سوريا - محليات
نصف عمال سوريا خارج تغطية التأمين ... لماذا يتهرّب الجميع؟
ه
هبة الكل
نشر في: ١٩ مايو ٢٠٢٦، ٠٩:٢١
3 دقيقة
16

يشهد سوق العمل السوري خروج الآلاف من مظلة التأمينات الاجتماعية، المعنية بضمان حقوقهم وحمايتهم داخل بيئة العمل، وبالرغم من وجود تشريعات قانونية واضحة، تُلزم أصحاب العمل بتوفير هذا النوع من الضمان، إلا أن الواقع المعيشي والاقتصادي حال دون تطبيقه، لا سيما وتنامي الاقتصاد غير المنظم، الذي بات يستوعب شريحة واسعة من العمال والمنشآت خارج الأطر الرسمية.
أرقام صادمة
في تصريح خاص لـ"العين السورية"، كشف المدير العام لمؤسسة التأمينات الاجتماعية، حسن الخطيب، أن أعداد المسجلين في التأمينات الاجتماعية لكافة القطاعات، بما فيها القطاع الخاص والشركات المساهمة، لم يتجاوز اﻟ 446 ألفاً و862 عاملاً، مشيراً إلى أنّ جزءاً كبيراً من العمّال، هم خارج نطاق الضمان الاجتماعي، بسبب التهرب الضريبي، الأمر الذي يحرم المؤسسة من إيرادات مالية ضخمة، كان من الممكن استثمارها في تقديم مزايا جديدة للمشمولين بالتأمين.
وأمام معضلة التهرب من التأمين، أشار الخطيب إلى أن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وبالتنسيق المزدوج مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والاتحاد العام لنقابات العمال، تكثف جولات التفتيش الصباحية والمسائية، على أصحاب الأعمال، لنشر الوعي والثقافة التأمينية، بالإضافة إلى سعي المؤسسة نحو إجراء مسح تأميني شامل لمنشآت القطاع الخاص، وتسجيل العمالة المتهربة، والعمالة الجديدة الوافدة الى سوق العمل، إلى جانب تنظيم الضبوط بحق أصحاب الأعمال المخالفين.
تحالف اقتصادي
يوضح الأكاديمي والباحث في الاقتصاد والتمويل، الدكتور جاسم العكلة، أن الهروب من التأمين، هو نتاج عوامل متشابكة، إذ يجد صاحب العمل في التأمين، كلفة إضافية وعبئاً مالياً، أمام ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة الشرائية، أمّا العمال، فيفضّلون الحصول على أجر نقدي مرتفع ومباشر، بدلاً من اقتطاع جزء منه لقاء هذه الحماية، مما يخلق نوعاً من التفاهم غير المعلن، لتجنب الالتزامات الرسمية.
بدوره، يفسر الخبير الاقتصادي شادي أحمد، المسألة بوصفها مسألة صراع للبقاء، لا مجرد مخالفة للقانون، فرب العمل يحاول زيادة هامش ربحه المتهالك بالهروب، بينما لا يملك العامل ترف ادخار جزء من يوميته، لمستقبل تقاعدي، لا يثق بقدرته على الصمود أمام التضخم، مما يعكس فجوة ثقة حقيقية بين المواطن والجدوى المستقبلية للتأمين.
تأمين بالسوق السوداء
تشير تقديرات رسمية، إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يشكل ما بين 35 و45% من نسبة الاقتصاد الإجمالي، وبالرغم من أن سوق العمل شهد ارتفاعاً بالأجور الشهرية، فضلاً عن رفع الحد الأدنى لمشتركي التأمينات من 750 ألف إلى مليون و256 ألف ليرة سورية، وتجاوز الحد الأعلى مبلغ 21 مليون ليرة، إلا أن الخبراء لا يتوقعون أي تأثير يذكر على التهرب التأميني.
فالخبير العكلة، يؤكد أن القضية ترتبط بمدى التزام رب العمل بتسجيل العمال لديه من جهة، ومن جهة أخرى، الكثير من المنشآت الاقتصادية والمهن تعمل اليوم خارج الرقابة الرسمية، كأحد أبرز محركات الاقتصاد الأسود، دون أي التزام فعلي بمعايير السلامة العمالية واستقرار سوق العمل.
في هذا السياق، يبين الخبير أحمد، أن التأمين في القطاع العام، يعد تحصيل حاصل، لا مناورة فيه، لكنه تأمين على رواتب متواضعة جداً، بينما تحول التأمين في القطاع الخاص، إلى سوق سوداء، فيما يعرف بالتأمين الوهمي، إذ يلجأ أرباب العمل إلى تسجيل عمالهم بالحد الأدنى للأجور فقط، بينما يتقاضون في الواقع رواتب أعلى بكثير، مما يحرم العامل من حقه الحقيقي في تعويض عادل.
تحديات لوجستية
كما ينوه الخبير أحمد إلى واقع الكادر الرقابي ونقص الدعم اللوجستي، فأعداد المفتشين لا تتناسب وحجم الانتشار الجغرافي للمنشآت المحلية، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية المعيشية التي قد تدفع البعض لغض الطرف، معتبراً أن التحدي الأكبر يكمن في تمدد قطاع اقتصاد الظل، بسبب ظروف الحرب والفقر.
من جهته، يحذّر الدكتور العكلة، من أن ضعف الثقة بالمؤسسات التأمينية، وتراجع الوعي بأهمية الأمان الوظيفي، من شأنه أن يساهم في ظاهرة الهروب، لافتاً إلى أن النساء العاملات، لا سيما في القطاع الزراعي، هنّ الفئة الأكثر هشاشة وحاجة للتأمين، نظراً لطبيعة العمل الموسمي، وغياب العقود، وضعف معايير السلامة المهنية، ما يعرضهنّ لمستويات عالية من المخاطر، دون أي مظلة حماية فعلية.
حلول لبيئة عمل آمنة
يطرح الخبراء جملة من الحلول لتطوير شبكات التأمين والاشتراك بها، فالخبير العكلة، يشدد على صياغة تشريعات تواكب التحولات الاقتصادية الحالية، وتفرض التزاماً بمعايير السلامة المهنية، فضلإً عن تطوير أنظمة مرنة تستوعب العمال الموسميين والعاملين في المشاريع الصغيرة والقطاع الزراعي، واعتماد سياسات تحفيزية اقتصادية، كإعفاءات أو تخفيضات ضريبية للمنشآت الملتزمة، مما يشجع على الانتقال نحو الاقتصاد الرسمي تدريجياً.
فيما يدعو الخبير أحمد، إلى سلسلة تغييرات بنيوية، تبدأ بالربط الرقمي لبيانات العمال بين المؤسسة والسجلات التجارية والصناعية، مروراً بتفعيل دور النقابات العمالية، إلى جانب تغيير فلسفة العقاب عبر رفع غرامة التهرب مالياً بحيث يصبح الالتزام بالتأمين أوفر لصاحب العمل من المخالفة، وصولاً إلى بث الوعي وتحفيز الناس بأن التأمين كرامة لا مجرد ضريبة.
بالمحصلة، يتفق الخبراء على أن حماية العمال السوريين ليست مجرد قانون ومخالفة، أو إجراء للحصول على تعويض ودعم عند المخاطر وحسب، بل أصبحت انعكاساً لتحولات اقتصادية من شأنها أن تجعل الالتزام بالتأمين أمراً مجدياً للحد من الاقتصاد الأسود، وضامناً لتشكيل شبكة أمان اقتصادية معترف بها رسمياً، مما ينعكس على تحسين الإنتاجية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.


