سوريا - اقتصاد
من الرقابة إلى المدفوعات.. كيف تعيد مذكرة الإمارات رسم مسار المصارف السورية؟
مذكرة التفاهم بين مصرف سورية المركزي ومصرف الإمارات المركزي تفتح ملفات الرقابة وإدارة المخاطر والامتثال والمدفوعات الإلكترونية ونظم المعلومات الائتمانية، وتضع القطاع المصرفي السوري أمام اختبار بناء القدرات واستعادة الثقة المالية الدولية.
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٧ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٠:١٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لا تختبر مذكرة التفاهم الموقعة بين مصرف سورية المركزي ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي مجرد قدرة البلدين على توسيع التعاون المالي، بل تضع أمام القطاع المصرفي السوري مجموعة من الملفات التي ستحدد مدى قدرته على الانتقال من مرحلة معالجة آثار سنوات العزلة إلى بناء منظومة أكثر اتصالاً بالمعايير والممارسات المصرفية الحديثة.
وتكتسب المذكرة أهميتها من اتساع نطاقها، إذ تشمل الرقابة المصرفية وإدارة المخاطر والامتثال وأنظمة الدفع والتقنيات المالية ونظم المعلومات الائتمانية والشمول المالي والتمويل المستدام وحماية المستهلك. وهي مجالات تتجاوز التعاون النقدي التقليدي إلى إعادة بناء أجزاء أساسية من البنية المصرفية نفسها.
وترى الدكتورة منال الشياح، عميد كلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق في حديثها مع "العين السورية" ، أن أهمية المذكرة تكمن في أنها تأتي في مرحلة تتجه فيها سورية إلى إعادة بناء اقتصادها وتوسيع قاعدة الاستثمار وتنشيط القطاعات الإنتاجية، ما يجعل تحديث القطاع المصرفي جزءاً من عملية اقتصادية أوسع، لا إصلاحاً منفصلاً عن احتياجات الاقتصاد.
من الالتزام بالتعليمات إلى الرقابة على المخاطر
أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة هو شكل الرقابة المصرفية نفسها. فبحسب الشياح، تحتاج سورية إلى انتقال أكبر نحو الرقابة القائمة على المخاطر، بحيث لا يقتصر دور الجهات الرقابية على التحقق من التزام المصارف بالتعليمات، بل يمتد إلى تقييم قدرتها على تحديد المخاطر وقياسها وإدارتها قبل تحولها إلى أزمات.
ويشمل ذلك مخاطر الائتمان والسيولة والسوق والتشغيل، إلى جانب مخاطر التكنولوجيا والأمن السيبراني، مع تعزيز الحوكمة واستقلالية التدقيق الداخلي والامتثال وإدارة المخاطر.
كما تبرز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب كاختبار عملي، خصوصاً في ما يتعلق بمعرفة العميل، وتحديد المستفيد الحقيقي، والتصنيف المستمر للعملاء، ومراقبة العمليات وتحليل الأنماط غير الاعتيادية.
وهنا تكمن إحدى النقاط التي تتجاوزها المذكرات البروتوكولية عادة: فرفع مستوى الرقابة والامتثال لا يرتبط فقط بسلامة المصارف، وإنما بقدرتها على بناء الثقة اللازمة للتعامل مع المؤسسات المالية خارج سورية.
مذكرة التفاهم لا تعيد العلاقات الدولية بمفردها
ورغم أن التعاون مع الجانب الإماراتي يمكن أن يساعد في رفع القدرات الفنية والرقابية للمصارف السورية، فإن إعادة بناء العلاقات المصرفية الدولية ستحتاج إلى أكثر من مذكرة تفاهم.
وتوضح الشياح أن المؤسسات المالية الدولية تنظر إلى حزمة واسعة من العوامل، من بينها جودة التشريعات، وفعالية الرقابة، والامتثال لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وشفافية الملكية، وجودة البيانات المالية وإدارة المخاطر والقدرة على تطبيق متطلبات الامتثال الدولية.
وهذا يعني أن التعاون الإماراتي يمكن أن يكون جزءاً من مسار بناء القدرات والثقة، لكنه لا يمثل بديلاً عن برنامج إصلاح أوسع يشمل التشريعات والحوكمة والشفافية والامتثال وإعادة بناء الثقة بالنظام المصرفي.
المدفوعات الإلكترونية.. الاختبار الأسرع
قد يكون قطاع المدفوعات المجال الذي يلمس فيه المواطن نتائج الإصلاح المصرفي بصورة أسرع. فالتعاون في هذا المجال، وفق الشياح، لا يتعلق فقط باستبدال النقد بالبطاقات أو المحافظ الإلكترونية، بل ببناء بنية تحتية مالية أسرع وأكثر كفاءة وأماناً.
