سوريا - رأي
التعليم الذي يحرّر والتعليم الذي يكسر: كيف نطوي إرث الخوف في الصف السوري؟
حين تدخل العصا إلى الصف.. أي تعليم نريد لسوريا؟
ش
شذا ابراهيم
نشر في: ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٤:١٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في جلسةٍ عُقدت لمناقشة تعليمٍ يترنّح تحت وطأة أرقامٍ ثقيلة، نحو مليوني طفلٍ تسرّبوا من مقاعدهم، وآلاف المدارس بين ركامٍ وإخلاء، وأربعة عشر ألف معلمٍ يُعادون إلى صفوفهم بعد فصلٍ طويل، كان يُنتظَر أن يصطدم النقاش بجذر الأزمة.
غير أنّه انحرف بهدوءٍ نحو سؤالٍ من طرازٍ آخر: هل نسمح بضرب الطلاب؟ خرج أحد الأعضاء مدافعاً عن العصا بوصفها وسيلةً تربويّةً ناجعة، مُحمّلاً إلغاءها مسؤوليّة "حالاتٍ سلبيّة" في المدارس.
وفي المداخلة المجاورة حضر قلقٌ من "تأنيث التعليم"، وربطٌ بين كثرة المعلّمات وضعف شخصيّة الأجيال. مشهدان صغيران، لكنّهما يفتحان باباً أوسع من الجلسة كلّها.
العصا لمن عصى
الطلب الذي ارتفع تحت القبّة أعمق من رأي رجلٍ واحدٍ أو مقترحٍ عابر، إنّه نُطقٌ عالٍ ببداهةٍ نائمةٍ في لاوعينا الجمعيّ منذ زمن، تلك التي اختصرها المثل السائر: "العصا لمن عصى".
ردد النائب ما تعلّم أن يراه طبيعيّاً، وما تعلّمناه جميعاً بدرجاتٍ متفاوتة، أنّ العنف أداةٌ مشروعةٌ لإدارة الأضعف، في البيت والمدرسة معاً. هذه البداهة رسوبٌ ثقافيٌّ تراكم عبر أجيال، ينقله الأب إلى ابنه بجملةٍ واحدة: "أنا انضربتُ وطلعت رجّال". وحين تتكرّر هذه الجملة في كلّ بيتٍ ومدرسة، تفقد صفتها كرأيٍ قابلٍ للنقاش، وتكتسب هيئة الحقيقة الطبيعيّة التي لا تُساءَل.
والمدرسة، في هذا الإرث، أوسع من مكانٍ للمعرفة. إنّها إحدى الورش الكبرى التي تُعاد فيها صياغة علاقة الطاعة: من يأمر ومن يمتثل، من يملك الصوت ومن يُنتظَر منه الصمت. الطفل الذي يتعلّم في السادسة أنّ الخطأ يُقابَل بالألم، يتخرّج مواطناً يعرف مسبقاً أنّ الاعتراض ثمنه باهظ.
لهذا يظلّ العنف المدرسيّ الحلقة الأولى في سلسلةٍ طويلةٍ تنتهي عند علاقة المواطن بالسلطة، مهما بدا في ظاهره تفصيلاً تربويّاً عابراً، العنف في الصفّ هو الدرس الأوّل في الطاعة، قبل أن يكون أيّ شيءٍ آخر.
الهيبة والعصا: قلقٌ من نوعٍ واحد
تسير الدعوة إلى الضرب جنباً إلى جنبٍ مع القلق من "تأنيث التعليم"، والعنصران ينبعان من هاجسٍ واحد يتمثل في استعادة "الهيبة" عبر القوّة والذكورة معاً. في هذا التصوّر تُنتزَع السلطة التربويّة بالخوف، ومن يخشى أن يُضعِف حضورُ المعلّمات "شخصيّة" التلاميذ يكشف من دون قصدٍ عن تصوّره لماهيّة التعليم ذاته، فهو يراها، أو يعتقد أنها يجب أن تكون عمليّة إخضاعٍ تحتاج قبضةً خشنة، بدل عمليّة تنشئةٍ تحتاج صبراً ومعرفة.
وثمّة طبقةٌ أدقّ في المداخلة تستحقّ التوقّف. فقد استند صاحبها إلى قناعةٍ خاصّة ليقترح قاعدةً عامّةً تُطبَّق على مدرسةٍ تضمّ أطفالاً من خلفياتٍ متعدّدة. وهنا يقع الالتباس الجوهريّ. للفرد أن يربّي أبناءه في بيته وفق ما يؤمن به، أمّا المؤسّسة التعليميّة العامّة فتحكمها قاعدةٌ ناظمةٌ واحدةٌ تحمي الجميع بالتساوي، مهما اختلفت بيوتهم ومعتقداتهم.
