سوريا - محليات
سيارة بسعرين.. ما هو سبب الفوضى في سوق السيارات المستعملة؟
السيارات المستعملة.. تفاوت الأسعار ومشكلات الفحص ونقل الملكية
ه
همام فيض الله
نشر في: ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ١١:٤٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
قد تقف سيارتان من الطراز نفسه وسنة الصنع ذاتها في سوق واحد، لكن بفارق واضح في السعر. وقد تبدو السيارة جيدة عند المعاينة والفحص، ثم تبدأ أعطالها بالظهور بعد أيام من شرائها. وفي حالات أخرى، لا تكون المشكلة تحت غطاء المحرك أصلاً، بل في الأوراق وإمكانية نقل الملكية.
هذه التفاصيل ترسم جانباً من واقع سوق السيارات المستعملة في حلب، حيث تتداخل عوامل العرض والطلب والحالة الفنية والعمر والاستهلاك وتوافر قطع التبديل في تحديد الأسعار، من دون وجود معيار موحد يستطيع المشتري الرجوع إليه لمعرفة القيمة الفعلية للسيارة.
وبين السعر المعلن والحالة الحقيقية للمركبة، تبدأ رحلة المشتري بالبحث والمقارنة، لكنها لا تنتهي بالضرورة عند الفحص الفني؛ إذ تكشف شهادات مشترين وتجار وميكانيكيين لـ«العين السورية» عن مشكلات قد لا تظهر إلا بعد الاستخدام، إلى جانب صعوبات مرتبطة بنقل الملكية، وسط مطالب بأتمتة الإجراءات وتنظيم السوق بصورة أكبر.
السيارة نفسها.. لكن السعر مختلف
قبل أن يشتري سامر فرواتي سيارته، بحث بين عروض متعددة وقارن سيارات من النوع والطراز نفسيهما، معتقداً أن ذلك سيمنحه تصوراً واضحاً عن السعر، لكنه فوجئ بفروقات كبيرة بين العروض.
ويقول فرواتي لـ«العين السورية»: «قبل شراء السيارة قارنت أكثر من سيارة من النوع والموديل نفسه، لكنني فوجئت بفروقات في الأسعار»، مشيراً إلى أن العثور على سيارة تناسب الميزانية المخصصة لم يكن سهلاً.
كان خياره الأول شراء سيارة جديدة، إلا أن الأسعار دفعته نحو سوق المستعمل.
ويضيف: «كنت أفضل شراء سيارة جديدة بالكامل، لكن ارتفاع أسعار السيارات الجديدة جعلني أعدل عن الفكرة».
وبعد رحلة بحث طويلة، اشترى فرواتي سيارة من طراز عام 2007 بكلفة بلغت 5500 دولار، لكنه يرى أن أسعار عدد من السيارات المستعملة تبقى مرتفعة قياساً إلى عمرها وحجم استهلاكها.
المشكلة، بالنسبة إليه، لم تكن في السعر وحده، فحتى فحص السيارة قبل الشراء لا يقدم دائماً إجابة نهائية عن حالتها.
ويقول: «هناك مشكلات قد تظهر بعد شراء السيارة أو استخدامها»، وهو ما يجعل قرار الشراء، برأيه، أكثر تعقيداً من مجرد المقارنة بين السعر والموديل.
تبدو جيدة.. حتى تبدأ بقيادتها
تجربة فواز طراقجي تقدم نموذجاً آخر لما قد يواجهه المشتري، فالسيارة التي اختارها لم تحمل، خلال المعاينة الأولى، مؤشرات واضحة تدفعه إلى التراجع عن شرائها.
ويقول طراقجي لـ«العين السورية»: «السيارة بدت في حالة جيدة عند المعاينة الأولى، ولم تكن هناك مشكلة واضحة للتراجع عن الشراء»، لكن ما لم يظهر أثناء المعاينة بدأ بالظهور بعد الاستخدام.
