العالم - تكنولوجيا
مع الذكاء الاصطناعي.. ما الذي يبقى من الإنسان ومن اليسار؟
الذكاء الاصطناعي والإنسان ومستقبل اليسار.. من صراع الطبقات إلى صراع القيم
ع
عابد ميشيل الريس
نشر في: ١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٣:٤٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية
ليس من المبالغة بأي حال أن نعتبر أيامنا الحالية نقطة انعطافٍ في تاريخ البشرية، فنحن نعاصر الحقبة الأولى في التاريخ التي يحادث فيها الإنسان ذكاءً غير مرتبط بجسدً بشري، متوقعًا منه فهم مشكلته على فرادتها وتنوعها في شتى الميادين، لا بل اقتراح حلولٍ وإجاباتً لهذه المشكلة، و سيثق الإنسان بإجابة هذا الذكاء غالبًا، وبصورة أكبر من ثقته بإجابة من هذا الإنسان أو ذاك. ومهما عزّينا أنفسنا بأن هذا الذكاء هو حصيلة خبرات البشر وتجاربهم ومعارفهم، إلا أنّنا نتعامل مع هذه الأداة على أنّها تفلت منا، على أنّ لها مركزها الخاص في التفكير والاستنتاج ومراكمة المعلومات. لسنا أمام موسوعة تلم أفكارنا، نحن أمام بنيةٍ تفكّر، تطيعنا نعم، ولكننا لا نستطيع مسبقًا تخيّل شكل هذه الطاعة، هذه الطاعة تأتي من مركز خارج عن تحكّمنا.
زيارة إلى الفلسفة:
ليس من المبالغة بأي حال أن نعتبر أيامنا الحالية نقطة انعطافٍ في تاريخ البشرية، فنحن نعاصر الحقبة الأولى في التاريخ التي يحادث فيها الإنسان ذكاءً غير مرتبط بجسدً بشري، متوقعًا منه فهم مشكلته على فرادتها وتنوعها في شتى الميادين، لا بل اقتراح حلولٍ وإجاباتً لهذه المشكلة، و سيثق الإنسان بإجابة هذا الذكاء غالبًا، وبصورة أكبر من ثقته بإجابة من هذا الإنسان أو ذاك. ومهما عزّينا أنفسنا بأن هذا الذكاء هو حصيلة خبرات البشر وتجاربهم ومعارفهم، إلا أنّنا نتعامل مع هذه الأداة على أنّها تفلت منا، على أنّ لها مركزها الخاص في التفكير والاستنتاج ومراكمة المعلومات. لسنا أمام موسوعة تلم أفكارنا، نحن أمام بنيةٍ تفكّر، تطيعنا نعم، ولكننا لا نستطيع مسبقًا تخيّل شكل هذه الطاعة، هذه الطاعة تأتي من مركز خارج عن تحكّمنا.
زيارة إلى الفلسفة:
من غير المستغرب أن يضعنا هذا الوضع أمام قلقٍ من نوعٍ جديدٍ تمامًا، نحن لسنا أمام إنسانٍ يتجاوز حدوده نحو ممكناتٍ أرحب، نحن أمام إمكانيةٍ من الرحابة بحيث يبدو الإنسان نفسه محدودًا. ولا يقتصر الأمر على خطر زيادة بالبطالة البشرية أمام روبوتات ذكيّة تتقن عملها ولا تتقاضى الأجور، بل يتعدّاه لنظرة الإنسان إلى نفسه وثقته بهويته، حيث كان (الذكاء) لمرحلةٍ طويلةٍ من الزمن السمة التي يباهي فيها النوع البشريّ الأنواع الأخرى، ونعني بالذكاء القدرة على اختزان المعلومات ذاتيّا دون تلقين، واستقرائها، وتحديد أنماط مشتركةٍ بينها، ثم تحليلها واقتراح نتيجة منطقيّةٍ من هذا التحليل. بلغت هذه الثقة بالفرادة إلى درجة أنّ الإنسان لا يتخيّل ندّا ذكيًّا له إلا أتيًا من كوكب آخر.
