطاع. وعليه، يبين كريم أن غياب هذه المؤشرات يمثل أحد أبرز أوجه القصور في إدارة ملف الاستثمار، باعتباره من الانتقادات التي تتوجَّه إليه، إذ يحول دون تقييم الأداء بصورة دقيقة، ويُصعِّب على الباحثين والمستثمرين والرأي العام التمييز بين الاتفاقيات التي بقيت في إطار التفاهمات الأولية، وتلك التي تحولت إلى مشاريع قائمة.
ويرى أن نشر بيانات دورية حول عدد المشاريع المنفَّذة، وحجم الأموال المستثمرة، ونسب الإنجاز، لا يخدم فقط متطلبات الشفافية، بل يوفر أيضاً مؤشرات تساعد على قياس أثر السياسات الاقتصادية، وتعزز قدرة الدولة على حماية حقوقها التعاقدية ومتابعة تنفيذ التزامات الشركاء.
في المقابل، يشير الدكتور جاسم العكلة إلى أن غياب التقارير الدورية لا يعني بالضرورة توقف العمل أو تعثُّر الاتفاقيات، موضحاً أن كثيراً من المشاريع الكبرى تمر بمراحل طويلة من الدراسات الفنية والتفاوض وتأمين التمويل قبل الانتقال إلى التنفيذ، وهي مراحل قد لا تظهر نتائجها للرأي العام إلا بعد توقيع العقود النهائية. ومع ذلك، يتفق العكلة على أن تطوير منظومة الإفصاح ونشر تقارير متابعة منتظمة من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين، ويوفّر صورة أوضح عن تقدُّم المشاريع، بما يسهم في تحسين مناخ الاستثمار خلال المرحلة المقبلة.
مابعد الاتفاقات والتفاؤل؟
تكشف قيمة الاتفاقيات والمذكرات المعلنة عن اهتمام اقتصادي وإقليمي متزايد بسوريا، كما تعكس رغبة العديد من الدول والشركات والمنظمات الدولية في حجز مواقع مبكرة داخل اقتصاد لا يزال في طور إعادة التشكُّل. غير أن هذه الأرقام، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لقياس مسار التعافي الاقتصادي، فمذكرات التفاهم تشكل الخطوة الأولى لهذا المسار، بينما يبقى التنفيذ هو المعيار الذي تُقَاس به نتائج السياسات الاستثمارية على الأرض. فحتى اليوم، لا يتعلق التحدي بعدد الاتفاقيات الموقَّعة أو قيمتها المالية، بل بقدرة هذه التفاهمات على التحول إلى مشاريع منتجة، توفر فرص عمل، وتحرك عجلة الاقتصاد، وتنعكس على حياة السوريين.
من النوايا إلى التنفيذ
وبالرغم من الإعلان عن مئات الاتفاقيات والمذكرات، إلا أن نسبة كبيرة منها تنتظر مرحلة التنفيذ الفعلي، ولعل أهمها تلك التي تتعلق بالربط الطرقي، ومشاريع الطاقة الشمسية، ونقل وتحويل الكهرباء، مما يجعل التحدي الأبرز في قدرتها على التحول إلى مشاريع منفَّذة فعلياً.
يربط كريم ذلك التحدي بجملة من العوامل، في مقدمتها الحاجة إلى استقرار سياسي وقانوني، وتحسُّن القوة الشرائية، إضافة إلى توافر ضمانات تتيح للمستثمرين تحقيق عوائد استثمارية. مؤكداً أن غياب هذه الشروط يجعل تنفيذ عدد كبير من الاتفاقيات مؤجلاً، باستثناء المشاريع التي تحظى بدعم مباشر من حكومات أو منظمات دولية ترى في استمرارها ضرورة لتعزيز استقرار الحكومة الجديدة ومنعها من الانهيار، حتى وإن لم تتحقق الربحية خلال السنوات الأولى.
أما الدكتور العكلة، فيبيّن أن تأخُّر التنفيذ يتعلق بالمقام الأول بتحديات تبرز في استكمال الدراسات الفنية، وتأمين التمويل، وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية، إضافة إلى المتغيرات الاقتصادية والإقليمية التي تؤثر في قرارات المستثمرين. موضحاً أن زمن التحول من مذكرة تفاهم إلى عقد تنفيذي يختلف بحسب طبيعة المشروع، فقد يستغرق بضعة أشهر في المشاريع التجارية، بينما قد يمتد إلى عام أو أكثر في مشاريع البنية التحتية والطاقة، وهي مدد يصفها بالطبيعية في الاستثمارات الكبرى على المستوى الدولي.