ويضيف: «بعد استخدامها بدأت تظهر بعض المشكلات التي لم أكن أتوقعها، واضطررت إلى مراجعة الميكانيكي وإجراء إصلاحات لم تكن محسوبة ضمن تكلفة الشراء».
وبذلك لم يعد ثمن السيارة بالنسبة إليه هو الرقم المدفوع للبائع فقط، إذ أضيفت إليه كلفة إصلاحات لم تدخل أساساً في حساباته عند اتخاذ قرار الشراء.
ويطالب طراقجي بمزيد من الضبط لسوق السيارات المستعملة، ولا سيما أن المشتري قليل الخبرة قد لا يمتلك القدرة على اكتشاف العيوب أو تقدير قيمتها وتأثيرها في السعر.
المشكلة ليست دائماً في المحرك
وفي تجربة مختلفة، لم تكن الحالة الفنية هي التي دفعت حسن أمانة إلى التراجع عن شراء سيارة، بل مشكلة مرتبطة بملكيتها وإمكانية إتمام نقلها.
ويقول أمانة لـ«العين السورية» إنه حرص على فحص السيارة قبل الشراء وتمكن من معرفة الأضرار الموجودة فيها، لكنه تراجع عن الصفقة بعدما ظهرت مشكلة في وضع ملكيتها.
ويضيف أن «الفراغة من أكثر الصعوبات التي تؤثر على حركة البيع والشراء»، رابطاً ذلك بمشكلات في إنجاز معاملات نقل الملكية ونظام الأتمتة.
وتكشف تجربته وجهاً آخر من عملية الشراء: فالسيارة قد تنجح في الاختبار الفني وتناسب ميزانية المشتري، لكن سلامة الأوراق والقدرة على نقل الملكية تبقيان شرطاً أساسياً لإتمام الصفقة.
من يحدد السعر؟
إذا كان المشترون يبحثون عن معيار واضح، فإن العاملين في السوق يقولون إن معادلة التسعير أكثر تعقيداً.
يزن حج علي، صاحب مكتب سيارات في حلب، يقول لـ«العين السورية» إنه «لا توجد آلية محددة في سوق السيارات بمدينة حلب يمكن الاستناد إليها لتسعير السيارات»، واضعاً العرض والطلب في مقدمة العوامل المؤثرة في السعر.
وبحسب حج علي، شهدت الأسعار ارتفاعاً محدوداً بعد إغلاق باب الاستيراد، فيما تتحكم مجموعة واسعة من التفاصيل في القيمة النهائية لكل سيارة.
فسنة الصنع والطراز والمواصفات ليست سوى البداية، إذ تدخل في الحساب أيضاً الحالة الفنية، وعدد الكيلومترات التي قطعتها المركبة، وحالة الهيكل والطلاء وقطع التبديل.
لكن المشكلة تصبح أكثر وضوحاً، وفق حج علي، عندما تعرض سيارتان متقاربتان في المواصفات وسنة الصنع بأسعار مختلفة، من دون أن يمتلك المشتري الأدوات الكافية لفهم أسباب الفارق.
ويقول: «المشكلة تظهر عندما يصبح الفارق بين سيارتين متشابهتين في المواصفات أو من سنة الصنع نفسها، من دون أن تكون لدى المشتري أدوات واضحة لمعرفة فرق السعر».
الاستيراد وقطع التبديل يدخلان المعادلة
ويتفق تاجر السيارات قتيبة عبود مع أن العرض والطلب يؤديان دوراً رئيسياً في تحريك الأسعار.
ويقول عبود لـ«العين السورية» إن زيادة الطلب على بعض أنواع السيارات رفعت أسعارها، بالتزامن مع تراجع توافرها في السوق بعد إغلاق باب الاستيراد.
ويشير إلى أن الدفعة الأخيرة من السيارات التي دخلت الأسواق يُقدّر عددها بنحو 25 ألف سيارة، موضحاً أنها بيعت بأسعار مرتفعة في ظل محدودية المعروض.
ولا يتوقف التسعير، وفق عبود، عند مدى انتشار السيارة أو الطلب عليها، إذ تدخل عوامل أخرى في الحساب، من بينها التصنيف الجمركي ومدى توافر قطع التبديل.
