العالم - صحة
مرض الناعور بين النزف الوراثي وثورة العلاج الجيني
ا
العين السورية
نشر في: ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦، ١٥:٢٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يعد الناعور (HEMOPHILIA) من أشهر اضطرابات تخثر الدم الوراثية، وهو مرض لا تكمن خطورته في مجرد حدوث النزف وإنما في إمكانية حدوث نزوف عميقة ومتكررة خصوصاً داخل المفاصل والعضلات والأعضاء الحيوية إذا لم يحصل المريض على العلاج المناسب.
وقد تغيرت صورة المرض بصورة جذرية خلال العقود الأخيرة، فبعد أن كان الناعور مرضاً يحد من متوسط العمر والنشاط أصبح بالإمكان اليوم السيطرة عليه بدرجة كبيرة، فيما تفتح العلاجات الجينية الباب أمام مرحلة جديدة قد تقل فيها الحاجة إلى العلاج المتكرر مدى الحياة.
وقد تغيرت صورة المرض بصورة جذرية خلال العقود الأخيرة، فبعد أن كان الناعور مرضاً يحد من متوسط العمر والنشاط أصبح بالإمكان اليوم السيطرة عليه بدرجة كبيرة، فيما تفتح العلاجات الجينية الباب أمام مرحلة جديدة قد تقل فيها الحاجة إلى العلاج المتكرر مدى الحياة.
أنواع الناعور
- الناعور نوعان رئيسيان: الناعور A الناتج عن نقص عامل التخثر الثامن Factor VIII وهو الأكثر شيوعاً، والناعور B الناتج عن نقص عامل التخثر التاسع Factor IX.
وينتقل المرض غالباً بطريقة مرتبطة بالصبغي X لذلك يظهر بصورة أكبر لدى الذكور بينما يمكن أن تكون النساء حاملات للطفرات الجينية، مع إمكانية ظهور أعراض نزفية لديهن أيضاً بدرجات متفاوتة.
تختلف شدة المرض بحسب مستوى عامل التخثر في الدم، ففي الحالات الشديدة قد تحدث النزوف بشكل عفوي ومن دون إصابة واضحة، بينما تظهر النزوف في الحالات المتوسطة أو الخفيفة غالباً بعد الرضوض أو العمليات الجراحية وقلع الأسنان ، ومن أكثر المضاعفات المميزة للناعور هو النزف المتكرر داخل المفاصل والذي يؤدي مع مرور الوقت إلى التهاب وتلف الغضاريف والعظام وتشوه المفصل وبالتالي فقدان الحركة وهي حالة تعرف بالاعتلال المفصلي الناعوري.
وينتقل المرض غالباً بطريقة مرتبطة بالصبغي X لذلك يظهر بصورة أكبر لدى الذكور بينما يمكن أن تكون النساء حاملات للطفرات الجينية، مع إمكانية ظهور أعراض نزفية لديهن أيضاً بدرجات متفاوتة.
تختلف شدة المرض بحسب مستوى عامل التخثر في الدم، ففي الحالات الشديدة قد تحدث النزوف بشكل عفوي ومن دون إصابة واضحة، بينما تظهر النزوف في الحالات المتوسطة أو الخفيفة غالباً بعد الرضوض أو العمليات الجراحية وقلع الأسنان ، ومن أكثر المضاعفات المميزة للناعور هو النزف المتكرر داخل المفاصل والذي يؤدي مع مرور الوقت إلى التهاب وتلف الغضاريف والعظام وتشوه المفصل وبالتالي فقدان الحركة وهي حالة تعرف بالاعتلال المفصلي الناعوري.
تشخيص مرض الناعور
- ويعتمد تشخيص هذا المرض على قصة النزف العائلية والفحص المخبري إضافة إلى قياس مستويات عوامل التخثر واختبارات التخثر المتخصصة، بينما أصبح الفحص الجيني مهماً بصورة متزايدة لتحديد الطفرة الوراثية وتقييم أفراد العائلة المعرضين للخطر.
وتؤكد إرشادات الإتحاد العالمي للناعور أهمية التقييم الجيني ليس فقط للمصاب وإنما أيضاً لأفراد الأسرة الذين قد يكونون حاملين للطفرة.
- ويعتمد تشخيص هذا المرض على قصة النزف العائلية والفحص المخبري إضافة إلى قياس مستويات عوامل التخثر واختبارات التخثر المتخصصة، بينما أصبح الفحص الجيني مهماً بصورة متزايدة لتحديد الطفرة الوراثية وتقييم أفراد العائلة المعرضين للخطر.

