سوريا - رأي
هل تُبدد سيادة القانون الهواجس من شروط المنح الدولية لسوريا ؟
ش
شذا ابراهيم
نشر في: ١٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٠٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

وافق مجلس المديرين التنفيذيين في البنك الدولي، مطلع آب، على منحةٍ غير مستردّة لسوريا بمئة مليون دولار، لتحديث القطاع الماليّ. الخبر يبعث على التفاؤل ويثير المخاوف في آنٍ واحد. فمن جهة تعود الثقة الدولية لبلدٍ عاش سنوات من العُزلة الاقتصادية والمؤسسية، وينفتح باب التمويل الذي نحتاجه فعلاً. ومن جهةٍ أخرى تحمل المنحة مخاوف مشروعة من الثمن الاقتصادي والسياسي المرافق لمثل هذه المنح، ومخاطر تحويل المنح إلى أدوات ضغط ناعم تنزع عن الدولة حقها ودورها في إدارة اقتصادها.
التجارب الدولية والفرص المتاحة
للموازنة ولتبديد المخاوف نعود إلى تجارب دولٍ سبقتنا في سلوك هذا المسار المعقد لإعادة البناء والتأسيس، ففي البوسنة والهرسك أنفق المانحون نحو 21.8 مليار دولار منذ عام 1994، للتمكّن من إعادة بناء البُنى التحتية والمصارف. لكنّ بنية (دايتون) الهشة والمجزأة أبقت البلد رهن المعونة، حتى سُميت تلك السنوات بـ (العقد الضائع). وفي لبنان، أُدير ملف إعادة الإعمار عبر جهازٍ خاص (مجلس الإنماء والإعمار CDR) تولى صلاحيات التمويل والتعاقد بدلاً من الوزارات. أدى ذلك إلى خلق دولة موازية تتغذى على الفساد والمحاصصة، لينتهي البلد إلى انهيارٍ ماليّ لم يتعافَ منه بعد.
وفي المقابل، ثمّة من سلك الطريق الآخر برؤية أكثر حزماً، ففي رواندا، بعد الإبادة الجماعية التي مزّقت البلد، رُبطت المعونة بإصلاحٍ مؤسّسيّ صارمٍ وبناء منظومة للشفافية بالإضافة إلى مكافحة الفساد، فحقّق الاقتصاد نموّاً بمعدّلاتٍ عالية في سنوات الإعمار. وفي فيتنام، بدأ الإصلاح المؤسسي والمالي قبل وصول التمويل الصريح، حتى إنّ البنك الدولي قدم النصح للحكومة لسنواتٍ طويلة قبل أن يموّلها، فتراجع الفقر من نحو 58% إلى 37% في ستّ سنوات. وفي الحالتين كان المحرك الأساسي لصناعة التغيير هو المؤسسة الوطنية المشرفة على توظيف التمويل والسياسات المتبعة، وليس المال وحده.
أما بالنسبة لسوريا اليوم، عند قراءة الواقع القانوني والمؤسسي، يتبين لنا أنّ الأساس ليس فارغاً، فثمة أجهزة رقابة تعمل فعلاً، من الجهاز المركزي للرقابة المالية إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وقد كشفت ملفات فساد بمبالغ ضخمة مما يؤسس لمرحلة حوكمة جديدة. والقوانين الناظمة للرقابة المالية تخضع حالياً للتعديل والتطوير لتعزيز استقلاليتها ومقاربتها من المعايير الدولية.
وفي المقابل، ثمّة من سلك الطريق الآخر برؤية أكثر حزماً، ففي رواندا، بعد الإبادة الجماعية التي مزّقت البلد، رُبطت المعونة بإصلاحٍ مؤسّسيّ صارمٍ وبناء منظومة للشفافية بالإضافة إلى مكافحة الفساد، فحقّق الاقتصاد نموّاً بمعدّلاتٍ عالية في سنوات الإعمار. وفي فيتنام، بدأ الإصلاح المؤسسي والمالي قبل وصول التمويل الصريح، حتى إنّ البنك الدولي قدم النصح للحكومة لسنواتٍ طويلة قبل أن يموّلها، فتراجع الفقر من نحو 58% إلى 37% في ستّ سنوات. وفي الحالتين كان المحرك الأساسي لصناعة التغيير هو المؤسسة الوطنية المشرفة على توظيف التمويل والسياسات المتبعة، وليس المال وحده.
أما بالنسبة لسوريا اليوم، عند قراءة الواقع القانوني والمؤسسي، يتبين لنا أنّ الأساس ليس فارغاً، فثمة أجهزة رقابة تعمل فعلاً، من الجهاز المركزي للرقابة المالية إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وقد كشفت ملفات فساد بمبالغ ضخمة مما يؤسس لمرحلة حوكمة جديدة. والقوانين الناظمة للرقابة المالية تخضع حالياً للتعديل والتطوير لتعزيز استقلاليتها ومقاربتها من المعايير الدولية.
مرحلة التأسيس والرقابة السابقة واللاحقة
الواقع الحالي يؤكد أننا في مرحلة البناء والتأسيس، فالأجهزة الرقابية تؤدي دوراً حيوياً في ضبط الإنفاق وحماية المال العام، وهو دور ينتمي أصولاً إلى المرحلة اللاحقة للنشر والتعاقد والإنفاق (الرقابة اللاحقة). غير أن تحقيق أقصى استفادة تنموية من هذه المنحة وما سيعقبها من تمويلات، يتطلب استكمال الدورة المؤسسية من بدايتها. عبر ربط أدوات الفحص اللاحق بأُطُر تنظيمية تُحكم قبضتها السابقة على آليات توجيه الأموال وصرفها، لضمان النزاهة والشفافية قبل تنفيذ أي تعاقد.