ويقول إن «من أكثر المعايير المتبعة معيار الجمارك، إضافة إلى توافر قطع التبديل»، لافتاً إلى أن الفئة التي تسجل فيها السيارة لدى الجمارك تؤثر في تسعيرها.
وعندما يُسأل عما يحتاجه سوق السيارات المستعملة ليصبح أكثر تنظيماً وشفافية، يختصر عبود جزءاً كبيراً من الحل بكلمة واحدة: الأتمتة.
ويرى أن تنظيم معلومات السيارات وتسجيلها إلكترونياً من شأنه تسهيل معاملات نقل الملكية عند البيع، وتقليل الصعوبات التي تواجه المتعاملين في السوق.
ما تخفيه السيارة تحت طلائها
بينما ينظر المشتري إلى الموديل والسعر والمظهر الخارجي، ينظر الميكانيكي إلى السيارة بطريقة مختلفة تماماً.
فنزار حجار، ميكانيكي في منطقة الميدان، يقول لـ«العين السورية» إن عدداً من السيارات الموجودة في السوق قديم ومستهلك، وبعضها خضع للإصلاح أكثر من مرة.
ويرى حجار أن السيارات القديمة يجب أن تُسعّر بما يتناسب مع عمرها وحالتها الفعلية، بدلاً من رفع قيمتها إلى مستويات لا تعكس مقدار استهلاكها.
أما الميكانيكي "فايز دالاتي" فيلفت إلى أن المظهر الخارجي قد يمنح أحياناً انطباعاً لا يعكس الحالة الكاملة للمركبة.
ويقول دالاتي لـ«العين السورية»: «بعض السيارات تبدو جيدة من الخارج، لكن عند فحصها تظهر آثار حوادث سابقة أو إصلاحات في الهيكل»، موضحاً أن هذه التفاصيل من العوامل المؤثرة في قيمة السيارة عند البيع.
لكن حتى الفحص الفني، على أهميته، ليس شهادة تكشف تاريخ المركبة كاملاً.
ويضيف دالاتي: «عملية فحص السيارة قبل الشراء خطوة مهمة، لكنها ليست ضماناً لمعرفة كل تفاصيل السيارة»، مشيراً إلى أن الفحص يوضح الحالة الفنية للمركبة في وقت إجرائه.
وهنا تظهر إحدى أبرز الفجوات في سوق المستعمل: يستطيع الميكانيكي فحص السيارة الموجودة أمامه اليوم، لكنه لا يمتلك بالضرورة سجلاً يخبر المشتري بما تعرضت له خلال سنوات استخدامها السابقة.
عندما يظهر العيب بعد البيع
المشكلة تصبح أكثر حساسية عندما تتم الصفقة ويُدفع الثمن، ثم يكتشف المشتري عيباً لم يكن يعرفه.
المحامي عبد الحميد الترك يقول لـ«العين السورية»
ويرى الترك أن التشريعات الحالية قديمة ولا تنظم سوق بيع وشراء السيارات بالصورة المطلوبة، مشيراً إلى وجود ممارسات غير مهنية من بعض العاملين في تجارة السيارات.
ويضع عودة الوكالات الخاصة ببيع السيارات ضمن الحلول الممكنة، بالتوازي مع رقابة حكومية تمنع الاحتكار والغش والاحتيال.
لكن التنظيم، وفق الترك، ينبغي ألا يتوقف عند صالات البيع والتجار، بل أن يمتد إلى قطاع الصيانة نفسه.
ويلفت إلى انتشار نقاط وورش لإصلاح السيارات على الطرق من دون وجود سجلات وقيود تنظم عمل بعضها، داعياً إلى تنظيم مهنة الميكانيك وصيانة السيارات.
ويقول الترك إن وجود جهة رقابية تساهم في تنظيم هذه المهنة يمكن أن يحد من عمليات الغش المحتملة، إلى جانب تنظيم سوق السيارات المستعملة بما يخفف تكاليف الصيانة والآثار الناجمة عن الانتشار غير المنظم لنقاط الإصلاح داخل المدن.