تحويل الاجتهاد الخاصّ إلى سياسةٍ ملزِمةٍ لكلّ طفلٍ في البلاد يخلط بين مجالين يُفترض أن يبقيا منفصلين: مجال الضمير الفرديّ، ومجال القانون الذي يسري على الجميع. واللافت والمُبشّر أنّ السلطة نفسها، في سوريا الجديدة، حسمت هذا الالتباس حين اختار وزيرها الإطار الحقوقيّ على الإطار التأديبيّ، وهو ما سنعود إليه.
حين يصير الوصف فعلاً
الخطر الأوّل في هذه البداهة أن نُقنِع أنفسنا بأنّ الطفل كائنٌ ينتظر الترويض، فتصبح العصا عقوبةً تبدو مستحقّة، وتغيب عن الأذهان صفتها كاعتداءٍ يستوجب المساءلة. الوصف الذي يختزل الطفل في «شقاوةٍ» تحتاج تهذيباً يفتح الطريق أمام تبرير العنف، لأنّه جرّده سلفاً من صفته ككائنٍ كامل الكرامة.
فالطفل الذي يحتاج أساليب حديثةً وبيئةً صحيّةً يتحوّل في هذا الوصف إلى مادّةٍ خامٍ تنتظر التهذيب، وهكذا تنتقل الصورة من طفلٍ يتعلّم إلى جسدٍ يتألّم.
والخطر الثاني أبعد أثراً. جيلُ اليوم في مدارسنا خرج لتوّه من حربٍ ونزوحٍ طويلين. وحين نُعيد إخضاعه للعنف في المكان الوحيد المفترض أن يرمّم ما كسرته الحرب، نضمن تدوير الأذى نفسه إلى الجيل التالي، فيتعلّم الطفل أنّ الأقوى هو من يحسم المشكلة بالضرب، فيكبر إمّا ضارباً أو خائفاً، وفي الحالتين مواطناً يقبل الاستبداد بوصفه نظام الأشياء.
التعليم حين يتلوّث بالعنف يصير أشدّ خطراً من الأمّيّة ذاتها؛ فالأمّيّة تُبقي العقل خالياً، أمّا التعليم المسلَّح بالعصا فيملؤه بالخضوع ويسمّيه انضباطاً. وتؤكّد الخلاصات العلميّة ما يتجاوز البلاغة: أنّ العقاب الجسديّ لا يُنتج انضباطاً حقيقيّاً، ويقترن بمشكلاتٍ نفسيّةٍ وسلوكيّةٍ ونتائجَ تعليميّةٍ أسوأ. حصيلته في النهاية طفلٌ يُتقن الخوف والعنف.
البداهة التي نجت
هنا يكمن المعنى الأثقل سوريّاً. طوى السوريون صفحة النظام البائد، لكنّ بداهته لم تُطوَ معه. بقيت مبثوثةً في التفاصيل الصغيرة التي لا تلفت النظر، كتقديس الطاعة، والخوف من الاختلاف، والعصا التي تُطلَب اليوم باسم "الهيبة".
المنظومة التي حكمت عقوداً كانت طريقةً في التفكير قبل أن تكون قصراً وأجهزةَ أمن، طريقةً زرعتها في كلّ مؤسسةٍ خضعت لها بدءاً من المدرسة ووصولاً للثكنة، وترى في القوّة حلاً أوّل لكلّ مشكلة. تحريرُ البلاد من النظام المستبد أنجزَته سنواتٌ من التضحية، أمّا تحرير الرؤوس من طريقة التفكير التي تربّى عليها الملايين فمعركةٌ أطول لم تُحسَم بعد.
ولعلّ أوضح دليلٍ على عمق هذه البداهة أنّ الدعوة إلى إعادة العصا خرجت من داخل مؤسّسةٍ جديدةٍ يُفترض أنّها وُلدت لتقطع الصلة مع القديم. هكذا نفهم أنّ المعركة الأصعب في سوريا الجديدة تدور على ما استقرّ في الرؤوس والنفوس.
تجاوزت هذه البداهة الرؤوس إلى الجدران. فالمدرسة التي بناها حكم الأسدَين على مدى عقودٍ جاءت في قالبٍ واحدٍ يتكرّر في كلّ مدينةٍ وقرية: كتلةٌ إسمنتيّةٌ بلا لون، تحيط بها أسوارٌ عاليةٌ وبوّاباتٌ حديديّة، وصفوفٌ متراصّةٌ بمقاعدَ خشبيّةٍ صمّاء، تعلو سبّورتَها صورتان تراقبان.