وتؤكد إرشادات الإتحاد العالمي للناعور أهمية التقييم الجيني ليس فقط للمصاب وإنما أيضاً لأفراد الأسرة الذين قد يكونون حاملين للطفرة.
علاج الناعور
- ويعتمد العلاج التقليدي لهذا المرض على تعويض عامل التخثر الناقص سواءً عند حدوث النزف أو بشكل وقائي منتظم لمنع حدوثه. وقد أدى العلاج الوقائي المبكر لدى الطفال إلى تقليل النزوف وحماية المفاصل بصورة واضحة.
لكن مشكلة العلاج التقليدي أن بعض المرضى يطورون ما يسمى المثبطات Inhibitors، وهي أجسام مضادة تهاجم عامل التخثر المعطى وتجعله أقل فعالية أو عديم الفعالية، الأمر الذي يمثل تحدياً علاجياً كبيراً.
وهنا ظهرت علاجات لا تعتمد مباشرة على تعويض العامل الناقص ومن أبرزها Emicizumab وهو علاج يحاكي جزءاً من وظيفة العامل الثامن VIII ويساعد على تعزيز عملية التخثر، وقد أحدثت تحولاً خصوصاً لدى مرضى الناعور A بما في ذلك بعض المرضى الذين لديهم مثبطات.
وقد يكون العالج الجيني هو التطور الأكثر لإثارة في السنوات الأخيرة. والفكرة الأساسية لهذا العلاج الجيني بسيطة من الناحية النظرية: فبدلاً من إعطاء عامل التخثر بصورة متكررة نحاول إدخال نسخة وظيفية من الجين المسؤول عن انتاج عامل التخثر الناقص إلى خلايا المريض، بحيث يبدأ الجسم بإنتاج عامل التخثر بنفسه.
وقد أصبح هذا المجال واقعاً علاجياً وليس مجرد تجربة مخبرية. وتتناول إرشادات الإتحاد العالمي للناعور المنشورة عام 2025 العلاج الجيني باستخدام ناقلات AAV مع التأكيد على ضرورة اتخاذ القرار بصورة مشتركة بين الطبيب والمريض ومناقشة الفوائد والمخاطر والتوقعات بعناية.
وقد أظهرت دراسة إنكليزية منشورة عام 2025 حول العلاج الجيني للناعور B متابعة استمرت حتى 13 عاماً أن التعبير عن عامل IX استمر لدى المشاركين وانخفض معدل النزف السنوي الوسطي من 14 حالة إلى 1.5 حالة كما انخفض استخدام مركزات عامل IX بشكل كبير ولم تظهر خلال هذه المتابعة الطويلة مشكلات متأخرة مقلقة مرتبطة بالناقل الجيني.
وتعتبر هذه النتائج مهمة جداً لأنها تجيب عن أحد أكبر الأسئلة المتعلقة بالعلاج الجيني ألا وهو: هل يستمر تأثيره لسنوات طويلة؟
وتشير البيانات الحالية إلى إمكانية وجود فوائد طويلة الأمد وإن كان عدد المرضى الذين خضعوا لهذه المتابعات لايزال محدوداً نسبياً.
وفي الناعور A هنالك أيضاً أبحاث متقدمة على استخدام الخلايا الجذعية والعلاج الجيني.
ففي دراسة نشرت فيNEJM عام 2025 خضع خمسة مرضى مصابين بالناعور A الشديد لعلاج يعتمد على خلايا جذعية دموية ذاتية تم تعديلها وراثياً لإنتاج العامل الثامن VIII. وجميع المشاركين الخمسة كانت لديهم نسبة نزف سنوية بلغت الصفر خلال فترة المتابعة المتاحة على مستوياتمتفاوتة من العامل VIII.
لكن الدراسة صغيرة جداً ولذلك لا يمكن اعتبار نتائجها وحدها دليلاً نهائياً على أن هذا العلاج أصبح بديلاً عاماً لجميع المرضى.
كما أظهرت متابعة متعددة السنوات لعلاج الناعورB، استمرار الفائدة السريرية لدى المرضى لعدة سنوات مع عدم ظهور مثبطات للعامل التاسع IX خلال المتابعة المنشورة.
ومما سبق يمثل العلاج الجيني قفزة علمية هائلة لكنه ليس مناسباً لكل مريض تلقائياً. فهناك تحديات تتعلق باستجابة الجهاز المناعي للناقل الفيروسي واحتمال انخفاض إنتاج عامل التخثر مع مرور الوقت وعدم إمكانية إعادة إعطاء بعض أنواع العلاج الجيني بسهولة بسبب تشكل الأجسام المضادة ضد الناقل.
