سوريا - اقتصاد
النمو المُنتظر في سوريا.. أرقام مبشرة على الورق أم في جيوب المواطنين؟
ر
رهام علي
نشر في: ١٣ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٢٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بين أرقام الناتج المحلي الإجمالي التي تبدو مبشرة على الورق، وواقع الأسواق والقدرة الشرائية المعقد، تقف الأسر السورية أمام مفارقة يومية ملؤها التساؤلات.
ومع إعلان وزير المالية محمد يسر برنية عن توقعات بنمو اقتصادي يبلغ 11.3 بالمئة لعام 2026، وإيرادات تقارب 8.7 مليارات دولار مقابل نفقات تصل إلى 10.5 مليارات، تبرز الحاجة الملحة لقراءة هذه المؤشرات بأبعادها الفنية والمعيشية، بعيداً عن لغة الأرقام، وبما يترجم خطط التعافي إلى واقع ملموس في حياة المواطنين.
تحولات رقمية أم تعافٍ بنيوي ؟
في قراءة تحليلية دقيقة للقفزة المتوقعة في مؤشرات النمو، يشير الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي إلى أن "نسبة 11.3 بالمئة تبدو رقمياً قابلة للتحقق في اقتصاد خرج لتوّه من انكماش عميق تجاوز 60 بالمئة من ناتجه الحقيقي بين عامي 2011 و2020. فالقاعدة المنخفضة للناتج المحلي تجعل أي حركة إيجابية لاحقة تظهر كنمو مرتفع نتيجة العودة من حالة شبه توقف، وليس نتيجة توسع إنتاجي مستدام أو تحسن في بيئة الأعمال".
وفي حديثه مع "العين السورية" يحذر الدكتور قوشجي من أن "هذا الارتفاع الرقمي لا يحمل دلالة بنيوية حقيقية ما لم يرتبط بزيادة فعلية في الإنتاج الصناعي والزراعي، وتوسع مستدام في قطاع الطاقة، وتحسن ملحوظ في الصادرات واستقرار سعر الصرف". ويضيف: "فالنمو القائم حصراً على استعادة موارد سابقة أو رفع الإنفاق الحكومي يرفع الناتج حسابياً دون أن يعكس تحولاً هيكلياً جذرياً في بيئة الأعمال أو ارتفاعاً حقيقياً في الدخل المستدام للأسر".
قراءة في الموازنة العامة
تتطلب قراءة أرقام الموازنة العامة للدولة لعام 2026 دقة موضوعية في التوصيف المالي؛ فالتوقعات الرسمية تضع الإيرادات عند نحو 8.716 مليارات دولار، مقابل نفقات مقدرة بنحو 10.516 مليارات دولار، مما يترك عجزاً مخططة قيمته نحو 1.8 مليار دولار، ما يمنع توصيف إيرادات الموازنة بالفائض المالي.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور قوشجي أن "القفزة الكبيرة في الإيرادات من نحو 2 مليار دولار في 2024 إلى تقديرات تقارب 10.5 مليار في 2026 قد تكون ناتجة جزئياً عن استعادة موارد النفط والغاز، أو عن ارتفاع الرسوم والضرائب غير المباشرة، أو عن تحسين الجباية، أو عن رفع سعر الصرف المحاسبي المستخدم في تقييم الإيرادات، كما أن التضخم المرتفع يرفع القيمة الاسمية للإيرادات دون أن يعكس توسعاً حقيقياً في النشاط الاقتصادي، ما يجعل جزءاً كبيراً من هذه القفزة ذو طبيعة محاسبية". ولتحقيق تعافٍ حقيقي، يقول قوشجي أنه يتطلب: "استقراراً في سعر الصرف، وانخفاضاً في التضخم، وتوسعاً في الاستثمار الخاص، وتحسناً في الإنتاج الصناعي والزراعي، وارتفاعاً في الدخل الحقيقي للأسر. وحتى الآن لا تظهر هذه المؤشرات بشكل متزامن". ويضيف: "أما ارتفاع الإنفاق الحكومي فقد يعكس توجهاً نحو إعادة الإعمار أو تحسين الخدمات، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا لم يكن ممولاً من إيرادات مستدامة، إذ يؤدي حينها إلى زيادة العجز وضغوط على سعر الصرف وارتفاع في التضخم".
كيف تزيد الدولة إيراداتها ؟
وأمام التحدي المتمثل في تحفيز القطاع الخاص المنهك وتعزيز الخزينة العامة بالتزامن مع إعداد المنظومة الضريبية الجديدة لعام 2027، يطرح المستشار الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي لـِ "العين السورية" قاعدة ذهبية تتمثل في أن "ضريبة صغيرة على اقتصاد كبير أفضل بكثير من ضريبة كبيرة على اقتصاد صغير".
ويؤكد الدكتور الحمدي أن "سر نجاح السياسة الضريبية لا يكمن في رفع معدلات الجباية، بل في توسيع القاعدة الضريبية عبر خفض معدلات الضرائب، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتقديم حوافز مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتشغيل والإنتاج واستخدام التقنيات الحديثة، وذلك لإعادة آلاف المنشآت الصناعية والتجارية المتوقفة إلى دائرة العمل الفعلي". وبهذا المعنى، يصبح الاختبار الحقيقي للمنظومة الجديدة محصوراً في ثلاثة محاور أساسية: مكافحة التهرب الضريبي، تبسيط آليات التحصيل، وربط الحوافز بالاستثمار الفعلي، لإنشاء بيئة تجارية مربحة وقابلة للتنبؤ تخدم المستثمر والمجتمع معاً.
الإنفاق الاستثماري الذكي كطوق نجاة للتضخم
وحول مخاوف تأثير توسع الإنفاق العام على معدلات التضخم وقيمة العملة المحلية، يرى الدكتور خالد الحمدي أن "التوسع في الإنفاق ليس خطراً بحد ذاته، بل العبرة تكمن في نوعية الإنفاق وطريقة تمويله وعائده الاقتصادي". موضحاً أنه في حال وجهت الدولة الأموال نحو البنية التحتية الأساسية من طرق وكهرباء ومياه وصناعة وإنتاج، فإنها لا تضخ سيولة استهلاكية فحسب، بل تعزز القدرة الإنتاجية الكلية للاقتصاد ليتحول الإنفاق إلى محرك للنمو وإيرادات مستقبلية مستدامة. أما إن ذهب الإنفاق إلى الاستهلاك أو مشاريع ضعيفة المردود، فسيتحول إلى عبء تضخمي ضاغط. ومن هنا، تصبح المعادلة الحقيقية مرتبطة بمدى قدرة كل ليرة تنفقها الدولة على إضافة قيمة حقيقية للناتج المحلي، لتنتقل سوريا من موازنة تسير شؤون الدولة الإدارية إلى موازنة استثمارية تعيد بناء الاقتصاد وتحسن القوة الشرائية للمواطن بشكل مستدام.