هل يحتاج السوق إلى «هوية» لكل سيارة؟
ما يجمع شهادات المشترين والتجار والميكانيكيين ليس الاعتراض على تفاوت الأسعار بحد ذاته، فالسيارتان من الطراز والعام نفسيهما لا تحملان بالضرورة القيمة ذاتها، لكن المشكلة تبدأ عندما يعجز المشتري عن معرفة لماذا توجد هذه الفجوة في السعر.
فسيارة قطعت مسافات أطول أو تعرضت لحوادث وإصلاحات في هيكلها ليست كأخرى حافظت على حالتها، كما أن توافر قطع التبديل والحالة الفنية وسلامة الملكية كلها عوامل تغير القيمة.
لكن معرفة هذه التفاصيل تعتمد حالياً، وفق الشهادات التي جمعتها «العين السورية»، بدرجة كبيرة على خبرة المشتري والفحص والمعلومات التي يحصل عليها من البائع.
ومن هنا تبرز الأتمتة وتنظيم بيانات المركبات باعتبارهما مدخلاً يمكن أن يجعل السوق أكثر وضوحاً، خصوصاً إذا أصبح الوصول إلى معلومات السيارة وإجراءات نقل ملكيتها أكثر سهولة وتنظيماً.
فالسؤال الذي يواجه المشتري في حلب ليس فقط: كم يبلغ سعر هذه السيارة؟
السؤال الأكثر أهمية يأتي بعده مباشرة: ما الذي يجعلها تستحق هذا السعر؟
وحتى يمتلك السوق إجابة واضحة عن السؤال الثاني، سيبقى شراء السيارة المستعملة عملية تبدأ بالمقارنة، وتمر بالميكانيكي والأوراق، وقد لا تنتهي معرفة تفاصيلها إلا بعد أن يدير المشتري المحرك ويبدأ أولى رحلاته.
قد تقف سيارتان من الطراز نفسه وسنة الصنع ذاتها في سوق واحد، لكن بفارق واضح في السعر. وقد تبدو السيارة جيدة عند المعاينة والفحص، ثم تبدأ أعطالها بالظهور بعد أيام من شرائها. وفي حالات أخرى، لا تكون المشكلة تحت غطاء المحرك أصلاً، بل في الأوراق وإمكانية نقل الملكية.
هذه التفاصيل ترسم جانباً من واقع سوق السيارات المستعملة في حلب، حيث تتداخل عوامل العرض والطلب والحالة الفنية والعمر والاستهلاك وتوافر قطع التبديل في تحديد الأسعار، من دون وجود معيار موحد يستطيع المشتري الرجوع إليه لمعرفة القيمة الفعلية للسيارة.
وبين السعر المعلن والحالة الحقيقية للمركبة، تبدأ رحلة المشتري بالبحث والمقارنة، لكنها لا تنتهي بالضرورة عند الفحص الفني؛ إذ تكشف شهادات مشترين وتجار وميكانيكيين لـ«العين السورية» عن مشكلات قد لا تظهر إلا بعد الاستخدام، إلى جانب صعوبات مرتبطة بنقل الملكية، وسط مطالب بأتمتة الإجراءات وتنظيم السوق بصورة أكبر.
السيارة نفسها.. لكن السعر مختلف
قبل أن يشتري سامر فرواتي سيارته، بحث بين عروض متعددة وقارن سيارات من النوع والطراز نفسيهما، معتقداً أن ذلك سيمنحه تصوراً واضحاً عن السعر، لكنه فوجئ بفروقات كبيرة بين العروض.
ويقول فرواتي لـ«العين السورية»: «قبل شراء السيارة قارنت أكثر من سيارة من النوع والموديل نفسه، لكنني فوجئت بفروقات في الأسعار»، مشيراً إلى أن العثور على سيارة تناسب الميزانية المخصصة لم يكن سهلاً.
