سوريا - محليات
استنفار حكومي لتعزير سلامة الطرق.. وزارة الطوارئ تقود فريق استدراك شامل
ا
العين السورية
نشر في: ٤ أغسطس ٢٠٢٦، ١٤:٠٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في خطوة استباقية لمعالجة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل البري، أقرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية خطة عمل مرحلية طموحة لتعزيز السلامة على الطرق السريعة.
وعُقد الاجتماع الطارئ في مقر الوزارة بدمشق، بمشاركة نخبة من المعنيين يمثلون وزارات الداخلية، والإدارة المحلية، والصحة، والنقل، والأشغال العامة، والإعلام. وقد ركزت الخطة المعتمدة على نهج علمي يتسم بالدقة والفورية، حيث يتضمن المحور الأول حصر وتصنيف "النقاط السوداء"، وهي البؤر التي تشهد معدلات مرتفعة من الحوادث، مع إعطاء أولوية قصوى لطريق دير الزور - دمشق البالغ طوله 425 كيلومتراً، والذي يعاني من غياب الجزيرة الوسطية الفاصلة بين المسربين.
وتشمل التدابير التصحيحية العاجلة استكمال عناصر التشوير والإنارة في المقاطع شديدة الخطورة، إلى جانب تكثيف الدوريات المرورية وضبط السرعات، والتدقيق الصارم في الجاهزية الفنية لمركبات النقل الجماعي. ولم تغفل الخطة الجانب الإنساني، حيث تم التأكيد على تعزيز انتشار فرق الإسعاف والإطفاء على الطرق الرئيسية، مع إطلاق حملة توعية وطنية شاملة تهدف إلى ترسيخ ثقافة القيادة الآمنة.
دليل وطني
وطورت الوزارة "الدليل الوطني لسلامة الطرق والنقل البري" كمرجعية فنية ملزمة للجهات المعنية، في خطوة تهدف إلى توحيد الجهود ورفع جودة البنية التحتية. كما تداول المجتمعون مقترحاً لتشكيل "اللجنة الوطنية للكشف على الطرق السريعة"، التي ستتولى مهام إجراء الكشوفات الميدانية ومتابعة تنفيذ معايير السلامة والحماية المدنية، مع تحديد أدوار ومسؤوليات كل وزارة بوضوح.
يُذكر أن طريق دمشق - دير الزور شهد وحده 35 حادث سير منذ بداية العام، مما يبرز الحاجة الملحة لهذه التدخلات. وفي السياق، تدرس المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية عروضاً لإعادة تأهيل الطريق وإنشاء فرع ثانٍ يفصل اتجاهات الحركة، وهو مشروع قد يستغرق عامين. ومع ذلك، تركز الخطة الحالية على إجراءات سريعة لمعالجة النقاط الخطرة، سعياً لإنقاذ الأرواح وتعزيز ثقة المواطنين بسلامة النقل البري، وسط آمال بأن تشكل هذه الخطوة نقلة نوعية في منظومة السلامة المرورية الوطنية.
أزمة مركبة تبحث عن حلول شاملة
باتت حوادث السير في سوريا، واحدة من أبرز التحديات التي تهدد السلامة العامة، في وقت تواجه فيه البلاد مرحلة إعادة إعمار تستوجب بناء بنية تحتية آمنة ومستدامة. فبينما تتجه الحكومة السورية نحو تأهيل شبكة الطرق وتحديثها، تواصل الحوادث المرورية حصد الأرواح وإلحاق الخسائر المادية، في مشهد يعكس أزمة متعددة الأبعاد تتشابك فيها العوامل البشرية والفنية مع تداعيات الحرب وتآكل البنية التحتية.
أرقام مقلقة تعكس حجم المأساة
تكشف البيانات الرسمية عن حجم المأساة الذي لا يقل خطورة عن أي كارثة طبيعية. فوفقاً لإحصاءات الدفاع المدني، استجابت الفرق المختصة منذ بداية عام 2025 وحتى 20 تموز من العام نفسه لـ 1,412 حادث سير، أسفرت عن وفاة 81 شخصاً وإصابة 1,299 آخرين.
غير أن هذه الأرقام لم تشهد تراجعاً في العام 2026، إذ سجل شهر حزيران وحده 540 حادثاً نتج عنها وفاة 25 شخصاً وإصابة 537 آخرين، فيما سجل شهر تموز 516 حادثاً أسفرت عن وفاة 64 شخصاً وإصابة 604 أشخاص. وهذا يعني أن معدل الحوادث اليومي يتجاوز 17 حادثاً، أي ما يعادل حادثاً كل ساعة ونصف تقريباً، وفق الحسابات الإكتوارية المجردة.
ويعد حادث اصطدام حافلتين على الطريق الواصل بين السخنة وتدمر ضمن محور دير الزور–دمشق في 25 تموز 2026 الأكثر مأساوية، حيث أدى إلى وفاة 35 شخصاً وإصابة 30 آخرين، كاشفاً عن هشاشة منظومة السلامة المرورية، وعن غياب الحد الأدنى من معايير الأمان على بعض الطرق الحيوية.
عوامل متداخلة
الواقع أن أسباب حوادث السير في سورية بين عوامل بشرية وفنية، يأتي في مقدمتها السرعة الزائدة، وعدم التقيد بقواعد المرور، والتجاوزات الخاطئة، وضعف الانتباه أثناء القيادة، واستخدام الهاتف المحمول. وهذه السلوكيات تعكس ثقافة مرورية متداعية، تترسخ مع غياب الرقابة الفاعلة وضعف الردع القانوني.
إلى ذلك، تساهم الأعطال الفنية في المركبات، ولا سيما الإطارات والمكابح، في نسبة كبيرة من الحوادث، ومع تقدم عمر الأسطول المروري في سورية نتيجة سنوات الحصار والعقوبات والحرب، تتفاقم هذه المشكلة حيث تفتقر الكثير من المركبات إلى الصيانة الدورية اللازمة.
إجراءات هيكلية
في مواجهة هذه الأزمة، أطلقت الحكومة السورية سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز السلامة المرورية، من بينها تكثيف انتشار الدوريات المرورية، وتشديد الرقابة على المخالفات، والتوسع في استخدام الكاميرات الذكية وأجهزة رصد السرعة. كما أعلنت وزارة النقل بدء تنفيذ خطة لإعادة تأهيل الطرق المركزية وفق أحدث المعايير الفنية، ورصدت نحو نصف مليار دولار لتنفيذ مشاريع الطرق.
غير أن هذه الجهود تواجه تحديات هيكلية تعيق تحقيق الأهداف المنشودة، أبرزها غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة تُمكن من تحليل دقيق لمواقع الحوادث وأسبابها، إضافة إلى تداخل الصلاحيات بين الجهات المعنية ومحدودية التمويل مقارنة بحجم الأضرار التي لحقت بشبكة الطرق. كما يبقى تحدي تغيير السلوكيات وترسيخ ثقافة السلامة المرورية من أبرز العقبات التي لا يمكن للبنية التحتية وحدها تجاوزها.
ويشير الخبراء إلى أن تحسين السلامة المرورية في سورية يتطلب تحولاً مؤسسياً وثقافياً طويل الأمد، يبدأ من الاعتراف بالمشكلة ويمر عبر بناء القدرات وينتهي بتغيير السلوكيات، مع التأكيد على أن سلامة الطرق ليست ترفاً، بل حق أساسي لكل مواطن ومؤشر على مدى احترام الدولة لحياة مواطنيها.


