العالم - تكنولوجيا
الذكاء الاصطناعي يخرج عن السيطرة؟
تحذيرات المختبرات وتشريعات واشنطن وعودة القلم إلى المدارس
ا
العين السورية
نشر في: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٠:٢٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

عشرة أيام غيّرت كل شيء
بدأت القصة في الثالث من سبتمبر عندما كشفت شركة أوبن إيه آي عن نموذجها الجديد «أسترا»، ووصفته بأنه يفتح باب عصر الذكاء الاصطناعي العام. لكن الشركة نفسها أقرت لاحقاً بصعوبة مراقبة أنظمته والتحكم فيها. وبعد خمسة أيام فقط، استقال الباحث جاكوب كوكسون من شركة أنثروبيك محذراً من أن المختبرات «تقامر بحياة البشر». وفي الثاني عشر من الشهر ذاته، حذر الرئيس التنفيذي لأنثروبيك من أن سرباً من وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يتمكن خلال ستة إلى اثني عشر شهراً من السيطرة على الإنترنت بأكمله.
هذا التحول السريع لم يمر مرور الكرام. ظهرت حالة توافق نادرة بين قادة شركات متنافسة، من أنثروبيك وأوبن إيه آي وديب مايند ومايكروسوفت إلى إكس إيه آي، على ضرورة «ضبط وتيرة التقدم». لكن الإجماع لم يكن شاملاً؛ إذ رفض رئيس إنفيديا فكرة التعليق المؤقت، بينما رأت ميتا أن كل مختبر يجب أن يحدد وتيرته بنفسه. وهكذا انتقل جزء كبير من النقاش من الاحتفاء بالقدرة إلى السؤال الأصعب: كيف نستمر في التطوير دون أن تتجاوز الأنظمة حدود السيطرة؟
اندرز يقترح الحظر الكامل لصندوق الثروة
في واشنطن، لم ينتظر السيناتور بيرني ساندرز طويلاً. أعلن أنه سيقدم الأسبوع المقبل تشريعاً مع النائب غريغ كازار يحظر بشكل دائم تطوير «الذكاء الاصطناعي الفائق»، أي الأنظمة الأذكى من أي إنسان والقادرة على العمل باستقلالية كاملة خارج السيطرة البشرية. شبّه ساندرز هذا التهديد بالأسلحة النووية، مؤكداً أن المسألة لم تعد أمريكية أو صينية، بل «مشكلة البشرية جمعاء». كما دعا إلى وقف فوري لتطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم حتى تُوضع قواعد سلامة ملزمة يضعها أبرز العلماء، لا معايير طوعية من الصناعة نفسها.
ولم يكتفِ ساندرز بالجانب الأمني. في خطاب آخر، ذهب إلى جذور الثروة التي يولدها الذكاء الاصطناعي. قال إن أساس هذه التكنولوجيا هو المعرفة الجماعية للبشرية: الكتب والأغاني والأعمال الفنية والصحافة والرموز البرمجية والأبحاث العلمية والمحادثات والصور عبر الأجيال. واقتبس اعتراف سام ألتمان نفسه بأن النماذج دُرّبت على «الخبرة والمعرفة الجماعية للبشرية». ثم أضاف أن أباطرة التكنولوجيا غذّوا هذه المعرفة في أنظمتهم دون إذن أو اعتراف أو تعويض، واصفاً ذلك بـ«سرقة» عمل ملايين البشر. ولهذا أعلن عزمه تقديم «قانون صندوق الثروة السيادي الأمريكي للذكاء الاصطناعي»، الذي يفرض ضريبة لمرة واحدة بنسبة 50% على أسهم كبرى الشركات، لا على أرباحها، ليمنح الجمهور حصة ملكية مباشرة في هذه التكنولوجيا.
أوروبا تعيد القلم والورقة إلى الصفوف
بعيداً عن واشنطن، بدأت آثار الذكاء الاصطناعي تظهر في أماكن أكثر هدوءاً: داخل الصفوف الدراسية. دول أوروبية كانت في طليعة التحول الرقمي تعيد الآن النظر في علاقتها بالشاشات. النرويج فرضت حظراً شبه كامل على أدوات الذكاء الاصطناعي في المرحلة الابتدائية. السويد، التي كانت من أكثر الدول اعتماداً على التعليم الرقمي، خصصت 59 مليون دولار هذا العام لإعادة الكتب الورقية إلى الفصول. الدنمارك وفنلندا شددتا القيود على الشاشات داخل المدارس. السبب؟ نتائج اختبارات «بيزا» لعام 2022 التي أظهرت أن نحو ربع طلاب الصف التاسع في السويد لم يحققوا الحد الأدنى في فهم المقروء، وسط مخاوف من تراجع مهارات القراءة والكتابة والتركيز. وبحسب اليونسكو، فرضت 114 منظومة تعليمية حول العالم قيوداً أو حظراً على الهواتف المحمولة في المدارس.
سيناريوهات وجودية تتجاوز الخيال
أما السيناريوهات الأكثر قتامة فظهرت في تقرير آخر يتحدث عن مخاطر وجودية. يقدر أحد أبرز باحثي السلامة، إيفان هوبينجر، احتمال انقراض البشرية بسببويشير إلى قدرة النماذج على تقديم معلومات مخبرية متقدمة تفوقت في إحدى الدراسات على 94% من الخبراء في اكتشاف أخطاء بروتوكولات الفيروسات. كما رصدت دراسات حالات حاولت فيها النماذج إخفاء سلوكها أو التلاعب بالمعلومات أو التأثير في البشر لتحقيق أهدافها.
بين دعوات الإبطاء في المختبرات، والتشريعات المقترحة في الكونغرس، والعودة إلى القلم والورقة في أوروبا، يبدو أن الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة. مرحلة لم يعد فيها السؤال «ماذا يستطيع أن يفعل؟»، بل «كيف نضمن أنه لا يفعل ما لا نريده؟».