كان خياره الأول شراء سيارة جديدة، إلا أن الأسعار دفعته نحو سوق المستعمل.
ويضيف: «كنت أفضل شراء سيارة جديدة بالكامل، لكن ارتفاع أسعار السيارات الجديدة جعلني أعدل عن الفكرة».
وبعد رحلة بحث طويلة، اشترى فرواتي سيارة من طراز عام 2007 بكلفة بلغت 5500 دولار، لكنه يرى أن أسعار عدد من السيارات المستعملة تبقى مرتفعة قياساً إلى عمرها وحجم استهلاكها.
المشكلة، بالنسبة إليه، لم تكن في السعر وحده، فحتى فحص السيارة قبل الشراء لا يقدم دائماً إجابة نهائية عن حالتها.
ويقول: «هناك مشكلات قد تظهر بعد شراء السيارة أو استخدامها»، وهو ما يجعل قرار الشراء، برأيه، أكثر تعقيداً من مجرد المقارنة بين السعر والموديل.
تبدو جيدة.. حتى تبدأ بقيادتها
تجربة فواز طراقجي تقدم نموذجاً آخر لما قد يواجهه المشتري، فالسيارة التي اختارها لم تحمل، خلال المعاينة الأولى، مؤشرات واضحة تدفعه إلى التراجع عن شرائها.
ويقول طراقجي لـ«العين السورية»: «السيارة بدت في حالة جيدة عند المعاينة الأولى، ولم تكن هناك مشكلة واضحة للتراجع عن الشراء»، لكن ما لم يظهر أثناء المعاينة بدأ بالظهور بعد الاستخدام.
ويضيف: «بعد استخدامها بدأت تظهر بعض المشكلات التي لم أكن أتوقعها، واضطررت إلى مراجعة الميكانيكي وإجراء إصلاحات لم تكن محسوبة ضمن تكلفة الشراء».
وبذلك لم يعد ثمن السيارة بالنسبة إليه هو الرقم المدفوع للبائع فقط، إذ أضيفت إليه كلفة إصلاحات لم تدخل أساساً في حساباته عند اتخاذ قرار الشراء.
ويطالب طراقجي بمزيد من الضبط لسوق السيارات المستعملة، ولا سيما أن المشتري قليل الخبرة قد لا يمتلك القدرة على اكتشاف العيوب أو تقدير قيمتها وتأثيرها في السعر.
المشكلة ليست دائماً في المحرك
وفي تجربة مختلفة، لم تكن الحالة الفنية هي التي دفعت حسن أمانة إلى التراجع عن شراء سيارة، بل مشكلة مرتبطة بملكيتها وإمكانية إتمام نقلها.
ويقول أمانة لـ«العين السورية» إنه حرص على فحص السيارة قبل الشراء وتمكن من معرفة الأضرار الموجودة فيها، لكنه تراجع عن الصفقة بعدما ظهرت مشكلة في وضع ملكيتها.
ويضيف أن «الفراغة من أكثر الصعوبات التي تؤثر على حركة البيع والشراء»، رابطاً ذلك بمشكلات في إنجاز معاملات نقل الملكية ونظام الأتمتة.
وتكشف تجربته وجهاً آخر من عملية الشراء: فالسيارة قد تنجح في الاختبار الفني وتناسب ميزانية المشتري، لكن سلامة الأوراق والقدرة على نقل الملكية تبقيان شرطاً أساسياً لإتمام الصفقة.
من يحدد السعر؟
إذا كان المشترون يبحثون عن معيار واضح، فإن العاملين في السوق يقولون إن معادلة التسعير أكثر تعقيداً.
يزن حج علي، صاحب مكتب سيارات في حلب، يقول لـ«العين السورية» إنه «لا توجد آلية محددة في سوق السيارات بمدينة حلب يمكن الاستناد إليها لتسعير السيارات»، واضعاً العرض والطلب في مقدمة العوامل المؤثرة في السعر.
وبحسب حج علي، شهدت الأسعار ارتفاعاً محدوداً بعد إغلاق باب الاستيراد، فيما تتحكم مجموعة واسعة من التفاصيل في القيمة النهائية لكل سيارة.