زيارة إلى السينما:
تبدو التسعينات، والبشر يستعدون لعبور الألفية الأولى إلى الثانية، وكأنها عقد هواجس الإنسان باتجاه الذكاء الصنعي، فلدينا أيضًا عام 1999 فيلم آخران شهيران عن الذكاء الاصطناعي، الأول تناول قدرة هذا الذكاء على التأثير في وعي الناس لواقعهم وهو فيلم The Matrix، هو فيلمٌ ممتاز لفهم كيف ترتبط المعرفة بالسلطة، وكيف ينضبط البشر بدون حاجةٍ للمخابرات والبوليس، بل من خلال تزييف الواقع نفسه.
ختاماً:
إن كان هدف اليسار تحرير الإنسان من اغترابه بالمعنى الواسع للكلمة، وليس فقط بالمعنى النظري، فسيجد نصيرًا ممتازًا له في المخابر والعيادات النفسية التي رافقت الإنسان في صراعاته الداخلية خلال هذه الحقبة من التاريخ من الثورة الصناعية حتى الذكاء الاصطناعي.
لماذا ضروري؟ لأن هذا القلق المتعاظم حول قيمة الإنسان إنتاجيًأ، لا مناص سيغرقنا في صراعات نجاة، وكأننا لا نستطيع البقاء معًا، ليس صراعات فقراء ضد أغنياء، ولا عمال وفلاحين ضد مالكين.
بقي أن نتساءل كيف يمكن هذه الاستبصارات اليسارية الخارجة من المخابر النفسية أن تتحول لتصبح أفكارًا أيديولوجية تقود عملًا جماعيًا. انطباعي أن ذلك يحدث بالفعل وإن لم يكن بالحجم الذي نتمناه، فحزب اليسار المنتمي لكتلة يسار الوسط المنتصر في السويد اليوم يحمل أفكارً تتقاطع بامتياز مع أفكار روجرز وفروم.
إلا أننا لن نتوقع بالمدى المنظور بالطبع يسارًا إنسانيًا جماهيريا. الجماهير تئن تحت وطأة خوارزميات القلق من الآخر إن كان في الإعلام أو في وسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي من المبكر التفكير بيسارٍ منتصرٍ سياسيًا وممتلكٌ لأدواته.
ديكارت رأى نفسه شيئًا يفكّر ، و نحن نعترف بآخرية الآخر انطلاقًا من تفاعله الفكري واللغوي معنا، فهل نستطيع القول بشكلٍ موازٍ أن الذكاء الاصطناعي يفكّر مادام يحلل ويعالج المعلومات ويستجيب منطقيًا مع طروحاتنا ؟ هل هو عاقلٌ، وهل هو آخر؟ و ماذا يميز ذات الإنسان بعد الآن، إن كان الذكاء الاصطناعي(وهو اليوم مازال في مرحلته البدائية) يفكّر أيضًا مثله، وربما شيئًا فشيئًا أفضل منه؟!
ليس الإنسان بوصفه مفكرًا من يمر بأزمةٍ أمام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل الإنسان العامل المنتج أيضًا، فجوهر الإنسانية بالنسبة لماركس هو القدرة على الإنتاج، والإنسان يحقق إنسانيته مادام ينتج و يرى إنتاجه في خدمة نموه وازدهاره، وفقدانه لهذه القدرة يعني أن يرى نفسه مغتربًا.
ليس الإنسان بوصفه مفكرًا من يمر بأزمةٍ أمام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل الإنسان العامل المنتج أيضًا، فجوهر الإنسانية بالنسبة لماركس هو القدرة على الإنتاج، والإنسان يحقق إنسانيته مادام ينتج و يرى إنتاجه في خدمة نموه وازدهاره، وفقدانه لهذه القدرة يعني أن يرى نفسه مغتربًا.