دوافع دولية
تشير خارطة الرصد إلى تنوع الجهات الدولية الموقِّعة مع سوريا، كإيطاليا وألمانيا والصين والبحرين وأذربيجان والإمارات وقطر والعراق ولبنان وفرنسا والولايات المتحدة وغيرهم، إلا أن أكثرها توقيعاً كانت السعودية، ثم تركيا، فالأردن. غير أن هذا الترتيب لا يعكس اعتبارات اقتصادية فقط، فوفق الخبير كريم يرتبط بحسابات جيوسياسية أيضاً. فانخراط هذه الدول الثلاث في توقيع الاتفاقيات يرتبط بقراءتها لموقع سوريا في التوازنات الإقليمية، إلى جانب الفرص الاقتصادية التي تتيحها مرحلة إعادة الإعمار. معتبراً أن الاقتصادات الخارجة من النزاعات غالباً ما تتحول إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية، حيث تسعى كل دولة إلى ترسيخ حضورها في القطاعات التي تراها ذات أهمية استراتيجية.
ويشير كريم إلى أن السعودية تنظر إلى المشاركة في إعادة الإعمار والطاقة باعتبارها وسيلة لتعزيز حضورها الإقليمي مقابل وقف المد الإيراني، ما يمنع تمدُّد إسرائيل، وبالتالي يُخفِّف الضغط الأمريكي على السعودية لتوقيع اتفاقية أبراهام. فيما تجد تركيا عبر تلك الاتفاقيات أن استقرار سوريا يعني استقراراً لها ولأمنها الحدودي من النفوذ الإيراني أو الجماعات الإرهابية، كما يتيح في الوقت نفسه سوقاً إضافية وعمالة رخيصة للاقتصاد التركي، وخاصة جنوب تركيا، ما يُنعش تلك المنطقة التي تأثرت بالحرب السورية.
وبالنسبة للأردن، يعتقد الخبير الكريم أنه يربط مصالحه بإعادة تنشيط حركة التجارة البرية، وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي، والحد من التهريب، إضافة إلى توفير ظروف أكثر استقراراً قد تشجع على عودة اللاجئين. لافتاً إلى أن دخول الشركات الخاصة في هذه المرحلة لا ينفصل دائماً عن سياسات الدول التي تنتمي إليها، إذ إن جانباً من الاستثمارات الأولى في البيئات الخارجة من النزاعات يكون مدفوعاً باعتبارات استراتيجية إلى جانب الحسابات التجارية.
في المقابل، يقدم الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم العكلة قراءة تركز على البعد الاقتصادي أكثر من الجيوسياسي، ويرى أن تصدُّر السعودية وتركيا والأردن قائمة الدول الموقِّعة يعكس منطق الجغرافيا الاقتصادية، فهذه الدول ترتبط مع سوريا بشبكات تجارة ونقل واستثمار تجعل استقرار الاقتصاد السوري مصلحة مباشرة لها.
ويضيف أن المنظمات الدولية تؤدي دوراً محورياً في تمويل برامج التعافي وإعادة التأهيل، بينما ينظر القطاع الخاص إلى السوق السورية باعتبارها واحدة من الأسواق التي تمتلك احتياجات واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات، وهو ما يخلق فرصاً استثمارية على المدى المتوسط والطويل.
الطاقة في الصدارة
يكشف توزيع الاتفاقيات والمذكرات عن أولوية واضحة لقطاعي الطاقة والاستثمار، مقابل حضور محدود نسبياً لقطاعات مثل الصحة والزراعة والإعمار. وعليه، يوضح كريم أن هذه النتيجة تعكس طبيعة الاقتصادات الخارجة من الحروب، حيث تتجه الاستثمارات أولاً إلى القطاعات القادرة على تحقيق عوائد مباشرة وتوفير البنية الأساسية اللازمة لإعادة تشغيل الاقتصاد. فمشاريع الطاقة، بحسب وصفه، أقل ارتباطاً بالتحولات الاجتماعية والمؤسسية، وأكثر قدرة على جذب التمويل وتحقيق إيرادات تساعد في تنشيط الدورة الاقتصادية.
