سوريا - اقتصاد
سوريا على عتبة تمويل دولي واعد … إنجاز أم مجاملة؟
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٥ أغسطس ٢٠٢٦، ١٢:٥٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في وقت يسعى فيه الاقتصاد السوري لاستعادة ثقة المؤسسات المالية العالمية بعد سنوات من العزلة، استكمل البنك الدولي مراجعته لإجراءات الأداء والسياسات الخاصة بسوريا للسنة المالية 2026 ضمن إطار سياسة تمويل التنمية المستدامة التابعة للمؤسسة الدولية للتنمية، وثمّن البنك التنفيذ المرضي في مجالي استدامة الدين العام وإدارة الدين والشفافية.
ووفقاً لوزير المالية، نتيجة لهذا الإنجاز ستحصل سوريا على الحافز المخصص للسنة المالية 2027، ما يعني زيادة في مخصصات المنح من المؤسسة الدولية للتنمية، في مؤشر رسمي على التزام الحكومة بتعزيز إدارة المالية العامة وترسيخ مبادئ الشفافية ودعم التعافي الاقتصادي.
قراءة نقدية للإنجاز
لكن هذه الخطوة الرسمية لم تمر دون قراءة نقدية معمقة، ففي تصريح خاص لمنصة «العين السورية»، قدم الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الحاري رؤية مغايرة ترى في الإعلان مجاملة للاقتصاد السوري أكثر مما هو اعتراف كامل بتحول بنيوي.
ويوضح الحاري أن البنك الدولي اعتمد على فروقات التطور المالي وسنة أساس تعود إلى بيانات سابقة متوفرة لديه، مشيراً إلى أن المؤسسة سلكت المسار ذاته مع مصر ودول المغرب وخاصة ليبيا ومعظم الدول الخارجة من الحروب. ويحذر من الانجرار خلف المشاريع التي يمولها البنك الدولي والمنح المرتبطة بها، لأنها تشترط إجراءات مالية قد لا تتناسب مع واقع البلاد في هذه المرحلة.
رسالة إيجابية للمجتمع المالي
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين في تصريح خاص لـ«العين السورية»، أن إعلان وزير المالية عن استكمال سوريا لمراجعة إجراءات الأداء والسياسات (PPAs) مع البنك الدولي، يمثل خطوة مؤسسية مهمة تتجاوز بعدها الإجرائي، لتشكل رسالة إيجابية للمجتمع المالي الدولي بأن سوريا تسير في مسار إصلاحي يستند إلى معايير الحوكمة الرشيدة والإدارة المالية الحديثة، وهو ما يعزز فرص بناء شراكات تنموية وتمويلية أكثر استدامة خلال المرحلة المقبلة.
ويؤكد الدكتور محي الدين، أن توقيت هذا الإنجاز يحمل دلالات اقتصادية مهمة، إذ يأتي في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى إعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة، بما يفتح المجال أمام توسيع نطاق الدعم الفني والتمويلي، وتحفيز الاستثمارات، وتعزيز قدرة الدولة على تنفيذ برامج التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وفق أولويات تنموية واضحة.
ويضيف أن تركيز التقييم على إدارة الدين والحوكمة يكتسب أهمية استثنائية، لأن هذه المحاور تمثل الركائز الأساسية التي تعتمد عليها المؤسسات المالية الدولية في تقييم كفاءة الإدارة المالية للدول. فالشفافية والإفصاح المالي، والحوكمة الرشيدة، وإدارة الدين وفق أسس علمية، تعد مؤشرات مباشرة على قدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة، وترشيد الإنفاق العام، وتقليل المخاطر المالية، بما يسهم في رفع مستوى الموثوقية أمام الشركاء الدوليين والمستثمرين.
كما يرى أن إحراز هذا التقدم، يعكس وجود خطوات عملية في تطوير منظومة الإدارة المالية العامة، وتعزيز كفاءة إعداد وتنفيذ الموازنات، وتحسين إجراءات الرقابة والمتابعة، وهو مسار ينبغي البناء عليه عبر استكمال الإصلاحات المؤسسية وعدم الاكتفاء بتحقيق متطلبات المرحلة الحالية.
أما حصول سوريا على الحافز المخصص للسنة المالية 2027، وزيادة مخصصات المنح من المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، فيوفر – بحسب الدكتور محي الدين – مساحة مالية إضافية يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط التمويلية، وتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، ودعم برامج التنمية المحلية، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة الاقتصاد على التعافي التدريجي، شريطة توجيه هذه الموارد وفق أولويات وطنية واضحة تعتمد على قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي، وتخضع لمعايير الحوكمة والرقابة والشفافية.