وما يشكّل وعي هذا الإنسان هو شكل علاقات الانتاج الذي يسود بالمجتمع، فوعي الفلاح بأهميته ودوره في نظامٍ إقطاعي السيادة فيه للإقطاعي وحده، هو غير وعيه بنفسه حين يصبح التجار أسيادًا جدد في السوق، هنا سيعي الفلاح نفسه أنّه قوة الانتاج الحقيقية التي هي أساس السوق، وسيرى الإقطاعي مستغلًا له، فيثور عليه، وهو ما حدث فعلا في الثورات التي اجتاحت أوروبا بدءًا من الثورة الفرنسية.
من هذا المنظور راهن ماركس على أن العمال هم قوّة الإنتاج الحقيقية في النظام الرأسمالي، وأن تراكم رأس المال سيصل إلى تناقض، فالعمل جماعي أما الملكية فخاصة.
هذا يؤدي إلى تشكل علاقات إنتاج جديدة، وبالتالي ثورةً لتحرير الإنسان من استغلاله، فيصبح العمل جماعيًا والملكية جماعية، وكان يرى هذا التغيير حتميًا لا بل بوجه ما علميّا. ولنقل كان هذا لب تفكير اليسار الماركسي الذي ألهب كثيرًا من المتحمسين الرومانسيين في القرن العشرين، ومركز التنظير في جميع تجارب تطبيق الاشتراكية الماركسية على تنوعها، التي لم يبق منها أثر اليوم تقريبأ.
ما الذي حدث حتى وصلنا إلى عالم بلا ماركسية، ببساطة قامت النظم الرأسمالية برفع الأجور، حسنت شروط العمل، فأصبح العامل يستطيع أن يكون مستهلكًا بدوره، مستمتعًا بنصيبه الخاص من ملكية خاصة، فوجد بوجه ما أن عمله هو فعلا في خدمة نموه. حدث هذا بالتوازي مع اعتمادٍ متزايدٍ على الآلة، كعبدٍ آليٍّ بلا وعي طبقيّ، حتى أصبح العامل الإنسان هو من يلهث وراء فرصة العمل، وليس صاحب الاستثمار والعمل من يحتاجه.
ما الذي حدث حتى وصلنا إلى عالم بلا ماركسية، ببساطة قامت النظم الرأسمالية برفع الأجور، حسنت شروط العمل، فأصبح العامل يستطيع أن يكون مستهلكًا بدوره، مستمتعًا بنصيبه الخاص من ملكية خاصة، فوجد بوجه ما أن عمله هو فعلا في خدمة نموه. حدث هذا بالتوازي مع اعتمادٍ متزايدٍ على الآلة، كعبدٍ آليٍّ بلا وعي طبقيّ، حتى أصبح العامل الإنسان هو من يلهث وراء فرصة العمل، وليس صاحب الاستثمار والعمل من يحتاجه.
بقي هذا وضعًا معقولًا حتى وصلنا إلى الحالة الاستثنائية التي يضعنا أمامها الذكاء الاصطناعي. فلم يعد فقط جهد الإنسان هو ما يؤتمت ويستبدل بالآلة، بل أصبحنا أمام أتمتة الذكاء، ذكاءٌ منتج. و من موشورٍ ماركسي لنا أن نفكّر ماهي اليوم علاقات الإنتاج الجديدة؟ من يملك اليوم وسائل الإنتاج؟ ماهي نظرة الإنسان إلى نفسه ودوره كمنتجٍ يتضاءل باستمرار؟ وماهي إمكانياته لمقاومة الاغتراب.