فسنة الصنع والطراز والمواصفات ليست سوى البداية، إذ تدخل في الحساب أيضاً الحالة الفنية، وعدد الكيلومترات التي قطعتها المركبة، وحالة الهيكل والطلاء وقطع التبديل.
لكن المشكلة تصبح أكثر وضوحاً، وفق حج علي، عندما تعرض سيارتان متقاربتان في المواصفات وسنة الصنع بأسعار مختلفة، من دون أن يمتلك المشتري الأدوات الكافية لفهم أسباب الفارق.
ويقول: «المشكلة تظهر عندما يصبح الفارق بين سيارتين متشابهتين في المواصفات أو من سنة الصنع نفسها، من دون أن تكون لدى المشتري أدوات واضحة لمعرفة فرق السعر».
الاستيراد وقطع التبديل يدخلان المعادلة
ويتفق تاجر السيارات قتيبة عبود مع أن العرض والطلب يؤديان دوراً رئيسياً في تحريك الأسعار.
ويقول عبود لـ«العين السورية» إن زيادة الطلب على بعض أنواع السيارات رفعت أسعارها، بالتزامن مع تراجع توافرها في السوق بعد إغلاق باب الاستيراد.
ويشير إلى أن الدفعة الأخيرة من السيارات التي دخلت الأسواق يُقدّر عددها بنحو 25 ألف سيارة، موضحاً أنها بيعت بأسعار مرتفعة في ظل محدودية المعروض.
ولا يتوقف التسعير، وفق عبود، عند مدى انتشار السيارة أو الطلب عليها، إذ تدخل عوامل أخرى في الحساب، من بينها التصنيف الجمركي ومدى توافر قطع التبديل.
ويقول إن «من أكثر المعايير المتبعة معيار الجمارك، إضافة إلى توافر قطع التبديل»، لافتاً إلى أن الفئة التي تسجل فيها السيارة لدى الجمارك تؤثر في تسعيرها.
وعندما يُسأل عما يحتاجه سوق السيارات المستعملة ليصبح أكثر تنظيماً وشفافية، يختصر عبود جزءاً كبيراً من الحل بكلمة واحدة: الأتمتة.
ويرى أن تنظيم معلومات السيارات وتسجيلها إلكترونياً من شأنه تسهيل معاملات نقل الملكية عند البيع، وتقليل الصعوبات التي تواجه المتعاملين في السوق.
ما تخفيه السيارة تحت طلائها
بينما ينظر المشتري إلى الموديل والسعر والمظهر الخارجي، ينظر الميكانيكي إلى السيارة بطريقة مختلفة تماماً.
فنزار حجار، ميكانيكي في منطقة الميدان، يقول لـ«العين السورية» إن عدداً من السيارات الموجودة في السوق قديم ومستهلك، وبعضها خضع للإصلاح أكثر من مرة.
ويرى حجار أن السيارات القديمة يجب أن تُسعّر بما يتناسب مع عمرها وحالتها الفعلية، بدلاً من رفع قيمتها إلى مستويات لا تعكس مقدار استهلاكها.
أما الميكانيكي "فايز دالاتي" فيلفت إلى أن المظهر الخارجي قد يمنح أحياناً انطباعاً لا يعكس الحالة الكاملة للمركبة.
ويقول دالاتي لـ«العين السورية»: «بعض السيارات تبدو جيدة من الخارج، لكن عند فحصها تظهر آثار حوادث سابقة أو إصلاحات في الهيكل»، موضحاً أن هذه التفاصيل من العوامل المؤثرة في قيمة السيارة عند البيع.
لكن حتى الفحص الفني، على أهميته، ليس شهادة تكشف تاريخ المركبة كاملاً.
ويضيف دالاتي: «عملية فحص السيارة قبل الشراء خطوة مهمة، لكنها ليست ضماناً لمعرفة كل تفاصيل السيارة»، مشيراً إلى أن الفحص يوضح الحالة الفنية للمركبة في وقت إجرائه.