ويمكن لتبادل الخبرات أن يدعم تطوير أنظمة الدفع والتسوية وربط المؤسسات المالية وتوسيع الخدمات المصرفية الرقمية والدفع عبر الهاتف والمنصات الإلكترونية، إلى جانب إدارة المخاطر والأمن السيبراني.
اقتصادياً، يمكن أن يؤدي انتشار المدفوعات الإلكترونية إلى خفض كلفة تداول النقد وتحسين سرعة دوران الأموال وتوفير بيانات أفضل عن النشاط الاقتصادي، فضلاً عن دعم التحصيل الإلكتروني للمدفوعات الحكومية.
لكن الطريق إلى ذلك ليس تقنياً فقط. فنجاح التحول يتطلب بنية اتصالات مناسبة، وتشريعات ناظمة، وحماية للبيانات، وأمناً سيبرانياً، إضافة إلى رفع مستوى الثقافة المالية والرقمية.
الائتمان.. من الضمانات إلى البيانات
في ملف آخر قد يكون تأثيره أعمق على التمويل، تبرز نظم المعلومات الائتمانية. فغياب المعلومات الدقيقة والمحدثة عن التاريخ الائتماني يدفع المصارف عادة إلى التشدد في منح القروض والاعتماد بصورة أكبر على الضمانات.
أما النظام الائتماني المتطور فيتيح للمصرف تقييم العميل بناءً على سجله المالي والتزاماته وسلوكه الائتماني، وليس فقط على قيمة الضمانات التي يستطيع تقديمها. وترى الشياح أن تطوير هذه المنظومة يمكن أن يساعد في توسيع الائتمان الموجه إلى القطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين تسعير القروض وفق مستويات المخاطر وخفض معدلات التعثر.
وهنا تتحول البيانات من أداة مصرفية داخلية إلى عنصر يمكن أن يؤثر في قدرة الاقتصاد على الوصول إلى التمويل.
الكادر المصرفي هو الحلقة الحاسمة
لكن تحديث الأنظمة والتشريعات لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع تحديث الكفاءات التي ستطبقها. وتحدد الشياح مجموعة من المجالات التي تحتاج إلى نقل خبرة وتدريب، بينها الرقابة القائمة على المخاطر، وإدارة مخاطر الائتمان والسيولة، والامتثال، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتحليل المالي، ونظم المعلومات الائتمانية، والأمن السيبراني والتكنولوجيا المالية.
وتشير إلى أن التدريب الأكثر فاعلية ينبغي ألا يبقى نظرياً، بل يتجه إلى برامج متخصصة وتبادل خبراء وورش عمل مشتركة وتوأمة مؤسسية تتيح للكوادر السورية الاطلاع على التجارب التطبيقية.
النجاح يقاس بما يحدث بعد التوقيع
في النهاية، لن يكون عدد الاجتماعات والزيارات المتبادلة مقياساً كافياً للحكم على نجاح المذكرة. المؤشر الأهم سيكون قدرتها على التحول إلى برامج تنفيذية ونتائج قابلة للقياس.
وتقترح الشياح مراقبة مؤشرات تشمل تطوير التشريعات والتعليمات المصرفية، وتطبيق الرقابة القائمة على المخاطر، وتحسين نظم المعلومات الائتمانية، وتنفيذ برامج بناء القدرات، وتطوير المدفوعات الإلكترونية والتكنولوجيا المالية، إلى جانب نمو استخدام الخدمات المصرفية الرقمية واتساع قاعدة المتعاملين وزيادة التمويل الموجه إلى القطاعات الإنتاجية.
أما الاختبار النهائي، فلن يكون داخل المصارف وحدها. فالمذكرة، وفق هذا المنظور، تكتسب قيمتها عندما تتحول إلى خدمات أسهل وأسرع وأكثر أماناً للمواطن، وتمويل أكثر وصولاً للقطاع الخاص، وقدرة أكبر على بناء علاقات مالية خارجية، بما يدعم الاستثمار والإنتاج والتجارة وإعادة الإعمار.
وبذلك، فإن السؤال الذي تطرحه المذكرة ليس ما إذا كان التعاون السوري الإماراتي قد توسع، بل ما إذا كان هذا التعاون سيتمكن من تحويل الخبرة المصرفية إلى أنظمة وتشريعات وكفاءات ومنتجات جديدة، تستطيع المصارف السورية من خلالها استعادة دورها كوسيط أساسي بين المدخرات والاستثمار والنشاط الاقتصادي.