قد نجادل في أنّ الجميع يملك الذكاء الاصطناعي بما أن الجميع يستخدمه، يفوتنا هنا أن استهلاكنا لخدمة هذا الذكاء هو بالتحديد ما ينتجه، فالمزيد من أسئلتنا وبحوثنا ومقالاتنا وصورنا التي ندخلها، كلها تصب في بنوك المعلومات التي يستقرئها الذكاء الاصطناعي ليقترح نتائج جديدة عند الشركات التي تملك هذه المنصات، والتي تبيعها للتوظيف التجاري والصناعي والأهم السياسي، الذكاء الاصطناعي مجانيّ لهذا السبب.
قد نجادل في أنّ الجميع يملك الذكاء الاصطناعي بما أن الجميع يستخدمه، يفوتنا هنا أن استهلاكنا لخدمة هذا الذكاء هو بالتحديد ما ينتجه، فالمزيد من أسئلتنا وبحوثنا ومقالاتنا وصورنا التي ندخلها، كلها تصب في بنوك المعلومات التي يستقرئها الذكاء الاصطناعي ليقترح نتائج جديدة عند الشركات التي تملك هذه المنصات، والتي تبيعها للتوظيف التجاري والصناعي والأهم السياسي، الذكاء الاصطناعي مجانيّ لهذا السبب.
وبالتالي وعينا بأننا مٌستهلِكون للذكاء الاصطناعي هو وعيٌ ناقص، نحن لسنا حتى من ينتجه كما ينتج العامل سلعة، نحن بالأصح مواده الخام التي يستهلكها لينمو دوره، أمام هذا النمو نحن نعي أنفسنا كبشرٍ تزداد احتمالية الاستغناء عنهم باستمرار، وهو وضع مقابلٌ ومعاكسٌ تمامًا للوضع الذي صاغ ماركس فيه نظريته. ولذلك بالضبط التفكير باليسار من زاوية ماركسية لم يعد ممكنًا اليوم. ولهذا في تقديري لا نجد أمام وجوهنا في كلّ مكان إلا اليمين وصعوده.
فحين لا يعود هناك من معنى للتحالف انطلاقا من مصلحةٍ طبقية، لا مناص من أن يتصارع المهمشون انطلاقًا من هوياتهم.
طرح إيلون ماسك في قمّة Viva Tech عام 2024 في باريس فكرة الدخل العام الشامل كحلٍّ للمشكلة، فبالنسبة له سيخلق الذكاء الاصطناعي حالة من الوفرة تجعل العمل اختيارًا شخصيًّا غير ضروري، لابل يجعل المال نفسه غير ضروري.
طرح إيلون ماسك في قمّة Viva Tech عام 2024 في باريس فكرة الدخل العام الشامل كحلٍّ للمشكلة، فبالنسبة له سيخلق الذكاء الاصطناعي حالة من الوفرة تجعل العمل اختيارًا شخصيًّا غير ضروري، لابل يجعل المال نفسه غير ضروري.
فكرة مثيرةٌ للاهتمام إن تذكرنا بأن المال وتراكمه كان رافعة الرأسمالية، وأنّ المال نفسه اليوم يمرّ بترنحات ذات علاقةٍ بتعريفه وتحديد قيمته بعد أزمة السندات المالية عام 2008. مع ذلك تقف أمام رؤية ماسك عدّة عقبات ولو أخلص النية .
فالسلع الوفيرة اللامحدودة ممكنةٌ في ظل موارد مادّية لا محدودة. وحتى لو توافرت الموارد اللامحدودة، ما الذي سيدفع مالكي الذكاء الاصطناعي والمستفيدين الكبار منه من رجال أعمال وصناعيين وحكوماتٍ على توزيع الثروة على عموم الناس، فالثروة ليست فقط مالًا بل سلطة، ما الذي سيجعل عموم الناس يستحقون هذا التوزيع، خاصّة وأن المعرفة التي تتراكم في الذكاء الاصطناعي هي فرصةٌ تاريخية لإنتاج سلطةٍ تتحكم بالناس من داخل عقولهم إن نظرنا للمسألة من زاوية ميشيل فوكو.
