سوريا - اقتصاد
من "شركة العائلة" إلى مؤسسات احترافية... دمشق تفتح نقاش مستقبل الشركات العائلية في سوق المال
ا
العين السورية
نشر في: ٨ يوليو ٢٠٢٦، ١٦:٥٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تعد الشركات العائلية في سوريا أمام خيار الاستمرار بالطريقة التقليدية نفسها، فمع تعقّد الأسواق وتبدّل قواعد المنافسة، بات الانتقال من الإدارة الفردية إلى النموذج المؤسسي ضرورة لضمان البقاء والنمو.
هذا كان محور الندوة الحوارية المتخصصة التي أقامتها غرفة تجارة دمشق بعنوان: "كيفية تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة أو خاصة وإدراجها في سوق دمشق للأوراق المالية"، بالتعاون مع الشركة العالمية الأولى للاستثمارات المالية وشركة العجلاني وشركاؤه.
الندوة لم تكن مجرد نقاش حول إجراءات قانونية، بل محاولة لرسم طريق جديد أمام آلاف الشركات العائلية التي تشكل جزءاً أساسياً من الاقتصاد السوري.
التحول ليس فقداناً للهوية
وزير المالية محمد يسر برنية أكد خلال الندوة أن تحول الشركات العائلية إلى شركات مساهمة يضعها على مسار أكثر وضوحاً، ويمهد أمامها الطريق لدخول سوق الأوراق المالية، مشيراً إلى أن الوزارة منفتحة على مختلف الحلول التي تساعد قطاع الأعمال على التطور.
ودعا برنية أصحاب الشركات العائلية إلى اتخاذ خطوة التحول قبل الوصول إلى مرحلة التراجع والاندثار، لافتاً إلى أن عدداً من هذه الشركات فقدت قدرتها على الاستمرار بسبب غياب التخطيط المؤسسي وانتقال الإدارة بين الأجيال.
وأوضح أن التحول لا يعني تغيير هوية الشركة أو إضعاف دور أصحابها، بل هو انتقال طوعي وتدريجي نحو نموذج أكثر تنظيماً يحافظ على الخبرات والمبادرات الناجحة ويمنحها فرصاً أكبر للنمو والتمويل.
وأشار إلى أن هذا المسار يحتاج إلى بيئة متكاملة تشمل التوعية، وبناء القدرات، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وإعداد قوائم مالية مدققة، وتوفير مسار استشاري يساعد الشركات على إعادة تنظيم أوضاعها، إضافة إلى وضع ميثاق عائلي ينظم دخول أفراد العائلة إلى الإدارة ويحدد الأدوار والمسؤوليات.
وكشف وزير المالية عن توجه لتقديم دعم مؤسسي لهذا التحول عبر تأسيس مجالس إدارة عائلية، والتنسيق مع الجهات التمويلية، وتبسيط إجراءات إعادة الهيكلة، وإعداد ملفات شراكة تحفظ حقوق المساهمين والشركاء، مؤكداً أن الوزارة ستكون داعماً لهذا المسار.
وتوقع برنية أن تشهد المرحلة الأولى تحول نحو خمسين شركة عائلية قبل انتقالها إلى سوق دمشق للأوراق المالية.
الاستمرارية هي التحدي الأكبر
رئيس غرفة تجارة دمشق عصام غريواتي أكد أن جوهر النقاش حول الشركات العائلية يرتبط بقدرتها على الاستمرار عبر الأجيال، مشيراً إلى أن العديد من هذه الشركات تمتلك تاريخاً وخبرات متراكمة لكنها تحتاج إلى أدوات حديثة تحميها من التفكك.
وأوضح في تصربح الـ "العين السورية " أن النظام الضريبي الذي وصفه بالجائر سابقاً كان أحد العوامل التي أعاقت تحول بعض الشركات العائلية إلى شركات مساهمة، وأدى إلى بقاء الكثير منها ضمن إطار مغلق يصعب عليه التوسع.
الشركة العائلية قوة تحتاج إلى مؤسسة
مدير شركة العجلاني وشركاؤه، هيثم العجلاني وصف الشركات العائلية بأنها نموذج "شركة الحجي"، في إشارة إلى الشركات التي نشأت حول شخصية مؤسسها وبُنيت على الثقة والعلاقات العائلية، معتبراً أنها كانت نموذجاً فعالاً وناجحاً ضمن أحجام أعمال محددة.
وأشار إلى أن أبرز نقاط قوتها تتمثل في سرعة اتخاذ القرار، ومرونة الإدارة، وسرعة توفير رأس المال، ووجود ذاكرة مؤسسية ناتجة عن ارتباط العائلة بالشركة، إضافة إلى قدرتها على متابعة السوق واتخاذ قرارات سريعة.
لكن هذه المزايا، بحسب العجلاني، قد تتحول إلى نقاط ضعف عندما تكبر الشركة وتنتقل إلى أجيال جديدة، حيث تظهر تحديات الخلافة، وتضارب المصالح، وغياب الإفصاح، وتركز القرار بيد شخص واحد، ومحدودية مصادر التمويل، إضافة إلى النزاعات العائلية وضعف الحوكمة.
ولفت إلى أن الدراسات تشير إلى أن نسبة الشركات العائلية التي تستمر حتى الجيل الرابع لا تتجاوز 3%، ما يجعل التحول المؤسسي حاجة ملحة وليس مجرد خيار.
وأوضح أن الشركات العائلية في سوريا مرت بمحاولات للتحول سابقاً، منها ما جاء بعد مرسوم عام 2007 الذي أتاح تقييم الموجودات المادية والمعنوية والإسم التجاري ضمن ضريبة رمزية، إلا أن تغيرات سعر الصرف والظروف الاقتصادية في عام 2023 أدت إلى انكماش مجتمع الأعمال، ولم ينتج عنها سوى تحول شركتين فقط.
السوق يحتاج إلى شركات جديدة
مديرة الشركة العالمية الأولى للاستثمارات المالية رنا اسكيف أكدت أن سوق دمشق للأوراق المالية يضم حالياً 27 شركة مدرجة فقط منذ تأسيسه، مع وجود فرصة كبيرة لزيادة هذا العدد من خلال جذب الشركات العائلية.
وبيّنت أن دور الوسيط المالي لا يقتصر على إجراءات الإدراج، بل يتمثل في مرافقة الشركة خلال مراحل التحول، وتقديم الخبرة اللازمة لاختيار المسار المناسب سواء الإدراج في السوق النظامية أو الأسواق الموازية.
من الإرث العائلي إلى الحوكمة المؤسسية
ناقشت الندوة آليات تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة أو خاصة، والخطوات القانونية والفنية اللازمة للإدراج في سوق دمشق للأوراق المالية، إضافة إلى دور الوسطاء الماليين في تسهيل عملية الانتقال.
والرسالة الأساسية التي خرجت بها الندوة أن بقاء الشركات العائلية لم يعد مرتبطاً فقط بقوة اسم العائلة أو تاريخها، بل بقدرتها على التحول إلى مؤسسات تمتلك قواعد واضحة للإدارة والتمويل والحوكمة.
فالشركة التي تبدأ من عائلة واحدة يمكن أن تصبح شركة يمتلكها المستثمرون، وتستمر عبر الأجيال، شرط أن تنتقل من منطق "الشخص" إلى منطق "المؤسسة".