عمارةٌ تشبه الثكنة والمعتقل أكثر ممّا تشبه بيتاً للطفولة، قطعت مع تقليدٍ سوريٍّ عريقٍ قام على الفناء الداخليّ والمقياس الإنسانيّ. في هذا الفضاء نشأت طلائع الخوف وشبيبة الطاعة، حيث كان المكان نفسه يلقّن دروسه الصامتة قبل أن ينطق المعلّم، وتغدو الكلمة أداةَ إخضاعٍ وإذلال، فتتحوّل القسوة مع التكرار إلى أسلوب حياة. وحين ينشأ الطفل اثنتي عشرة سنةً داخل جدرانٍ تعيد عليه هذا الدرس كلّ صباح، تترسّخ الطاعة في وعيه الباطن قبل أن يفهم معناها، ويصير الانضباط الخشن جزءاً من إحساسه بما هو «طبيعيّ» في المدرسة.
المجلس: مصفاةٌ لا صدى
من هنا يتّضح ما يُنتظَر من المؤسّسة التشريعيّة. المجلس يمثّل الناس، غير أنّ تمثيلهم لا يلزمه أن يردّد كلّ بداهةٍ راسخةٍ في وعيهم. وظيفته أن يغربل المطلب الاجتماعيّ ويوائمه مع متطلّبات الدولة التي تُبنى من جديد، أن يكون مصفاةً تنقّي المطالب قبل أن تتبنّاها.
وللقانون في هذا الملفّ كلمةٌ لا تحتمل التأويل، فالطفل صاحبُ حقٍّ أصيلٍ في سلامة جسده وكرامته، رسّخته اتفاقيّة حقوق الطفل التي صادقت عليها سوريا منذ 1993، حين ألزمت الدولَ بحماية الطفل من كلّ أشكال العنف، واشترطت أن ينسجم الانضباط المدرسيّ مع كرامته الإنسانيّة.
واللافت أنّ خطّ الدفاع الأوّل عن هذا الحقّ جاء من داخل المؤسسة التربوية نفسها. فحين يقرّر وزير التربية أنّ الضرب «يروّض ولا يربّي»، ويعدّ لجوء المعلّم إليه دليلاً على فشل المنظومة قبل فشل المعلّم، وحين تعمّم الوزارة على مديرياتها منعَ كلّ شكلٍ من العنف الجسديّ واللفظيّ وتفتح تحقيقاً في حادثةٍ متداولة.
وحين يذكّر رئيس المجلس بأنّ المسألة «تمسّ الفلسفة التربويّة بالكامل»، نكون أمام ملمحٍ حقيقيٍّ من ملامح سوريا الجديدة. موقفٌ يُبنى عليه ويُستكمَل، لأنّ البلاد التي تختار كرامة طفلها على بداهةٍ موروثة تقول شيئاً عن نفسها يستحقّ أن يُسجَّل لها. يوم تختار الدولة كرامة الطفل على بداهة العصا، تكون قد عرّفت نفسها.
ما بعد المنع
على أنّ حسم الجدل قانونيّاً خطوةٌ أولى على طريقٍ طويل. البداهة الموروثة لا تُقتلَع بقرار منعٍ وحده، لأنّ المنع الذي لا يقدّم بديلاً مقنعاً يتحوّل إلى إكراهٍ يُقاوَم في الخفاء. والحقيقة التي يجب أن نصارح بها أنفسنا أنّ خلف الطلب وجعاً واقعيّاً: صفوفٌ مكتظّةٌ ومنهَكة، ومعلّمٌ يدخل غرفته بلا أدوات ضبطٍ سوى صوته، ومنظومةٌ خرجت من حربٍ طويلةٍ بلا تدريبٍ ولا موارد. من يطلب العصا اليوم يطلب في العمق حلّاً للعجز الذي يواجهه الكادر التعليميّ أمام جيلٍ يحتاج دعماً استثنائيّاً، والبداهة القديمة تقدّم له الحلّ الأسهل والأكثر تدميراً في آن.
على أنّ حسم الجدل قانونيّاً خطوةٌ أولى على طريقٍ طويل. البداهة الموروثة لا تُقتلَع بقرار منعٍ وحده، لأنّ المنع الذي لا يقدّم بديلاً مقنعاً يتحوّل إلى إكراهٍ يُقاوَم في الخفاء. والحقيقة التي يجب أن نصارح بها أنفسنا أنّ خلف الطلب وجعاً واقعيّاً: صفوفٌ مكتظّةٌ ومنهَكة، ومعلّمٌ يدخل غرفته بلا أدوات ضبطٍ سوى صوته، ومنظومةٌ خرجت من حربٍ طويلةٍ بلا تدريبٍ ولا موارد. من يطلب العصا اليوم يطلب في العمق حلّاً للعجز الذي يواجهه الكادر التعليميّ أمام جيلٍ يحتاج دعماً استثنائيّاً، والبداهة القديمة تقدّم له الحلّ الأسهل والأكثر تدميراً في آن.