بعبارةٍ أخرى مادام الذكاء الاصطناعي يفكر بشكلٍ أفضل، وينتج بشكلٍ أفضل، ما الذي يجعل الانسان مستحقّا قيمته؟ بالتأكيد ستبقى مهام لا يستطيع عملها إلا الإنسان، ولكن هل نستريح لهذا التعريف: الإنسان المستحق هو الذي، حتى الآن، يستطيع أن يقوم بمهام ٍ لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها؟
زيارة إلى السينما:
في عام 1995ظهر فيلمٌ من سلسلة باتمان بعنوان Batman forever، تتمحور القصّة حول مجرمٍ ابتكر وسيلةً لنقل المعلومات من عقول الناس إلى عقله هو، وذلك عبر أجهزة تلفازٍ محدّثة تصنع صلةً ما بين عقل المجرم وعقول الناس في المدينة، كان المجرم يحلم بأن يجعل من عقله قرصًا صلبًا هائلًا يحوي كل شفرات حسابات الناس، معارفهم، عاداتهم، أفكارهم وهواجسهم وأحلامهم.
ولم يكن هدفه فقط سرقة ممتلكاتهم، وابتزازهم والسيطرة عليهم، بل كان يريد أيضًا أن يتجاوز شروط إنسانيته بامتلاكه عقلاً جمعيًا. نحن هنا مع تصور خيالي مبكّر لإمكانية أن يصبح مجموع ما يفكر فيه الجميع ملكيةً خاصّة، وهو ما يفعله الذكاء الاصطناعي، صحيح أنك تستقبل منه الأفكار تمامًا كالتلفاز في فيلمنا، إلا أنّك تعطيه أكثر مما يقدم لك، فأنت تقدّم أنماط تفكيرك الذي يجعل مساحة التأثير بك أوسع.
نخرج بعد حضورنا الفيلم بسؤال، ماهي خطورة أن يتماهى مالكو الذكاء الاصطناعي بالأداة التي بين أيديهم فيرون في أنفسهم فوق بشريين يحق لهم مالا يحق لغيرهم، ما هي مدى متانة الضوابط القانونية التي تحكم هذه الأداة الهائلة في عالمٍ خطرٍ ملغّمٍ بالصراعات، و تنحسر فيه الديمقراطية، ولنا في استخدامه في الحرب ضد إيران أبلغ مثال.
المسألة تتعدى الخطأ الذي ارتكب بقصف المدرسة، إلى شرعية استخدام هذه المعرفة الجمعية لأغراض الصراع، نحن مع الذكاء الاصطناعي، أمام سلاحٍ لا يقل خطورةً عن امتلاك السلاح النووي، بحسب تعبير لماسك نفسه، متشائم هذه المرة.
تبدو التسعينات، والبشر يستعدون لعبور الألفية الأولى إلى الثانية، وكأنها عقد هواجس الإنسان باتجاه الذكاء الصنعي، فلدينا أيضًا عام 1999 فيلم آخران شهيران عن الذكاء الاصطناعي، الأول تناول قدرة هذا الذكاء على التأثير في وعي الناس لواقعهم وهو فيلم The Matrix، هو فيلمٌ ممتاز لفهم كيف ترتبط المعرفة بالسلطة، وكيف ينضبط البشر بدون حاجةٍ للمخابرات والبوليس، بل من خلال تزييف الواقع نفسه.
أما الفيلم الثاني فيعيدنا إلى السؤال الأساسي: وهو القيمة المتبقية للإنسان أمام روبوتٍ ماهر. يروي فيلم Bicentennial man ( الرجل ذو المئتي عام)، قصة روبوت يعمل لدى أسرة يحمل اسم أندرو، بلغ الذكاء بهذا الروبوت إلى درجة أنّه بدأ يبدع بدون أن يتلقى الأوامر، بدأ يتأمل نتيجة عمله، فيكتشف في نفسه حاجةً للاستقلالية والتقدير لذاته، ليطالب بأن يكون حرّا.
