سوريا - ثقافة
مختفون..الأطفال بين الاعتقال والمصير المجهول
س
سمر شمه
نشر في: ١٦ مايو ٢٠٢٦، ٠٩:٢٩
3 دقيقة
3

وثّقت تقارير حقوقية حتى آذار 2023 استشهاد ما لا يقل عن /22,981/ طفلاً على يد قوات النظام المخلوع وحلفائه منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، من بينهم /190/ استُشهدوا بسبب التعذيب الوحشي في السجون والمعتقلات، ولا يزال /5,199/ منهم على الأقل قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري حتى ذلك التاريخ، هذا إضافة إلى أن واحداً من كل /13/ ضحية في الحرب السورية كان طفلاً أو امرأة وفقاً للأمم المتحدة، إضافة إلى الأعداد الكبيرة من المهجرين واللاجئين والنازحين داخلياً والتي تقدر بأكثر من /2,5/ مليون طفل.
وقد اهتمت السينما الوثائقية السورية بهذا الملف الأكثر تراجيديا وقسوة في المأساة السورية، وتم إنجاز العديد من الأعمال عن الأطفال المختفين قسراً، ومن بينها الفيلم الوثائقي القصير "مختفون"، إخراج: ياسمين فضة، تم تصويره عام 2023، وعُرض للمرة الأولى في سوريا الشهر الفائت في "تظاهرة أفلام الثورة السورية". وقد تحدث عن جريمة اعتقال طبيبة الأسنان وبطلة سوريا في الشطرنج رانيا العباسي مع زوجها وأطفالها الستة ومساعدتها مجدولين القاضي، إحدى أشهر قضايا الاختفاء القسري وأكثرها إيلاماً، لاسيما وأن مصير الأطفال بقي مجهولاً حتى اليوم، بينما وردت أنباء عن استشهاد الأب تحت التعذيب وتم التعرف على صورته ضمن "تسريبات قيصر"، واستشهاد الأم ومساعدتها واعتقال الأطفال في الفروع الأمنية ثم فصلهم عن والدتهم وتوزيعهم على المياتم وقرى الأطفال "SOS" في دمشق، بعد تغيير أسمائهم ومنع أي تواصل معهم أو السؤال عنهم كما كان يجري مع الأطفال المعتقلين الآخرين، وهذه جريمة مروعة لا مثيل لها في العصر الحديث.
ضم الفيلم شهادات عديدة من بينها ما أدلى بها شقيق الدكتورة رانيا العباسي حسان الذي يعمل ليلاً نهاراً منذ انقطاع التواصل معها واعتقالها في آذار 2013 حتى اللحظة على الوصول إلى الحقيقة وإنقاذ الأطفال الذين أصبحوا شباباً وشابات على أمل أن يكونوا أحياء يرزقون. وقد تحدث خلالها عن حياة شقيقته واهتماماتها وفقدانها لوالدها الذي اعتُقل في سجن تدمر وهي بسن العاشرة، ومحاولاتها الدائمة للوصول إلى خبر عن مصيره دون نتائج، وعن شغفها بالشطرنج ومشاركتها في البطولات الدولية لسنوات عديدة، وأشار إلى أن التهمة الموجهة لشقيقته وزوجها هي مساعدتهم لعائلة حمصية نازحة من حي الخالدية، سكنت بقربهم، وتم اعتقال ابنها الشاب وتعذيبه تعذيباً وحشياً ومن ثم اعتقال عائلة شقيقته بالكامل من قبل سرية المداهمة التابعة للأمن العسكري الفرع /215/، والتي كان أحد أفرادها مسؤولاً عن الحواجز في منطقة مشروع دمر الذي تقطنه الدكتورة رانيا وعائلتها، ويتردد إلى عيادتها لمعالجة أسنانه وبالمجان. وأكد أيضاً قيام عناصر الأمن بسرقة المال والذهب وكل ما هو ثمين والسيارات من المنزل وختمه بالشمع الأحمر، مشيراً إلى سيطرة الأمن العسكري على المنطقة آنذاك وترويعهم للسكان والمواطنين، وقيامهم بأعمال السلب والنهب والاعتقالات والخطف. وتحدث أيضاً عن دفعهم للأموال الطائلة لأجهزة الأمن من أجل الحصول على معلومة واحدة حول مكان وجود عائلة شقيقته ومصيرها، وعن الابتزاز الذي تعرضوا له والوعود الكاذبة والضغوط النفسية والأمنية المخيفة.