ويضيف أن القطاعات الاجتماعية، مثل التعليم والصحة والثقافة، تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل ترتبط بتحسُّن مستوى الدخل واستقرار السياسات العامة، وهو ما يجعلها أقل جاذبية للمستثمرين في المراحل الأولى من التعافي.
أما العكلة، فيعتبر أن التركيز على الطاقة والاستثمار ليس مؤشراً على تراجع الاهتمام بالقطاعات الخدمية، بل يعكس ترتيباً للأولويات؛ فإعادة تأهيل البنية التحتية وقطاع الطاقة، من وجهة نظره، تشكل الأساس الذي يسمح بإعادة تنشيط الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتوفير الموارد المالية اللازمة لتطوير الخدمات العامة لاحقاً. مشيراً إلى أن نجاح مشاريع الطاقة والبنية الأساسية قد يفتح المجال أمام توسُّع الاستثمارات في قطاعات أخرى، مع تحسُّن البيئة الاقتصادية وارتفاع مستويات الثقة لدى المستثمرين.
الحلقة المفقودة
ورغم الإعلان عن مئات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، لم نعثر حتى الآن على بيانات دورية ونشرات رسمية توضح عدد المشاريع التي انتقلت إلى مرحلة التنفيذ، أو حجم الاستثمارات التي دخلت السوق فعلياً، أو نسب الإنجاز في كل قطاع. وعليه، يبين كريم أن غياب هذه المؤشرات يمثل أحد أبرز أوجه القصور في إدارة ملف الاستثمار، باعتباره من الانتقادات التي تتوجَّه إليه، إذ يحول دون تقييم الأداء بصورة دقيقة، ويُصعِّب على الباحثين والمستثمرين والرأي العام التمييز بين الاتفاقيات التي بقيت في إطار التفاهمات الأولية، وتلك التي تحولت إلى مشاريع قائمة.
ويرى أن نشر بيانات دورية حول عدد المشاريع المنفَّذة، وحجم الأموال المستثمرة، ونسب الإنجاز، لا يخدم فقط متطلبات الشفافية، بل يوفر أيضاً مؤشرات تساعد على قياس أثر السياسات الاقتصادية، وتعزز قدرة الدولة على حماية حقوقها التعاقدية ومتابعة تنفيذ التزامات الشركاء.
في المقابل، يشير الدكتور جاسم العكلة إلى أن غياب التقارير الدورية لا يعني بالضرورة توقف العمل أو تعثُّر الاتفاقيات، موضحاً أن كثيراً من المشاريع الكبرى تمر بمراحل طويلة من الدراسات الفنية والتفاوض وتأمين التمويل قبل الانتقال إلى التنفيذ، وهي مراحل قد لا تظهر نتائجها للرأي العام إلا بعد توقيع العقود النهائية. ومع ذلك، يتفق العكلة على أن تطوير منظومة الإفصاح ونشر تقارير متابعة منتظمة من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين، ويوفّر صورة أوضح عن تقدُّم المشاريع، بما يسهم في تحسين مناخ الاستثمار خلال المرحلة المقبلة.
مابعد الاتفاقات والتفاؤل؟
تكشف قيمة الاتفاقيات والمذكرات المعلنة عن اهتمام اقتصادي وإقليمي متزايد بسوريا، كما تعكس رغبة العديد من الدول والشركات والمنظمات الدولية في حجز مواقع مبكرة داخل اقتصاد لا يزال في طور إعادة التشكُّل. غير أن هذه الأرقام، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لقياس مسار التعافي الاقتصادي، فمذكرات التفاهم تشكل الخطوة الأولى لهذا المسار، بينما يبقى التنفيذ هو المعيار الذي تُقَاس به نتائج السياسات الاستثمارية على الأرض. فحتى اليوم، لا يتعلق التحدي بعدد الاتفاقيات الموقَّعة أو قيمتها المالية، بل بقدرة هذه التفاهمات على التحول إلى مشاريع منتجة، توفر فرص عمل، وتحرك عجلة الاقتصاد، وتنعكس على حياة السوريين.