يمنح القانون أندرو هذه الحرّية ليبدأ رحلته مستقلّا عن العائلة ويبدأ يكتشف بنفسه حادةً للحب وانجذابًا نحو فتاة، إلا أن جسده الآلي يقع عائقًا أمام الاتصال بالحبيبة، فيبدأ بتحويله مع أطباء آخرين بتقنيات فائقة الذكاء من فولاذٍ وبراغي ومواسير، إلى جلدٍ ولحمٍ حيٍّ ودمٍ متدفق. ولكن يقى عائقٌ واحد، حبيبته تشيخ وهو لا يشيخ، حبيبته تموت وهو لا يموت. وتبدو الفكرة مرعبةً لأندرو، فيوقع على أمنيته الأخيرة وهي السماح لجسده بأن يموت.
زيارة إلى علم النفس:
زيارة إلى علم النفس:
لو سمعنا أحدا ينادي أن ما يميز الإنسان عن الروبوت الذكي هو حاجاته، لربما ضحكنا عليه في قلبنا، فالتميز كما اعتدناه لا بد أن يكون تفوقًا ما أمّا مفهوم الحاجة فمرتبطٌ بلا وعينا بالنقص والعبء البشري والهشاشة.
وذلك حتى نشاهد فيلم رجل المئتي عام لننتبه إلى أن هذه الحاجات نفسها هي ما تجعل من إنسانيتنا جميلة، وحياتنا طيبة. عندما نتأمل هرم الحاجات الذي وضعه عالم النفس الشهير ابراهيم ماسلو، والمعتمد اليوم على نطاق واسع في العيادات النفسية.
نرى أن قاعدة الهرم فقط هي ما يشترك به البشر مع الحيوانات، أي الحاجات الجسدية الفيزيولوجية كالطعام والنوم، وبالطبع الأمان. وبدءاً من الحاجة إلى الحب والارتباط مرورا بالحاجة إلى الاحترام وتحقيق الذات، وانتهاءً بالحاجة إلى التسامي، نحن مع حاجاتٍ فريدة لكائنٍ فريد، لا يشبهه فيها كائنٌ حيّ أو آلي.
ومنها حاجاتٌ لا يمكن إشباعها بكلٍ تام كتحقيق الذات والتسامي، بل تبدو كأشواقٍ أو نداءاتٍ تنادي الإنسان نحو تجاوز ذاته. يضيف آخرون حاجاتٍ أخرى، كالمعرفة، والحرية، والهوية، والاستقلال، والمعنى.
يكون الإنسان إنسانًا حقّأً حين يجد حوله المساحة الكافية ليتبع هذه الأشواق، ويكون المجتمع سويّا حين يساعده بذلك بحسب عالم النفس الألماني إريك فروم. أما حين تكبت إحدى هذه الحاجات أو تقمع فهنا ليس الإنسان وحده من يقع في العصاب، بل المجتمع بأسره، وبعبارة أخرى قد يكون عصاب الإنسان احتجاجًا على مجتمعٍ عصابيٍّ بالأساس .
الاغتراب إذن ليس فقط حرمان العامل من تأمل عمله والانتفاع منه فحسب، الاغتراب بحسب فروم هو حرمان الإنسان من فرصته لتحقيق أبعاد إنسانيته بالكامل.
ليس إريك فروم وابراهيم ماسلو وحدهما من انطلق من علم النفس ليقدما نقدا اجتماعيا، فعل ذلك أيضًا نفسانيون من التيار الوجودي كالأمريكيين رولو ماي وإرفين يالوم، ولدينا أيضًا جون ديوي، واليسوعي إغناسيو بارو مؤسس علم النفس التحريري والمناضل ضد الدكتاتورية في أميركا اللاتينية، وغيرهم.
