سوريا - اقتصاد
هل تُعيد التعريفة الجمركية الجديدة إنعاش"الصناعات المأزومة" في سوريا؟
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٤ مايو ٢٠٢٦، ١١:٢٢
3 دقيقة
8

مع صدور التعرفة الجمركية الأخيرة، تباينت ردود الأفعال تجاهها؛ فالمستوردون اعتبروها عقبة إلى حد ما، خاصة أنها ستتسبب في رفع أسعار المنتجات المستوردة لصالح المنتج الوطني، سيما وأنها اشتملت على تخفيضات وإعفاءات على المواد الأولية الداخلة في الصناعة. في حين أن الصناعيين، وعلى الرغم أن ظاهر الأمر يشير إلى أن القرار جاء بمصلحتهم، إلا أنهم يرون أن ما اعتُبر رسم حماية لمنتجاتهم غير كافٍ أو مجدٍ، خاصة مع المنافسة الشرسة التي يتعرض لها المنتج الوطني. أما المستهلك فهو الحلقة الأضعف في كل ما يجري، خاصة أن التعرفة ستسهم في مزيد من ارتفاع الأسعار.
منافسة شرسة
إن صناعة السيراميك والأدوات الصحية من أكثر الصناعات الوطنية التي تواجه منافسة شرسة من المنتجات المستوردة، حتى أن الحال وصل بها إلى أن الكثير من المعامل تواجه خطر التوقف عن الإنتاج والإغلاق، كما أن مصير الآلاف من العمال في مهب الريح. وبالتالي، فإن التعرفة الجمركية الأخيرة لحظت ارتفاع الجمارك على السيراميك لتصبح 150 دولاراً على الطن بدلاً من 100 دولار، اعتباراً من 1 حزيران بموجب المرسوم الجديد للرسوم الجمركية.
هذا الرفع جاء لحماية الإنتاج المحلي، حيث تعاني معامل السيراميك الوطني من ارتفاع التكاليف نتيجة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والطاقة، مما جعلها غير قادرة على منافسة السيراميك المستورد.
أول الغيث
أما أولى النتائج فتمثلت في إعلان لإحدى شركات استيراد السيراميك، والتي أرسلت رسالة لزبائنها بإلغاء كل الحجوزات غير المسددة بالكامل قبل 19 أيار، مع رفع الرسم الجمركي بنسبة 50 بالمئة، مما يؤكد أن رفع الجمارك على السيراميك المستورد يعتبر فعلاً رسم حماية للمنتج المحلي.
لا تزال خجولة
من جانبه، رأى الصناعي محمد أورفه لي، رئيس لجنة السيراميك والبورسلان في غرفة صناعة دمشق وريفها، لـ"العين السورية" أن الإجراء يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن لا تزال الخطوات خجولة. وللتوضيح، فإن الجمارك أضحت بحدود الدولارين وسبعين سنتاً تقريباً، بينما حينما استمزجنا الرأي بالتصدير إلى تركيا طلبوا جمركاً على كل متر مربع 15 دولاراً، الأمر الذي يسمح بالاستيراد لكنه جعل منافسة المنتج التركي مستحيلة. وهكذا قامت الصناعات التركية وازدهرت وتطورت، وأضحى الناس يقبلون على الصناعة لا الاستيراد.
خيارات الميزان التجاري
وأوضح أورفه لي أننا أمام ميزان تجاري: إما أن نرجح كفة الصادرات لتزدهر البلاد وتزداد القوة الشرائية المبنية على قطاع الأعمال الذي يتوسع حينها ويطلب المزيد من العمال والموظفين، مما ينعكس إيجاباً على ارتفاع الرواتب والطلب على الأيدي العاملة، وكذلك إيجاباً على الليرة السورية، وإما العكس تماماً برجحان كفة المستوردات، كما هو حاصل الآن.
منافسة غير عادلة
وبين أورفه لي أن الدول النفطية في المنطقة تكاليف الإنتاج فيها شبه ثابتة، في حين أنها في سورية متغيرة، الأمر الذي سيؤثر على قدرة الصناعة السورية.
وأشار إلى أن الصناعة السورية تعيش حالياً أصعب فترة في ظل غياب كامل لدعم أسعار حوامل الطاقة المستخدمة في الصناعة، مع السماح بالاستيراد من الدول الداعمة للطاقة، لنصبح أمام واقع صعب يتمثل في صعوبة تأمين المواد الأولية.
وأكد أورفه لي أنه ثمة مخاوف من صعوبة تأمين المواد الأولية المستخدمة في الصناعة، فعملية التصنيع بحاجة لتوافر مادة أو أكثر من المواد المستوردة والتي سترتفع، وكذلك كلف التصنيع، لتصبح قدرة الصناعة السورية على المنافسة أكثر صعوبة وربما استحالة، مما سيؤثر على الاقتصاد الكلي بشكل عام.
حوار مستمر
الحوار بين صناعيي السيراميك والبورسلان والجهات المعنية بملف الصناعة، حسب أورفه لي، موجود ومستمر، إلا أنه ثمة اختلاف في وجهة النظر بين الطرفين. فالقيمون على الصناعة لديهم قناعة أن فتح باب الاستيراد يصب في صالح المستهلك من خلال حصوله على أفضل المنتجات بأرخص الأسعار، ففتح باب الاستيراد حسب رأيهم يفتح المجال للمنافسة في المواصفات والأسعار. في حين أن وجهة نظر صناعي السيراميك والبورسلان، وقد عبر عنها الصناعي أورفه لي، أن هذا الطرح غير دقيق، سيما وأن كلف إنشاء هذه المعامل كبير وضخم، كما أنها تؤمن فرص عمل لآلاف العمال. وبالتالي، فإن استمرار الوضع على ما هو عليه ينذر بخطر كبير أوله تسريح العمال وازدياد نسبة البطالة، بالإضافة إلى خسائر مادية كبيرة للصناعيين، والأهم من هذا وذاك أثر ذلك على الاقتصاد الوطني من خلال ازدياد نسبة العجز في ميزان المدفوعات السوري.
نقاط إيجابية
يرى الدكتور عمر الأسعد، الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، أن التعرفة الجمركية الأخيرة تحمل في طياتها الكثير من النقاط الإيجابية، فهي بالدرجة الأولى تحمي الصناعات الوطنية من خلال الإعفاءات التي اشتملت عليها للمواد الأولية الداخلة في الصناعة، كما أنها تشكل رسم حماية للمنتجات الوطنية من خلال أنها ساهمت في رفع أسعار المنتجات المستوردة. ومن جهة أخرى، فإنها تساهم في تحقيق إيرادات للخزينة العامة.
وبين الأسعد أنها جاءت مدروسة من حيث أنها لم تشمل ارتفاعاً كبيراً في الرسوم، الأمر الذي سيخفف انعكاس هذا الأمر على ارتفاع الأسعار في الأسواق، لافتاً إلى أن الأسعار سترتفع ولكن بحدود معقولة وربما مقبولة. لولا تزامنها مع رفع أسعار المشتقات النفطية وحالة الارتفاع في سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، ربما كان من المفترض الإعلان عنها حالياً.
خطوة في الاتجاه الصحيح
إن صدور التعرفة الجمركية الأخيرة يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، وربما ليست كافية، فهي بحاجة لإجراءات وخطوات أكثر جدية لحماية الصناعة الوطنية. ولعل أهم ما تضمنته يتمثل في بدء تحول الجهات المعنية من فتح باب الاستيراد دون ضوابط إلى التفكير في دعم المنتج الوطني، وهو أهم ما في الأمر.


