سوريا - اقتصاد
مهنة " النماء الأخضر" تتشبث بالحياة في سوريا وتُنافح للبقاء
ش
شمس الدين مطعون
نشر في: ٢٠ يونيو ٢٠٢٦، ٠٧:٠٧
3 دقيقة

على وقع صوت مضخة مازوت متقطعة، ينحني الخمسيني أبو عماد تحت خيمته البلاستيكية المرقعة في بلدة عربين بالغوطة الشرقية، منتقياً شتول الورد الجوري بيدين ورثتا المهنة عن أب وجد.. وبينما يتفقد نباتاته وأشجاره في بداية يوم عمل جديد، تبدو حكايته شبيهة بحكايات عشرات أصحاب المشاتل في ريف دمشق، الذين يحاولون التمسك بمهنة ورثوها عن آبائهم رغم سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية والجفاف.
ركود بعد انتعاش
فقطاع المشاتل، الذي كان يوماً أحد الأنشطة الزراعية النشطة في ريف دمشق، يواجه اليوم تحديات متراكمة بدأت بتراجع التصدير وضعف الأسواق المحلية، ولم تنته عند ارتفاع التكاليف وشح المياه.
وفي مدخل داريا بريف دمشق، يقضي جمال العزب معظم ساعات يومه بين صفوف الأشجار المثمرة وأصص النباتات الخضراء في المشتل الذي ورثه عن والده وجده. ويقول لـ " العين السورية"، إن قطاع المشاتل شهد تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات العشر الأخيرة نتيجة توقف التصدير وضعف حركة البيع في السوق المحلية.
وبعد سنوات من التراجع، يمكن تصنيف المشاتل العاملة اليوم في ريف دمشق إلى ثلاث فئات رئيسية: مشاتل عائلية صغيرة تنتج للسوق المحلية، وأخرى متوسطة تتعامل مع البلديات ومحال الزينة، وثالثة متخصصة تحاول الحفاظ على حضورها في الأسواق الخارجية، ورغم عودة النشاط إلى عدد من المشاتل، يصف العاملون في القطاع هذه العودة بأنها محدودة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.
أزمة قطاع صامت
ويبدو المشهد خلال جولة ميدانية مختلطاً؛ فإلى جانب البيوت البلاستيكية التي أُعيد ترميمها، ما تزال أخرى متضررة، فيما تتجاور المساحات المزروعة بالأشجار المثمرة ونباتات الزينة مع أراض تنتظر تحسن الظروف لإعادة استثمارها.
ويوضح العزب، في حديثه لـ"العين السورية"، أن الأسواق الخليجية، ولا سيما السعودية والبحرين، كانت تستقبل كميات من الإنتاج السوري في السابق، إلا أن هذه الحركة تراجعت بشكل كبير، ما انعكس على دخل أصحاب المشاتل وحجم أعمالهم.
ولم يكن تراجع التصدير العامل الوحيد في الأزمة، إذ أسهمت سنوات الجفاف والقحط المتتالية في تقليص الطلب على الأشجار المثمرة والطعوم الزراعية. ويشير العزب إلى أن هذه المهنة تعتمد بشكل أساسي على المياه والعناية اليومية والمتابعة المستمرة، ما جعلها من أكثر الأنشطة الزراعية تأثراً بشح الموارد المائية.
ومع التغيرات التي شهدها القطاع الزراعي خلال الفترة الأخيرة، بدأ أصحاب المشاتل بالبحث عن مصادر جديدة للطعوم الزراعية، فاتجه كثير منهم إلى ريفي حلب وإدلب، حيث تساعد معدلات الأمطار الأعلى والظروف المناخية الأنسب على إنتاج طعوم ذات جودة جيدة. ويقول العزب إن سعر الطعم الواحد بلغ خلال الموسم الماضي نحو دولار وربع، بينما يتوقع أن ترتفع الأسعار هذا العام نتيجة انخفاض الكميات المتاحة في الأسواق.
تبدّل خيارات حادّ
ويستذكر أبو عماد فترة كان فيها معظم الزبائن من المزارعين أصحاب المساحات الواسعة، الذين يشترون الطعوم ويزرعونها بانتظار سنوات قبل أن تبدأ بالإثمار.
أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة الطلب، خصوصاً في قطاع الزيتون، حيث باتت الأشجار المعمرة مطلوبة بشكل متزايد لتزيين المزارع والاستراحات الخاصة. ويؤكد أن سعر شجرة الزيتون المعمرة قد لا يقل عن مليونين ونصف المليون ليرة، وهي لا تزال في أرضها.
وتتم عمليات التسويق غالباً عبر تجار صغار ينقلون الأشجار والشتول إلى مشاتل أخرى أو إلى مشاريع زراعية ومطاعم ومزارع خاصة، حيث يُعاد بيعها للمستهلك النهائي. ورغم محدودية الحركة التجارية مقارنة بالسنوات السابقة، يحرص أصحاب المشاتل على المحافظة على نشاطهم واستمرار إنتاجهم.
إصرار
ويأمل أبو عماد أن يتمكن من بيع ما لا يقل عن عشر طلبيات كبيرة سنوياً لضمان استمرارية العمل، في وقت ما تزال فيه تحديات الجفاف وارتفاع التكاليف وضعف الأسواق تشكل عبئاً يومياً على العاملين في هذا القطاع.
ورغم كل الصعوبات، لا يفكر الرجل في مغادرة المهنة. ويقول: "هذه مهنة أبي وجدي من قبله، وحتى لو تراجعت سنبقى نتابع فيها".. ثم يبتسم وهو ينظر إلى الأشجار المحيطة به، مضيفاً أن أجمل ما تمنحه هذه المهنة ليس الربح فقط، بل تلك اللحظات الهادئة التي يجلس فيها بين الخضار والأشجار يحتسي الشاي، مستمتعاً بما زرعته يداه على امتداد السنوات.