ليس إريك فروم وابراهيم ماسلو وحدهما من انطلق من علم النفس ليقدما نقدا اجتماعيا، فعل ذلك أيضًا نفسانيون من التيار الوجودي كالأمريكيين رولو ماي وإرفين يالوم، ولدينا أيضًا جون ديوي، واليسوعي إغناسيو بارو مؤسس علم النفس التحريري والمناضل ضد الدكتاتورية في أميركا اللاتينية، وغيرهم.
أعمال هؤلاء تصب في ما يسمى باليسار الليبرالي الاجتماعي، الذي يفكر من منظور العدالة الاجتماعية وحرية الفرد ونموه على أنهما مبدآن يخدمان بعضهما البعض وليسا متعارضين بالضرورة.
صحيحٌ أننا نلمح فلسفةً محددةً في خلفية نظرة هؤلاء النفسانيين للإنسان، لكن الصحيح أيضًا هو أن الفلسفة أيضًا، وفرضياتها عن الإنسان وجدت في هذه المخابر النفسية فرصةً عظيمة لاختبار أصالتها وفائدتها.
وأخص من بينهم كارل روجرز مؤسس المدرسة الإنسانية في علم النفس، أو العلاج المرتكز على العميل، لا يقدم روجرز بنية تشريحية للذات الإنسانية كما يفعل التحليل النفسي، ولا نظرية في ارتباط الدماغ والأفكار بالسلوك، كعلم النفس السلوكي المعرفي.
الرجل لا يقترح إلا الإصغاء والتعاطف، و الاتصال بذات العميل وفهم كلامه بعمق، والثقة أن في داخله هو الامكانيات الابداعية الكافية ليستبصر آفاق النمو بحياته إن قدم له المعالج القبول غير المشروط. خضعت نظرية روجرز لاختبارات علمية تجريبية وافية، واليوم هي معتمدةٌ بشكل واسعٍ في العالم.
ريادة روجرز تكمن بتحرير العلاج النفسي من أولية سلطة المعالج. وخاصة سلطة المعرفة المسبقة بما هو خير للعميل . كان لروجرز فيما بعد تجربةٌ ملهمةٌ في نقل أفكاره لعالم التربية في المدارس والجامعات، وإلى ميدان حل النزاعات، ولروجرز سجال شهيرً بينه وبين سكينر مؤسس علم النفس السلوكي بعنوان (الحرية والكرامة) لم ينشر للأسف بناءً على طلب سكينر.
فيما بعد أسس أحد تلامذته مارشال روزنبرغ منهجًا مستلهمًا من روجرز سماه التواصل التعاطفي غير العنيف NVC، يقترح روجرز أن الصراع والعنف بين الناس ليس صراع حاجات متعارضة، بل استراتيجيات متعارضة. ويمكن للاتصال الوجداني المبني على الإصغاء المتعاطف خلق استراتيجيات خلاقة مشتركة تلبي حاجات الجميع، ليس انطلاقًا من قوة سلطويةٍ من فوق، بل من قوة تعاضدية مشتركة.
ختاماً:
إن كان هدف اليسار تحرير الإنسان من اغترابه بالمعنى الواسع للكلمة، وليس فقط بالمعنى النظري، فسيجد نصيرًا ممتازًا له في المخابر والعيادات النفسية التي رافقت الإنسان في صراعاته الداخلية خلال هذه الحقبة من التاريخ من الثورة الصناعية حتى الذكاء الاصطناعي.
ولكنه لن يكون يسارًا مستندا على صراع طبقي، بل صراع قيمي ديمقراطي وثقافي غير عنيف، فالعنف اليوم لا يحرك التاريخ كما اعتقد أنغلز بل يهدد بفنائه، و لن يكون هذا اليسار متأكدًا أن التاريخ يجري في صالحه، لذا لن يكون انتصاره حتميًا بل سيكون خيارًا ضروريًا.