القطاع المالي هو عصب الاقتصاد
غير أن الزاوية الأكثر أهمية في هذه المنحة تكمن في طبيعة القطاع المستهدف. فالقطاع المالي ليس مجرد بقعة جغرافية نُعَبّدُ فيها طريقاً أو نرمم فيها جسراً، إنما هو أساس إدارة اقتصاد البلد. والمنحة المقدمة من البنك الدولي لـ "تحديث القطاع المالي" ترسم معايير تقنية وبرمجية وقواعد للامتثال وآليات للدفاع الرقمي. أي المعايير التي تعمل بها المصارف، وهذه المعايير تُحدد في العمق كيف تتحرك الأموال ومن تُمنح له التسهيلات الائتمانية مستقبلاً.
من استيراد البرمجيات إلى توطين المعرفة
وتبقى الفكرة الأكثر إلحاحاً هي التحديث الرقميّ بحيث يتجاوز الصياغة التشريعية إلى توطين التكنولوجيا والمعرفة. فمشروعاتٌ كهذه كثيراً ما تقوم على برمجياتٍ جاهزة وحزم حمايةٍ تديرها شركاتٌ أجنبية، ما قد يحوّل مصارفنا إلى مجرّد مشغِّلٍ للأنظمة. وهنا تكتسب المنحة بُعدها الأعمق إن تضمنت شروطاً لنقل المعرفة وتدريب الكوادر، بإشراك الكفاءات السورية الشابة والشركات البرمجية المحلية في بناء هذه البنية، حتى يُدار النظام الماليّ بأيدٍ وطنية قادرة على تطويره بنفسها.
الشمول المالي والأثر الاجتماعي
والتحديث التقني والتشريعي للقطاع المالي لا يكتسب قيمته الوطنية الحقيقية إلا بقدرته على التغلغل في الاقتصاد الواقعي. وإنّ تبديد المخاطر في تجارب التعافي تتجسد بنشوء قطاع مصرفي حديث يتعامل بكفاءة مع المؤسسات الكبرى والمنظمات من ناحية، ويصل إلى صغار المزارعين والحرفيين والمشروعات الناشئة التي تُمثّل العصب الحقيقي للإنتاج السوري، من ناحية أخرى. فالقيمة الفعلية لتطوير نظم المدفوعات الرقمية والائتمان تتجلى في تحويل الخدمات المالية إلى أدوات ميسرة تُسهل التدفقات النقدية إلى المحافظات، وتُبسط التمويل الأصغر، وتدعم قدرة صغار المنتجين على الاندماج في الدورة الاقتصادية.
نجاح التجربة ضماناً لترسيخ الثقة
ولا يخفى على أحد أنّ مئة مليون دولار مبلغٌ يُعدّ تمويلاً تأسيسياّ أمام الكلفة الشاملة لإعادة التعافي والتنمية والتي قدّرها البنك الدولي بـ 216 مليار دولار تقريباً. غير أنّ قيمة المنحة تتمثّل في كونها "اختبار استيعاب" للقدرة المؤسسية السورية. المانحون الدوليون ينظرون لهذه المنحة كبالون اختبار لمدى قدرة المؤسسة السورية على إدارة المئة مليون دولار بشفافية ونزاهة وفاعلية تنموية. إن تقديم نموذج ناجح في هذا الاختبار التقني والإداري من شأنه أن يُرسخ الثقة بمؤسساتنا، ويفتح الباب لاستقطاب التمويلات الضخمة التي يحتاجها الإعمار الحقيقي بشروطنا الوطنية.
التأسيس القانوني التشريعي لاستقبال المنح
ولكي نتحول من مرحلة استقبال التمويلات التقنية إلى التأسيس المستدام، يلزمنا أن نُكمل الدورة المؤسسية بضوابط تشريعية تسبق الإنفاق، تُضاف إلى الأدوات الرقابية اللاحقة. يبدأ ذلك بإقرار قانون عقودٍ عامّة حديثٍ وشفّاف، يقوم على المنافسة والإفصاح ومنع تضارب المصالح، يحلّ محلّ نظام العقود رقم 51 لعام 2004 الذي ظلّ يحكم التعاقد العامّ منذ عشرين عاماً بتعديلاته وتعليماته المتراكمة. ويمتدّ إلى تعزيز استقلالية أجهزة الرقابة عن السلطة التنفيذية. ويكتمل برقابةٍ برلمانية فعلية، يسأل فيها مجلس الشعب عن أثر الإنفاق على الموازنة العامة والاقتصاد الكلي. عندئذٍ تتحوّل المعايير التي تحملها المنحة إلى قانونٍ سوريّ نتبنّاه بوعي، يخدم الإنتاج الحقيقيّ والسيادة الماليّة.
تبقى المنحة، على أهمّيتها، خطوةً أولى صغيرة على طريقٍ طويل. والدرس الذي تكرّر في كلّ تجربةٍ سبقتنا هو أنّ المال يبني حين تمسكه المؤسسة الوطنية، ويتبدّد حين لا تتواجد خطط استراتيجية لمأسسته. وسوريا اليوم تملك بذرة هذه المؤسسة، وأمامها فرصةٌ نادرة لتُكمل بناءها بينما يصل التمويل. فإن سبق القانونُ الدولارَ، صار كلّ دولارٍ حجراً في بناء الدولة، ووصلت الخدمات المالية إلى من حُرموا منها طويلاً، وإن تأخّر، غاب الأثر المرجو عن حياة الناس؛ غير أنّ الفرصة ما زالت قائمة لتثبيت بذرة المؤسسة الوطنية الحديثة، وجعل القانون القوة المحركة للأموال، لينتقل اقتصادنا من مرحلة تجاوز الأزمات إلى مرحلة النمو المستدام والازدهار الملموس للجميع.