ذكر أحد الشهود في هذا الفيلم بأن الدكتورة وزوجها عبد الرحمن ياسين كانا موجودَين في الفرع الذي اعتقلهما، وكانت أوضاعهما صعبة جداً، ويتعرضان للتعذيب الشديد والتنكيل وكافة أشكال الانتهاكات. بينما قالت طبيبة ناجية من الاعتقال بأنها التقت برانيا العباسي في أحد الفروع الأمنية في الزنازين وكانت طفلتها الرضيعة معها في حالة سيئة جداً وقاسية لا يمكن للكبار أن يتحملوها. بينما أدلت إحدى النساء الناجيات بشهادتها مؤكدة أن المعتقلة العباسي كانت معها في فرع فلسطين عام 2014، وكان ابنها الصغير مصاباً بالقمل من انعدام النظافة والشمس والهواء، مرعوباً دائماً من أصوات التعذيب ووحشية الجلادين وكل التفاصيل المرعبة، وقد ضغط عليها ضباط الأمن والجلادون لتوقيع ورقة تعلن فيها تنازلها عن أبنائها لنقلهم خارج هذا المكان المظلم، ووقعوها عليها رغماً عنها وبأساليب لا يحتملها بشر.
وفي الشهادات التي ضمها الفيلم صرح أحد الشهود بأن أعداد الأطفال المختفين قسراً حتى لحظة تصوير الفيلم تجاوزت الآلاف، وأنه تم فصل الصغار عن أمهاتهم في المعتقلات و بقي مصيرهم مجهولاً في سابقة خطيرة لم ترتكبها أكثر الأنظمة وحشية على مر التاريخ، وقد شوهد بعضهم يعملون في ورشات تابعة لأجهزة الأمن تحت سطوة التهديد والتجويع وأبشع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
رغم الحملات العالمية ومحاولات منظمة العفو الدولية وغيرها للكشف عن مصير هذه العائلة وآلاف المختفين قسراً لم يتمكن أحد من الحصول على أجوبة، في الوقت الذي أكد فيه أحد المسؤولين الروس خلال لقائه ببعض أطراف المعارضة السورية أن النظام أنكر وجود هؤلاء الأطفال لديه ولم يتعاون أبداً بهذه القضية المفجعة.
رصدت الكاميرا خلال الفيلم شوارع دمشق الحزينة، والحواجز الأمنية المسلحة المنتشرة في كل مكان، ووجوه الشبيحة وقوات النظام التي تسيطر على المدينة بالسلاح والحديد والنار، ورصدت أيضاً صوراً للعائلة وأطفالها الذين كانوا يعيشون بأمان واستقرار تملأ ضحكاتهم المنزل الذي أُغلق بعد استباحته واستباحة كل من كان فيه.
مضت سنوات طويلة على ارتكاب هذه الجريمة البشعة، وما زالت: ديما. انتصار. نجاح. آلاء. أحمد وليان في غياهب المجهول والألم والحسرة، مازال مصيرهم ومصير الأطفال الذين عُذبوا وانتُهكت طفولتهم غائباً بين الأمل ببقائهم حتى الآن على قيد الحياة ومعلومات متناقضة عن بيعهم أو الاتجار بأعضائهم أو تبنّيهم من قبل عائلات متنوعة، بانتظار أن تعمل الجهات الرسمية المسؤولة عن هذا الملف المؤلم بجديةوشفافية للوصول إلى الحقيقة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.