لماذا ضروري؟ لأن هذا القلق المتعاظم حول قيمة الإنسان إنتاجيًأ، لا مناص سيغرقنا في صراعات نجاة، وكأننا لا نستطيع البقاء معًا، ليس صراعات فقراء ضد أغنياء، ولا عمال وفلاحين ضد مالكين.
بل فقراء ضد فقراء، مهمشين ضد مهمشين مثلهم، مصوتوا اليمين في العالم أغلبهم فقراء، فقراء مواطنون يخشون من منافسة فقراء لاجئين على الهامش الذي يتضاءل لديهم للبقاء، هذا التمسك اليمينيّ بالهوية هنا وهناك ليس تحمسًا ثقافيًا وحضاريًا على الإطلاق، هو ظنٌ بأن الهوية قارب النجاة الوحيد في عالم تسوده الريبة والشك بالآخر.
قد نتحمس لثورة على الدكتاتورية هنا أو هناك، ولكن لنصطدم أن ما يرث انهيار الدكتاتوريات ليس تأسيسًا سليمًا للعقد الاجتماعي، بل نار صراع اجتماعي تحت الرماد، لأن الجميع قلقٌ من خطر الآخر على بقاءه.
بقي أن نتساءل كيف يمكن هذه الاستبصارات اليسارية الخارجة من المخابر النفسية أن تتحول لتصبح أفكارًا أيديولوجية تقود عملًا جماعيًا. انطباعي أن ذلك يحدث بالفعل وإن لم يكن بالحجم الذي نتمناه، فحزب اليسار المنتمي لكتلة يسار الوسط المنتصر في السويد اليوم يحمل أفكارً تتقاطع بامتياز مع أفكار روجرز وفروم.
أما حزب Linke اليساري الألماني والذي حقق في الانتخابات الأخيرة أعلى أصواتٍ نالها في تاريخه، فله صلة وثيقةٌ بمدرسة فرانكفورت التي انحدر منها إريك فروم. ونقرأ في برنامج فرنسا المتمردة (المستقبل المشترك) توجهًا نحو تحرير القدرة على الفعل والمشاركة والمسؤولية، التي تذكرنا بقوة بأفكارالنفسانيين الوجوديين رولو ماي، وإرفين يالوم.
إلا أننا لن نتوقع بالمدى المنظور بالطبع يسارًا إنسانيًا جماهيريا. الجماهير تئن تحت وطأة خوارزميات القلق من الآخر إن كان في الإعلام أو في وسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي من المبكر التفكير بيسارٍ منتصرٍ سياسيًا وممتلكٌ لأدواته.
ننتظر تنامي يسارٍ يشكل ضميرا حرا، يسارًا نقديًا قادرًا على تقديم نقدٍ لاستغلال أدوات الذكاء الاصطناعي في قيادة تفضيلات البشر، ويستفيد من هذا الذكاء نحو مزيد من التنظيم والتعاون وابتكار استراتيجيات جماعية جديدة، ولكن متمركزين حول الإنسان على وجه العموم، لا لصالح مزيد من الاستئثار والتسلط، ننتظر نموّا تدريجيا لهذا اليسار، آملين نجاحه في خلق رؤية بديلة تجمع حولها المزيد من الحلفاء والمقتنعين، ومن يدري قد يصل بنا لذروة وعي جماعي، قادرٍ على فرض شروطٍ سياسية واقتصاديةٍ بديلة.
ولنتذكر المسألة ليست مسألة تاريخٍ حتمي، حيث نظن أن حركة التاريخ تريحنا من عبء القرار. المسألة هي قرارنا نحن، هل نترك أنفسنا لتيار مهلكٍ من وهم أن حاجات الإنسان تلبى على حساب حاجات أخيه الإنسان. أم نعود لنستثمر في ذواتنا وإنسانياتنا، منتظرين الأفضل من بشريتنا نحن، من ذكائها الوجداني، مستقبلًا أفضل يلبي حاجاتنا معًا.