مقترحات بديلة
وركز التقييم الدولي على معايير استدامة الدين العام وإدارة الدين والشفافية، وهي معايير أساسية لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية. غير أن الدكتور الحاري يشكك في سلامة سنة الأساس المستخدمة، لأنها تجمع بين سنوات النظام البائد وما بعد التحرير في ظل غياب إحصاء حقيقي وانسجام بين سنة القياس وسنة الأساس. وبدلاً من الاعتماد الكامل على هذه الأطر، يقترح مساراً بديلاً مستوحى من التجارب التركية والسعودية يتمثل في الاعتماد على الصكوك الدولارية، ودمج المصارف الحكومية كافة في مصرف واحد قوي قادر على جذب التمويل الخارجي، وتشجيع التحول من الشركات العائلية إلى الشركات المساهمة.
المنح بين الدعم والشروط
أما عن زيادة مخصصات المنح لعام 2027، فيقر الحاري بأنها تسهم في دعم الإنفاق الحكومي ضمن الناتج المحلي الإجمالي، لكنها تأتي مشروطة بإصلاحات في السياسات المالية، تشمل توجيه الإنفاق نحو قطاعات تحددها المؤسسات المانحة وتبني نظام ضريبي قد يصطدم بالعقلية السورية المعتادة على الإعانات الاجتماعية والدعم الحكومي للخبز والكهرباء والطاقة بأسعار أقل من الأسعار العالمية. ويشير إلى ضرورة التحول التدريجي نحو أنظمة ضريبية أكثر حداثة مثل ضريبة القيمة المضافة أو ضريبة أرباح الشركات، مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والاقتصادية السورية.
توصيات للحفاظ على الزخم
للحفاظ على الزخم الإيجابي وضمان الاستفادة المستدامة من الأطر التمويلية، يرى الدكتور الحاري ضرورة اتخاذ جملة من التدابير، التي تشمل إعادة هيكلة المصارف، وتشكيل لجان جباية مشتركة من عدة دوائر حكومية لمكافحة الرشوة المستشرية، لاسيما تلك التي تتم بالعملة الصعبة، فضلاً عن تحسين قانون الاستثمار ليتلاءم مع الواقع السوري، والتركيز على قطاع السياحة وتطوير بنيته التحتية، وتحديث الطرق الدولية وخاصة طريقي M4 وM5. كما تتضمن التوصيات تحديث اتفاقيات خط الغاز العربي وربطه بخط يامال أوروبا بأسرع وقت، إلى جانب تطوير ميناءي طرطوس واللاذقية وخط كركوك-بانياس، والاستفادة القصوى من إنتاج الفوسفات والسيليكا.
من جانبه، يحدد الدكتور رازي محي الدين مجموعة من الأولويات الاستراتيجية لتحقيق ذات الغاية، مبدئياً بترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة في مؤسسات الإدارة المالية العامة، والاستمرار في تطوير منظومتها وربطها بمؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس. وتشمل هذه الأولويات أيضاً، تعزيز كفاءة إدارة الدين العام لضمان استدامته، وتحقيق الاستقرار المالي على المدى المتوسط والطويل، وضبط وترشيد الإنفاق الحكومي بربط الموازنات العامة بالأولويات التنموية والعائد الاقتصادي والاجتماعي.
إضافة إلى ذلك، يؤكد الدكتور محي الدين على أهمية توسيع برامج الشمول المالي لدمج الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة ضمن المنظومة الرسمية، ودعم الصمود الاقتصادي بتنويع مصادر التمويل وتعزيز مرونة الاقتصاد في مواجهة الصدمات. ويبرز أيضاً دور تعزيز التشاركية بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني كركيزة للتنمية المستدامة، إلى جانب تسريع التحول الرقمي في الإدارة المالية والضريبية والجمركية لرفع كفاءة الخدمات، والاستمرار في تحديث الأطر التشريعية والمؤسسية وفق أفضل الممارسات الدولية لتحسين البيئة الاستثمارية.
أخيراً، بين الاعتراف المؤسسي الدولي والتحفظات الاقتصادية المحلية، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الحصول على الحافز السنوي، بل في تحويله إلى فرصة لإعادة بناء مؤسسات مالية وطنية قوية قادرة على جذب التمويل دون التفريط بالسيادة الاقتصادية أو بقدرة المواطن على العيش الكريم. فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح المعايير الدولية أداة مساعدة لا قالباً مفروضاً.