لذلك تبدأ المهمّة الحقيقيّة حيث ينتهي النصّ المانع، في بناء البيئة التي تجعل الضرب بلا وظيفةٍ من الأساس. يبدأ ذلك من الصفّ نفسه. المعلّم المدرَّب على أساليب الضبط الإيجابيّ يعرف أنّ القاعدة التي يضعها التلاميذ مع معلّمهم تُحترَم أكثر من القاعدة المفروضة بالخوف، وأنّ تعزيز السلوك الجيّد أبقى أثراً من معاقبة السلوك السيّئ. وبيئةٌ صفّيّةٌ تخاطب فضول الطفل بالنشاط واللون تسحب من العصا مبرّر وجودها، لأنّ الطفل المندمج في درسه قلّما يحتاج إلى من يُخيفه.
لكنّ المعلّم لا يُترَك وحده في هذا الميدان. المدرسة التي تحتضن جيلاً خرج من الحرب تحتاج إلى مرشدين نفسيّين واجتماعيّين يقفون خلف المعلّم حين يعجز، ويقرأون في سلوك الطفل الصعب أثرَ ما عاشه قبل أن يرَوا فيه شقاوةً تستدعي التأديب.
ويبقى نصف المعادلة خارج أسوار المدرسة. فالبيت شريكٌ لا يُستغنى عنه في تقويم سلوك جيلٍ بأكمله، لذلك نحتاج اليوم قناة دائمة بين المعلّم والأهل، وخطّة يتّفقان عليها لمعالجة سلوك الطفل، تنقلان التربية من مواجهةٍ فرديّةٍ بين معلّمٍ متعبٍ وطفلٍ متعب إلى مسؤوليّةٍ يتقاسمها الطرفان.
الطفل الذي يرى معلّمه وأهله يتحدّثون بلغةٍ واحدةٍ عن سلوكه يتعلّم أنّ الحدود تُصان بالاتّفاق بين الكبار الذين يحيطون به، وأنّ احترامها لا يمرّ عبر الألم. عند هذا الحدّ ينتقل منع العصا من مجرد قرارٍ يُطبَّق على مضضٍ إلى قناعةٍ يحملها المعلّم لأنّه وجد ما هو أنجع منها.
وهذه مهمّةٌ ثقيلةٌ تنتظر دورها وسط أعباءٍ لا تُحصى تحملها مرحلة البناء، من مدارسَ تُنتشَل من الركام إلى معلّمين يُعادون إلى صفوفهم. لكنّها لا تحتمل تأجيلاً طويلاً، لأنّ الطفل الذي يذهب إلى مدرسته خائفاً هذا الصباح، لا يعنيه جدول أولويّاتنا، يعنيه فقط ألا يتألم.
منعُ العصا مرسومٌ يصدر في يوم، أمّا بناء البديل الذي يُغني عنها فمشروع دولةٍ كاملة.
بناء الدولة الجديدة يبدأ من أعلى الهرم ومن أصغر مقعدٍ في أصغر صفٍّ معاً، حيث يتعلّم كلّ طفل أن المدرسة هي بيته الآمن. المجتمع الذي دفع من دمه ثمن العنف عقوداً، مدعوٌّ اليوم إلى كسر دائرته قبل أن يمنحها غطاءً قانونيّاً جديداً. ويوم نُغلق هذا الملفّ، سيكون المقياس بسيطاً وقاسياً في آن: هل أغلقناه على إنسانٍ استُعيدت كرامته، أم على وهمٍ اسمه "الهيبة"؟
بناء الدولة الجديدة يبدأ من أعلى الهرم ومن أصغر مقعدٍ في أصغر صفٍّ معاً، حيث يتعلّم كلّ طفل أن المدرسة هي بيته الآمن. المجتمع الذي دفع من دمه ثمن العنف عقوداً، مدعوٌّ اليوم إلى كسر دائرته قبل أن يمنحها غطاءً قانونيّاً جديداً. ويوم نُغلق هذا الملفّ، سيكون المقياس بسيطاً وقاسياً في آن: هل أغلقناه على إنسانٍ استُعيدت كرامته، أم على وهمٍ اسمه "الهيبة"؟