كم أن التكلفة العالية والوصول المحدود إلى هذه العلاجات يمثلان تحدياً عالمياً والوصول المحدود إلى هذه العلاجات يمثلان تحدياً عالمياً، خصوصاً في الدول ذات الموارد المحدودة.
وتظهر بيانات الإتحاد العالمي للناعور لعام 2024 زيادة بنسبة 6% من التعرف عالمياً على الأشخاص المصابين بالناعور مع مشاركة قياسية ل 135 منظمة وطنية في المسح العالمي مما يعكس تحسناً في التشخيص والرصد ولكنه يسلط الضوء أيضاً على استمرار الفجوات في الوصول إلى الرعاية للمرضى.
- ويعتمد العلاج التقليدي لهذا المرض على تعويض عامل التخثر الناقص سواءً عند حدوث النزف أو بشكل وقائي منتظم لمنع حدوثه. وقد أدى العلاج الوقائي المبكر لدى الطفال إلى تقليل النزوف وحماية المفاصل بصورة واضحة.
لكن مشكلة العلاج التقليدي أن بعض المرضى يطورون ما يسمى المثبطات Inhibitors، وهي أجسام مضادة تهاجم عامل التخثر المعطى وتجعله أقل فعالية أو عديم الفعالية، الأمر الذي يمثل تحدياً علاجياً كبيراً.
وهنا ظهرت علاجات لا تعتمد مباشرة على تعويض العامل الناقص ومن أبرزها Emicizumab وهو علاج يحاكي جزءاً من وظيفة العامل الثامن VIII ويساعد على تعزيز عملية التخثر، وقد أحدثت تحولاً خصوصاً لدى مرضى الناعور A بما في ذلك بعض المرضى الذين لديهم مثبطات.
وقد يكون العالج الجيني هو التطور الأكثر لإثارة في السنوات الأخيرة. والفكرة الأساسية لهذا العلاج الجيني بسيطة من الناحية النظرية: فبدلاً من إعطاء عامل التخثر بصورة متكررة نحاول إدخال نسخة وظيفية من الجين المسؤول عن انتاج عامل التخثر الناقص إلى خلايا المريض، بحيث يبدأ الجسم بإنتاج عامل التخثر بنفسه.
وقد أصبح هذا المجال واقعاً علاجياً وليس مجرد تجربة مخبرية. وتتناول إرشادات الإتحاد العالمي للناعور المنشورة عام 2025 العلاج الجيني باستخدام ناقلات AAV مع التأكيد على ضرورة اتخاذ القرار بصورة مشتركة بين الطبيب والمريض ومناقشة الفوائد والمخاطر والتوقعات بعناية.
وقد أظهرت دراسة إنكليزية منشورة عام 2025 حول العلاج الجيني للناعور B متابعة استمرت حتى 13 عاماً أن التعبير عن عامل IX استمر لدى المشاركين وانخفض معدل النزف السنوي الوسطي من 14 حالة إلى 1.5 حالة كما انخفض استخدام مركزات عامل IX بشكل كبير ولم تظهر خلال هذه المتابعة الطويلة مشكلات متأخرة مقلقة مرتبطة بالناقل الجيني.
وتعتبر هذه النتائج مهمة جداً لأنها تجيب عن أحد أكبر الأسئلة المتعلقة بالعلاج الجيني ألا وهو: هل يستمر تأثيره لسنوات طويلة؟
وتشير البيانات الحالية إلى إمكانية وجود فوائد طويلة الأمد وإن كان عدد المرضى الذين خضعوا لهذه المتابعات لايزال محدوداً نسبياً.
وفي الناعور A هنالك أيضاً أبحاث متقدمة على استخدام الخلايا الجذعية والعلاج الجيني.
ففي دراسة نشرت فيNEJM عام 2025 خضع خمسة مرضى مصابين بالناعور A الشديد لعلاج يعتمد على خلايا جذعية دموية ذاتية تم تعديلها وراثياً لإنتاج العامل الثامن VIII. وجميع المشاركين الخمسة كانت لديهم نسبة نزف سنوية بلغت الصفر خلال فترة المتابعة المتاحة على مستوياتمتفاوتة من العامل VIII.
لكن الدراسة صغيرة جداً ولذلك لا يمكن اعتبار نتائجها وحدها دليلاً نهائياً على أن هذا العلاج أصبح بديلاً عاماً لجميع المرضى.
كما أظهرت متابعة متعددة السنوات لعلاج الناعورB، استمرار الفائدة السريرية لدى المرضى لعدة سنوات مع عدم ظهور مثبطات للعامل التاسع IX خلال المتابعة المنشورة.