وهنا تظهر إحدى أبرز الفجوات في سوق المستعمل: يستطيع الميكانيكي فحص السيارة الموجودة أمامه اليوم، لكنه لا يمتلك بالضرورة سجلاً يخبر المشتري بما تعرضت له خلال سنوات استخدامها السابقة.
عندما يظهر العيب بعد البيع
المشكلة تصبح أكثر حساسية عندما تتم الصفقة ويُدفع الثمن، ثم يكتشف المشتري عيباً لم يكن يعرفه.
المحامي عبد الحميد الترك يقول لـ«العين السورية»
❝إن البائع، في حال اكتشاف عيب جوهري في السيارة بعد إتمام الصفقة أو وجود معلومات لم يفصح عنها، يتحمل مسؤولية تلك العيوب❞مشدداً في الوقت نفسه على أهمية رفع مستوى الوعي لدى المشترين قبل إتمام عمليات البيع.
ويرى الترك أن التشريعات الحالية قديمة ولا تنظم سوق بيع وشراء السيارات بالصورة المطلوبة، مشيراً إلى وجود ممارسات غير مهنية من بعض العاملين في تجارة السيارات.
ويضع عودة الوكالات الخاصة ببيع السيارات ضمن الحلول الممكنة، بالتوازي مع رقابة حكومية تمنع الاحتكار والغش والاحتيال.
لكن التنظيم، وفق الترك، ينبغي ألا يتوقف عند صالات البيع والتجار، بل أن يمتد إلى قطاع الصيانة نفسه.
ويلفت إلى انتشار نقاط وورش لإصلاح السيارات على الطرق من دون وجود سجلات وقيود تنظم عمل بعضها، داعياً إلى تنظيم مهنة الميكانيك وصيانة السيارات.
ويقول الترك إن وجود جهة رقابية تساهم في تنظيم هذه المهنة يمكن أن يحد من عمليات الغش المحتملة، إلى جانب تنظيم سوق السيارات المستعملة بما يخفف تكاليف الصيانة والآثار الناجمة عن الانتشار غير المنظم لنقاط الإصلاح داخل المدن.
هل يحتاج السوق إلى «هوية» لكل سيارة؟
ما يجمع شهادات المشترين والتجار والميكانيكيين ليس الاعتراض على تفاوت الأسعار بحد ذاته، فالسيارتان من الطراز والعام نفسيهما لا تحملان بالضرورة القيمة ذاتها، لكن المشكلة تبدأ عندما يعجز المشتري عن معرفة لماذا توجد هذه الفجوة في السعر.
فسيارة قطعت مسافات أطول أو تعرضت لحوادث وإصلاحات في هيكلها ليست كأخرى حافظت على حالتها، كما أن توافر قطع التبديل والحالة الفنية وسلامة الملكية كلها عوامل تغير القيمة.
لكن معرفة هذه التفاصيل تعتمد حالياً، وفق الشهادات التي جمعتها «العين السورية»، بدرجة كبيرة على خبرة المشتري والفحص والمعلومات التي يحصل عليها من البائع.
ومن هنا تبرز الأتمتة وتنظيم بيانات المركبات باعتبارهما مدخلاً يمكن أن يجعل السوق أكثر وضوحاً، خصوصاً إذا أصبح الوصول إلى معلومات السيارة وإجراءات نقل ملكيتها أكثر سهولة وتنظيماً.
فالسؤال الذي يواجه المشتري في حلب ليس فقط: كم يبلغ سعر هذه السيارة؟
السؤال الأكثر أهمية يأتي بعده مباشرة: ما الذي يجعلها تستحق هذا السعر؟
وحتى يمتلك السوق إجابة واضحة عن السؤال الثاني، سيبقى شراء السيارة المستعملة عملية تبدأ بالمقارنة، وتمر بالميكانيكي والأوراق، وقد لا تنتهي معرفة تفاصيلها إلا بعد أن يدير المشتري المحرك ويبدأ أولى رحلاته.