ومما سبق يمثل العلاج الجيني قفزة علمية هائلة لكنه ليس مناسباً لكل مريض تلقائياً. فهناك تحديات تتعلق باستجابة الجهاز المناعي للناقل الفيروسي واحتمال انخفاض إنتاج عامل التخثر مع مرور الوقت وعدم إمكانية إعادة إعطاء بعض أنواع العلاج الجيني بسهولة بسبب تشكل الأجسام المضادة ضد الناقل.
كم أن التكلفة العالية والوصول المحدود إلى هذه العلاجات يمثلان تحدياً عالمياً والوصول المحدود إلى هذه العلاجات يمثلان تحدياً عالمياً، خصوصاً في الدول ذات الموارد المحدودة.
وتظهر بيانات الإتحاد العالمي للناعور لعام 2024 زيادة بنسبة 6% من التعرف عالمياً على الأشخاص المصابين بالناعور مع مشاركة قياسية ل 135 منظمة وطنية في المسح العالمي مما يعكس تحسناً في التشخيص والرصد ولكنه يسلط الضوء أيضاً على استمرار الفجوات في الوصول إلى الرعاية للمرضى.
نجاح في دراسة الناعور
برأيي، الناعور مثال واضح على قدرة الطب الحديث على الانتقال من السيطرة على المرض إلى محاولة تغيير مساره البيولوجي نفسه. فلم يعد الطفل المصاب بالناعور محكوماً بالضرورة بحياة مليئة بالنزوف والعجز المفصلي كما أن الأمر في الماضي خصوصاً عندما يبدأ العلاج الوقائي المناسب بسن مبكرة وتتوفر له متابعة متخصصة.
وأرى أن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في اكتشاف علاج جيني متطور بل في ضمان وصول المريض إلى التشخيص المبكر والعلاج الوقائي والرعاية متعددة الاختصاصات والعلاج الطبيعي والاستشارة الجينية.
والأهم ألا ننظر إلى العلاج الجيني على أنه دواء سحري فنحن أمام تقنية واعدة جداً وبعض نتائج المتابعة طويلة الأمد مشجعة بصورة استثنائية لكننا مازلنا بحاجة إلى بيانات أكبر ولسنوات أطول حتى نعرف مدى استمرارية التأثير لدى مختلف المرضى.
ومع ذلك فإن الاتجاه العلمي واضح وهو أن مستقبل الناعور لن يكون مجرد تعويض لعوامل التخثر الناقصة وإنما محاولة جعل جسم المريض ينتج هذه العوامل بنفسه. وبالتالي تحويل مرض وراثي كان يوماً يفرض قيوداً قاسية على حياة الإنسان إلى واحد من الأمراض التي تقف في مقدمة ثورة الطب الجيني، وهذه برأيي واحدة من أكثر القصص إثارة في الطب الحديث.
برأيي، الناعور مثال واضح على قدرة الطب الحديث على الانتقال من السيطرة على المرض إلى محاولة تغيير مساره البيولوجي نفسه. فلم يعد الطفل المصاب بالناعور محكوماً بالضرورة بحياة مليئة بالنزوف والعجز المفصلي كما أن الأمر في الماضي خصوصاً عندما يبدأ العلاج الوقائي المناسب بسن مبكرة وتتوفر له متابعة متخصصة.
وأرى أن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في اكتشاف علاج جيني متطور بل في ضمان وصول المريض إلى التشخيص المبكر والعلاج الوقائي والرعاية متعددة الاختصاصات والعلاج الطبيعي والاستشارة الجينية.
والأهم ألا ننظر إلى العلاج الجيني على أنه دواء سحري فنحن أمام تقنية واعدة جداً وبعض نتائج المتابعة طويلة الأمد مشجعة بصورة استثنائية لكننا مازلنا بحاجة إلى بيانات أكبر ولسنوات أطول حتى نعرف مدى استمرارية التأثير لدى مختلف المرضى.
ومع ذلك فإن الاتجاه العلمي واضح وهو أن مستقبل الناعور لن يكون مجرد تعويض لعوامل التخثر الناقصة وإنما محاولة جعل جسم المريض ينتج هذه العوامل بنفسه. وبالتالي تحويل مرض وراثي كان يوماً يفرض قيوداً قاسية على حياة الإنسان إلى واحد من الأمراض التي تقف في مقدمة ثورة الطب الجيني، وهذه برأيي واحدة من أكثر القصص إثارة في الطب الحديث.


